الفصل الحادي عشر
من الجو الهادئ والمعتدل، والمنظر البهيج بالأزهار والنبات وأصوات خرير المياه في السليل، إلى صوت الرعد الصاخب والمستمر دون انقطاع، يرفع الشاب رأسه لأعلى مركزا على الأفق، ذلك العالم يتشكل من رمالٍ صفراء تطير وتخيط الأفق بلون واحد، خط شاهق في السماء يتقدم نحوه، وأصوات أرجلٍ ضخمة تجري بسرعة وتسمع على بعد مسافاتٍ، خط من الرمال يربط سطح الأرض بأعلى السماء.
وقف (لاين) بفرسه هنالك، يتأمل ويحاول فهم الذي يجري، مر الخط الرملي بجانبه ولا يظهر منه إلا مقلتين حمراوين بسرعةٍ كبيرةٍ، جلب معه العاصفة برمالها، يمسح (لاين) عيونه من حبيباتها التي دخلتها، استمر في المسير وسط تلك العاصفة الصفراء لا يعرف اتجاهه، كما قيل في أمثالهم الشعبية ضربه حمار الليل نهارا، لم يعد يسمع سوى هرير الرياح وهزيزها العزيف.
وبينما يمشي في تلك الرمال الطائرة، سمع نهيق حمار قريبٍ، يلتفت الشاب يمينا ويسارا ومن خلفه، ليعرف مصدر الصوت، ظهر الحمار أمامه فجأة، فجر لجام الفرس ليتوجه يسارا، أسرع قليلا ثم ظهر أمامه من جديد، ليتوجه يسارا مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت الفرس مرهقة وغير قادرةٍ على الحفاظ على نفس إيقاعها.
اختفى الحمار بلمح البصر من أمامه، بدأ (لاين) بفرك عيونه ليدرك أنه لا يحلم، محاولا الإسراع في طريقه للخروج من ذلك المكان الموحش والجاف، يخز الفرس بلطف لتتحرك أسرع، لكنها سقطت به أرضا، ووجع المخاض يرهقها، لا تستطيع الوقوف أو الحراك، إنها لحظة خروج الصغير الرضيع من باطنها إلى عالم آخر، عالم سيكتشفه عما قريب، هزيم الرعد يدوي المكان، الفرس تتألم بشدة وتدفع صغيرها للخروج، لكن كان حجمه كبيرا، حاول الشاب مساعدتها بجره خارجا، يجر بكل قوته لكن الفرس خرج رحمها من بطنها.
الأمر صعب على الفرس لأنها لن تستطيع العيش بعد الآن خاصة بعد خروج رحمها، صدمة (لاين) لا توصف، أدرك أنه وقع في مأزق كبير ولم تعد له وسيلة نقلٍ، الفرس تحتضر وصغيرها غير قادرٍ على الوقوف بعد، حال الشاب كضيم وبائس، ومن كثرة صدمته أمسك من رأسه بيديه الملطختين بسائل الرحم دون اهتمام، وسقط على ركبتيه يبكي ويبكي...
_لاين: ما هذا الحظ العتر يا إلهي، لما يحصل معي هذا؟ ماذا سأفعل؟ أنظر لما فعلته بي يا أبتي، لا أعرف حتى أين سأذهب وأنا هنا وسط الخلاء... لا أعرف ما أمامي وما خلفي... سامحيني أيتها الفرس، كل الحق على من ابتدع هذه... هذه الأفكار الساذجة، ما الذي سأفعله الآن؟
هل أبقى بجانبك وأشاهدك تموتين أمام عيناي؟ هل ستتركين صغيرك يتيما؟ لا تموتي الآن... أرجوك، مهلا، مهلا الأمر مضحك جدا، أنا أحلم وحسب، سأصفع نفسي لأستيقظ، نعم إنه مجرد حلم وحسب، يا للقرف ما هذا بيدي؟ لا يبدو لي أنه أشبه بحلم سأتأكد هل أستطيع الطيران، سأغمض عيناي وأفتحهما...
بينما (لاين) يلوم نفسه، كان الحمار يتقدم على حوافره الأربعة ببطء نحوه، انفتحت عينا (لاين) كثيرا وشعر بالذعر بعدما وقف الحمار على قدميه الخلفيتين وانقلبت عيناه من سوداء بالخارج إلى بيضاء، يتقدم الحمار ويتراجع الشاب حتى وجد نفسه عند بطن الفرس.
بعدما وضع يده في دمها السائل من خلف، اشتعل الولد غضبا واندفع بكل قوته نحو الحمار محاولا ضربه، لكمة من اليمين وأخرى من اليسار، لكن الحمار تفاداها بكل رشاقةٍ، التف الحمار على نفسه وركله بقدمه الخلفية ركلة نصف هوائية على ذقنه، قذفت الركلة الشاب في الهواء واصطدم بالفرس التي زاد من ألمها أكثر.
تقدم الحمار خطوتين لأمام ووقف ثم رفع حوافره الأمامية فوق رأسه، وفتح فمه ينهق، فخرج من بطنه إلى خارج فمه شعاع أصفر وهاج، صعد في السماء مسافة شاهقة، استمر الحمار في النهيق وفي نفس الوقت تكون من ذلك الشعاع مجسم ضوئي يشبه رأس أمه (ماريا)، كانت الصدمة والهلع على وجهه لا توصف.
فتح الرأس العملاق عيناه اللتان تشعان بلون أبيض وقال:
_اكسر رأس الفرس واطلي به المهر، اكسر رأس الفرس واطلي به المهر.
_لاين: ما هذا الهراء؟ ولما سأفعل ذلك؟
_اكسر رأس الفرس واطلي به المهر.
_لاين: هل هذا كل ما تستطيع قوله؟ ألن تنفعني بشيء آخر يا رأس أمي؟
_اكسر رأس الفرس واطلي به المهر.
توقف الحمار عن النهيق وفي نفس الوقت توقف الضوء عن الخروج من فمه، استمر الحمار في رفع حافريه نحو الأعلى وبدأ يتقدم بسرعة نحو الشاب، وقف عند رأسه تم قام الحمار بغرز حوافره في نفسه وفتح بطنه، بدأت الدماء تسيل من بطن الحمار كالشلال فتحرك خطوة عند المهر وترك دمه يسيل عليه.
زاد المشهد صدمة (لاين) بهذا المنظر الغريب الذي رآه أمامه، وقام واقفا بسرعة ثم حمل صخرة كبيرة، وقف عند رأس الفرس التي كانت تنظر إليه بعيون حزينة، شعر حينها بالظلم والحزن، كانت تنظر له تارة وتنظر لصغيرها تارة أخرى وهذا ما جعله يفكر، يفكر هل يجب أن يترك المهر يتيما دون أمه، أم يقتل تلك الأم ويريحها من عذابها الذي تعيشه أمامه، رفع الصخرة لأعلى بكل قوته، ورأى أخيرا الدموع تنزل من عيونها الجميلة، لكن كل ما قاله لها هو أنا آسف جدا... سحق جمجمتها بعدما ألقى عليها الصخرة من فوق.
أخذ يحمل أشتات مخها ويضعها على الرضيع الغارق بدماء الحمار المجنون، لم يحصل أي شيء أبدا، بدأ يدير وجهه ليبحت عن الحمار فكان هذا الأخير يمشي على قدميه الخلفيتين ويختفي شيئا فشيئا وسط العاصفة.
بدأ الشاب بالبكاء منحنيا على ركبتيه، دموعه تنهمر كالمطر، سامحني أيها الصغير لأني جعلتك يتيما... سامحيني لأني سبب موتك... لا تسامحيني أرجوك... فأنا لن أسامح نفسي مهما حصل... وضم المهر إلى صدره بقوة، دموع (لاين) تنصبّ على المهر الصغير.
يعم الصمت الأرجاء، توقفت الرياح وتوقف هريرها، هدأت الأجواء وتلاشت كل الرمال الطائرة من المكان، ومن جديد هزيم الرعد يحرك الأرض بصخورها ويبث الرعب في القلوب، ويضرب البرق من بعد ذلك، شعر (لاين) بدمه يغلي بشدة داخل عروقه.
نظر إلى المهر بين ذراعيه فوجد جلده يشع بلون أصفر ويزداد توهجه بسرعة، فرماه مذعورا واستمر في النظر إليه من بعيد، كانت أطراف المهر يزداد وينمو حجمها بطريقة غريبة، يتفسخ جلده عن لحمه وينمو مكانه جلد آخر، بطنه تتسع اتساعا، وكل ساق تزداد طولا وعرضا، كما لو أن السنين مرت عليه في طرفات عين، أمام عينا الشاب يقف حصان بكامل قوته ورشاقته، الأمر غريب ولا يكاد يصدقه، اتجه الحصان نحو أمه وجلس أرضا، فبدأ يشتم رائحتها ويحرك جسدها بأنفه، تكاد ترى الحزن باديا عليه من بعيد.
وقف الحصان واتجه بخطوات ثابتة نحو (لاين)، خطوة خطوة يتقدم نحوه، أمسك الشاب من مرفقه والخزي يظهر عليه، أنزل رأسه لأسفل وكان ينتظر من الحصان فعل شيء ما، لكنه جلس أمامه يوحي إليه أن يمتطيه، بدأ يرفع الشاب رأسه وينظر للحصان جالسا أمامه، وقف بسرعة وأمسكه من جوانب فكه وقبله، وضع رأسه على رأسه وأغمض عينيه، وأخيرا امتطاه، أسرع في طريق لا يعرفه في ذلك الجو المتقلب عند الغروب.
خلف الفرس يسيل بالدماء، بطنها منتفخ وبقع الدم تلطخها، جمجمتها مسحوقة ودمها اسودَّ اسودادا، أصوات حوافرٍ تتقدم ببطء حافرا حافرا، بطن مثقوبة والدماء تسيل منها، وقفة مستقيمة، وعينان مقلوبتان، نعم إنه الحمار القصير من جديد، بدأت عيونه تنقلب من البياض إلى الاسوداد من جديد.
يرفع الحمار حافره الأيسر لأعلى فيشع بشعاع أصفر وتتكون عليه هالة تدور بسرعة رهيبة، البرق يضرب من خلف الحمار فيشع باطنه خلفا ويظلم ظاهره من الأمام، ونزل بضربه الهالة على جثة الفرس لتختفي في لمح البصر، ولم يبقَ منها إلا قليل من الدخان المنبعث من الأرض، استدار الحمار متجها نحو البرق وبطنه لا تزال تسيل بالدماء، يسير على قدميه الخلفيتين نحو مكان ما.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!