الفصل الثلاثين
الغرفة شبه مظلمة، ينفذ شعاع خافت من الشمس من خلال شقوق النافذة الخشبية. تجلس على الأرض وسط كومة من الملابس. دموعها تنساب على خديها، بينما يرتسم على وجهها تعبير غاضب.
تمد يدها ببطء، تلتقط قطعة من الملابس، ترفعها إلى مستوى عينيها، تتأملها للحظة، ثم ترميها على الأرض بعنف. تتكرر هذه الحركة، مرة تلو الأخرى مع كل قطعة من تلك الملابس. كل قطعة تلقى على الأرض، تمثل شعورا بالحزن والغضب. حزن على خيبة الأمل، غضب على خيانة ابن عمها (لاين)، الذي رفض مساعدتها له.
تقف بعد ذلك منتصبة، تتنفس بعمق، لتحاول كبح دموعها المنهمرة. تنظر إلى الخارج من خلال النافذة، ترى عينيها المتورمتين دجاجا ينبش الأرض وبعضه يشرب من المياه الهاطلة من السماء. تتجه بخطوات سريعة نحو صندوق الملابس، تفتحه بعنف، لتبدأ بتعبئة حقيبتها. كل قطعة كانت تضعها في الحقيبة تمثل قرارا بالرحيل، رحيل عن هذا المنزل، ورحيل عن هذا الشخص الذي خذلها ورفضها.
تلتقط حقيبتها فترفعها على كتفها، ثم تنظر مرة أخيرة إلى الغرفة، وتتجه بعد ذلك نحو الباب. تفتحه وتخرج من الغرفة، لتغلقه خلفها دون أن تلتفت. تمشي بخطوات ثابتة، رأسها مرفوع، عينيها تحدقان في الأفق. رغم أنها لا تزال تشعر بالشفقة عليه، لكنها تعلم أن عليها الرحيل من هذا المكان الذي يذكرها بخيبة الأمل وخيانة من تحب. تخرج (تيس) من المنزل، تخطو نحو الأرض المبللة بمياه المطر التي تمتزج دموعها بها.
...بعد رحيلها ظل (لاين) مستلقيا على ظهره وهو ينظر لأعلى، وقف بعد ذلك وخرج من الغرفة ليغسل وجهه النعسان. ارتجفت يد (لاين) الوحيدة وهو يمسك بمنشفة صغيرة. حاول بكل ما أوتي من قوة أن يبللها بالماء، لكن الماء انسكب من الدلو الذي لم يستطع احكام امساكه من فم البئر. نظر إلى نفسه في انعكاس الماء المسكوب على الأرض، فرأى انعكاسا لشاب مبتور الذراع، يفتقد أذنه وعينه اليمنى. شعور بالخيبة والمرارة والنقص غمر قلبه. لم يكن هذا الشاب الذي يراه هو نفسه الذي كان يراه قبل المعركة. لقد تغير كل شيء.
انتقل (لاين) إلى المطبخ، مصمما على طهي وجبة لنفسه. حاول تقطيع بعض الخضار بسكين، لكنه فشل في الإمساك به بثبات بيد واحدة. سقط السكين على الأرض، تاركا جرحا صغيرا في إصبعه. ازداد شعوره بالهزيمة والفشل، وبدأ بالبكاء، "كيف يمكنني أن أعيش هكذا؟ كيف يمكنني أن أكون رجلا لأعتني بنفسي بينما أنا مبتور؟"
لم يستطع لف ضمادة على جرحه، فعاد للغرفة لارتداء ملابسه، ليواجه (لاين) تحديا جديدا. حاول ربط الحزام على قميصه عبثا، لكن أصابعه لم تتمكن من القيام بهذه العملية البسيطة.
سقط القميص على الأرض، تاركا (لاين) عاريا ومحبطا.
_لاين: لا أستطيع حتى أن أرتدي ملابسي، (يصرخ) ما فائدة الحياة هكذا؟ ما فائدة وجودي في هذه الحياة البائسة؟
جلس (لاين) على الأرض، محاطا ببقايا الطعام المبعثر وملابسه الممزقة. غمرته مشاعر الحزن والاكتئاب. وسيطرت عليه أفكار سوداء، وبدأ يفكر في إنهاء حياته. "لا أستطيع أن أعيش هكذا".
خرج (لاين) من منزله، غافلا دفء الغرفة. تواجهه رياح عاتية، هزت جسده الهزيل وطرقت وجهه بقطرات المطر المتساقطة كسهام فضية. سماء الليل أسرّتها غيوم سوداء كثيفة، لم يبقَ منها سوى شقوق ضيقة يخرج منها ضوء البرق المتقطع، كأنه صرخات غاضبة لكيانه الغاضب.
كان الظلام دامسا، لولا ومضات البرق التي تضيء الأرض لفترة وجيزة، كاشفة عن مسار صعب ومليء بالحصى، كأن الأرض تتحول إلى فم وحش مفتوح يهدد بابتلاعه. حاول (لاين) التقدم ببطء، مستعينا بعصاه التي انزلقت في الوحل والحصى المتحركين أكثر من مرة، كأن الأرض ترفض خطواته وتقاوم تقدمه.
كان الرعد يزلزل الأرض تحت قدميه، ويزداد هزيمه مع كل ومضة برق، كأنه طبل حرب يعلن عن معركة ضارية بينه وبين الشاب المتعثر. شعر (لاين) بالخوف يزداد داخل قلبه، كأنه عصفور صغير محاصر في قفص ضخم من الحديد، لكنه واصل تقدمه، مستعينا بعزيمته وإيمانه القليل بنفسه. لم يكن أمامه خيار آخر. لا يعرف إلى أين هو ذاهب.
تملّك (لاين) شعور بالوحدة واليأس، كأن العالم قد هجره وتركه وحيدا في مواجهة الحياة الصعبة. فقد غادر منزله هربا من ذكريات الماضي الأليمة، ولم يكن يعلم إلى أين يتجه، كأنّه جمل يعوم فوق الماء. كان كل ما يفكر فيه هو أن يبتعد عن كل ما يذكره ببؤسه، وبالمعركة التي أودت بجزء من جسده.
في الوقت نفسه، كان يحس بشعور غريب، بالقوة والإصرار، كأنه ينمو من جديد مثل شجرة خضراء بعد حريق مدمر. كان مصمما على إثبات أنه لا يزال قادرا على العيش، على الرغم من إعاقته، كما لو كان طائرا بجناح واحد يصرّ على الطيران. رغم انه يعلم أن رحلته ستكون صعبة، لكنه كان مستعدا لمواجهة نفسه ومواجهة محيطه، كأنّه محارب يعلن استعداده لخوض معركة صعبة خاسرة.
مع كل خطوة، كان (لاين) يخاطر بالسقوط أو التعرض للأذى، كما لو انه يسير على حبل مشدود بين الحياة والموت. كانت الأرض زلقة، والرياح قوية، والظلام دامسا، يسير في أرض غريبة وصعبة، أرض لم تكن هكذا يوما. لكنه واصل تقدمه، مستعينا بعصاه التي انزلقت في الوحل أكثر من مرة، ورغم ذلك لا يزال يحاول التقدم نحو المجهول.
فقد (لاين) توازنه على شفا المنحدر، وانهار جسده كصخرة من أعلى الهاوية. صرخة مدوية انعكست على جدران الوادي الصخري، تاركا وراءه ترابا متناثرا كشاهد على سقوطه المدوي. هبط في قاع الوادي المظلم، حيث كان يجري نهر متدفق بقوة هائلة. جرفته المياه بعيدا، فاقدا للوعي وغارقا في أحلامه.
انزلق (لاين) عائدا إلى طفولته البريئة. يرى نفسه حينما كان طفلا، يلعب في الحقول الخضراء مع أصدقائه، يلهون ويمرحون دون هموم. يتذكر يوما ممطرا جدا حينها غرق منزل خاله، فهدم خاله بابا في الحائط، هربا من الماء المتدفق. تذكر أيضا يوما آخر، عندما كان يخرج لحفظ دروسه في الحقول، بعيدا عن ضوضاء الناس. كان يتبعه كلب صغير، يلهو معه ويتمشى معه في كل الأماكن.
ثم تذكر (لاين) والده بوضوح شديد. كان رجلا طيبا، يحب ابنه كثيرا. يشتري له الملابس الجديدة، ويعطيه إياها بحب وود. كان (لاين) يشعر بالأمان والسعادة في حضن والده، يشعر بدفء حنانه وحمايته، لكنه لم يكن يبقى معه لوقت طويل. اشتاق (لاين) إلى والده بشكل لا يوصف. تمنى لو كان بإمكانه معانقته مرة أخرى، والاستماع إلى صوته مرة أخرى. تمنى لو كان بإمكانه أن يخبره كم يحبه، وكم يفتقد وجوده في حياته. لكن والده لم يعد له وجود في ذلك العالم، رحل تاركا (لاين) وحيدا في هذا العالم القاسي.
ظل (لاين) منغمسا في أحلامه، يسافر ويتنقل بين ذكريات ماضيه، يرى السيء منها والجيد، ويعيش مشاعره المحبوسة والتواقة. لم يكن يعلم متى سينتهي هذا الحلم، أو متى سيستيقظ. لكنه كان يشعر بالراحة في هذا العالم، بعيدا عن آلام الواقع ومصاعبه.
وفي لحظة مفاجئة غمر شعور ملتهب جسد (لاين) يشعره بالنار تحرق جسده. بدأ دمه يغلي بشدة، كأنه يريد أن يخرجَ من عروقه، وازدادت سرعة دقات قلبه بشكل مخيف. شعور لا يوصف، كأنه يحرَق من الداخل، كأنه يذاب في بوتقةٍ مشتعلة. تَمركزَ الشعور الملتهب في رأسه، مشعلا نارا وقادة في دماغه بشعلة هائلة. ازدادَ الصداع بشكلٍ لا يطاق، يريد أن يفجّر جمجمته من الداخل. صرخ (لاين) صرخة مدوية، محاولا التخلص من هذا الشعور المؤلم.
مع ازدياد حدة الشعور الملتهب، شعر (لاين) بحركة غريبة داخل جسده. بدأت خلايا جديدة في التشكل داخل عينه المفقودة، وأذنه المقطوعة، وذراعه المبتورة. شعور غريب، كما لو أنه يولد من جديد.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!