ثندردوم
ثندردوم
جزء 12 من 33
وضع القراءة:

الفصل الثاني عشر

في ذلك الجو المتقلب، حينا عاصفا وأحيانا هادئا، الشاب راكب الحصان مسرعا نحو اتجاه معين، لا يعرف الطريق إلى أين هو متجه، داهمه الوقت والشمس أصبحت كالجمرة المشتعلة، الرياح تلاعب ملابسه الفضفاضة فوق الحصان.
_لاين: أنا فعلا لازلت لا أصدق الذي حصل، كيف ظهر وجه أمي في تلك الهالة الغريبة؟ أتمنى لو أني أحلم وحسب، حمار يقف على قدمين اثنتين، يا للعجب! هناك احتمالين فقط لا ثالث لهما، إما أني أحلم وإما أني ميت وأنا أتعذب في قبري؟
أصبحت أخرف وحسب، يبدو لي أن...، الحمار رفع قدميه إلى أعلى وفتح بطنه! من أجل أن يساعدني! لما قام بمساعدتي؟ والسؤال الأغرب من أين حصل على تلك القوة؟ لقد كنت محقا يا أبي علي فعلا تعلم فنون القتال، لأن حمارا هزمني، يجيد فنون القتال، يليق أن يكون حكيما، لكنه حمار غريب وقصير، إلى أين يكون قد ذهب؟
لا يهم... بل إنه أمر مهم جدا أشعر أني أهلوس، ولكن إلى أين أنا ذاهب، أصبح الحصان من يقودني الآن يا... إلهي، غصت مجددا في التفكير، عليّ الخروج من هذه الدوامة وذلك عبر خطوة بسيطة، أن أفتح أذني وأخرج منها وهكذا نكون قد انتهينا من التفكير الزائد.
ماذا لو كانت ابنة خالي معي وحاول الحمار اختطافها؟ لا لن أفكر في ذلك لأنه حينها ستستيقظ داخلي قوة لا أعرف مصدرها وأقضي على الحمار القصير، كلما أتذكر وقفته الغريبة أضحك رغم معاناتي، سامحيني أيتها الفرس، لأني سبب معاناتك، أم أن أبي سبب ذلك! على أي... هذا العالم يزداد غرابة أكثر فأكثر.
وسط تلك الأجواء المتقلبة مازال (لاين) على حصانه مسرعا، لا أصوات تعلوا على أصوات حوافره، ومن حيث لا يدري اصطدم بشيء ما، نزل من فوق الحصان ليتفقد ما أصاب خلفه، فوجد رجلا يلبس ملابسَ سوداءَ طويلةٍ، ملابسا داكنة ويضع قناعا من الجلد على وجهه، لا توجد عليه منافذ للنظر.
أمسك الشاب من الرجل ليساعده على الوقوف، وأعطاه بعد ذلك عصاه التي يفوق طولها طولهما، اتكأ الرجل عليها بعد تمسكه بها، وشكره على المساعدة بعدما اعتذر الشاب للرجل.
_لاين: إلى أين أنت ذاهب؟ هل أوصلك في طريقي؟
_ذا القناع: لا يا بني، ولكن شكرا لك.
_لاين: حسنا... هل تعرف أين تقع "ليكوسة"؟
_ذا القناع: لا، لكن أعرف مكانا أقرب منها، أذكر أن اسمه "تيط".
_لاين: شكرا لك، لكن ما الذي تفعله وحدك هنا؟
_ذا القناع: أتدرب على التحكم في جسمي، أحاول التحكم فيه منذ سنوات فأنجح يوما بعد يوم.
_لاين: بالتوفيق، مع السلامة.
امتطى الحصان من جديد وتقدم في الطريق التي أشار له عليها الرجل بعصاه، ابتعد مسافة والتفت للخلف فرأى الرجل يتحرك مسافة كبيرة في خطوة واحدة تم يسقط، يحصل ذلك مرارا وتكرارا.
_لاين: يبدو أن يومي سيكون مليئا بالمجانين، إن الجميع حمقى.
وصل (لاين) إلى "تيط"، وكانت الشمس قد غرب نصفها، نزل من فوق الحصان متقدما على قدميه وهو يمسك لجام الحصان، كانت القرية مبنية من الحجارة الصفراء، وبابها بشكل مقوسٍ وأرضيتها من الرصيص والحصى، المنازل صغيرة والنوافذ أصغر، والرمال تتحرك تارة وتقف أخرى، كان عليهم تسميتها بقرية الرمال بدل "تيط"، متجها نحو مجموعة من الناس المجتمعين حول بئر عميق بفم ضيق من حجارة قريبة للون الأزرق.
يجتمع أشداء الرجال لحمل صخرة ضخمة لإغلاق فم البئر، وكانت بينهم عجوز كبيرة في السن تطلب منهم أن يسقوها بعضا من الماء، لكنهم أغلقوه ولم يبالوا بها، سجدت العجوز على يديها وركبتيها ورأسها للأسفل وهي تبكي، يمر الناس من حولها ويقومون بسبها، مر أحد الأشخاص وركلها على بطنها بكل قوته، فبدأت تتقيأ الدم وتمسحه في ملابسها.
وصل الشاب عند العجوز وفي عينيه الغضب مما رآه، لم يستطع فعل شيء، لكن الغضب كان باديا عليه، يتقدم بسرعة بعدما أفلت اللجام وأحكم قبضته غاضبا، وقف عند رأس العجوز وساعدها على الجلوس، ثم أمسك القارورة الخزفية بثلاثة أصابع، الإبهام، السبابة والخنصر، متجها نحو البئر ليحاول فتحه، والعجوز خلفه تتقيأ الدم.
كان الغضب يعم جسد الشاب ويسيطر عليه، يشعر مجددا أن الدم يغلي في شرايينه وأوردته حتى برزت العروق في ناصيته، وضع القارورة الخزفية برفق على الأرض، وحشر كلتا يديه أسفل الصخرة الضخمة، وبكل قوته يحاول زحزحتها دون فائدة.
ارتاح وتنفس مجددا ولم تفارقه ركلة الرجل للعجوز، فحاول من جديد زحزحة الصخرة وفشل، لكنه حاول من جديد حتى تشققت الأرض أسفل قدميه، وكادت عروقه أن تنفجر من شدة ضغط الدم فيها، هذه المرة نجح في حمل الصخرة ووضعها جانبا.
كانت العجوز تنظر إليه وهي مصدومة، وفاتحة فمها الذي لم يتبقى فيه إلا ست أسنان في الأعلى، أمسك بالحبلٍ الذي يتدلى إلى الأسفل ومربوطا بالدلو محاولا جره إليه، لكن لم يتمكن من ذلك بعد محاولات عدة، وهذه المرة ناداه صوت من تلك الظلمات العميقة (من أنت؟ ألا تعلم أن موعد فتح البئر قد أنتهى؟)، صدم لاين بعد سماع الصوت يخرج من البئر، التفت إلى العجوز ثم إلى البئر فقال:
_لاين: ابن العجوز.
_ألا تعلم أنه قد أصبح للبئر قانون خاص به؟
_لاين: ومن تكون يا هذا؟ هل البئر ملك لك كي تضع له قانونا؟
_ماذا؟ كيف تجرؤ على التحدث معي بهذه الطريقة؟
تقدمت العجوز تزحف على قدميها وركبتيها صاعدة لفم البئر.
_العجوز: إنه ابني يا سيدي أنا آسفة جدا لما فعله ونعدك ألا يتكرر، أرجوك لا تغضب، ابني وصل اليوم فقط وهو لا يعلم عن القوانين الجديدة شيئا، أرجوك اعف عنا لن نكررها.
_حسنا لكن في المرة القادمة سأضطر للصعود وتلقينه درسا لن ينساه، أرجع الصخرة إلى مكانها، أتعلم شيئا؟ اتركها في حالها واذهب.
ملأ الجرة ماء ونزل من على البئر، وأنزل العجوز بعدما أمسك ذراعها.
_العجوز: من أنت يا بني؟ ولما ساعدتني؟
_لاين: عابر سبيل، فعلت الصواب وحسب.
_العجوز: تبدو شابا طيب القلب، أمثالك ليسوا كثرا في هذا الزمان.
_لاين: لا داعي، هل تعرفين اتجاه قبيلة "ليكوسة"؟
_العجوز: لن أخبرك الآن لأنك ضيف عندي، وإذا أخبرتك لن تقبل المبيت عندي.
_لاين: معك حق لا أحب المبيت عند أحد، هل يمكنك أن تدليني على الاتجاه.
_العجوز: لا يمكنني، انظر لحالتك بالدم، تحتاج ملابس جديدة وبعضا من الراحة، هيا تعال معي.
_لاين: أنا آسف حقا، لكن لا يمكنني القبول بذلك.
_العجوز: بلى ستفعل لأني الوحيدة بين أهل القرية التي سأساعدك.
_لاين: حسنا، سأنظر في الأمر.
_العجوز: أخبرني يا شاب... هل سبق وسمعت بالحَنَش الذي يمشي على ثمانية أرجلٍ؟
_لاين: لا، ولكن رأيت حمارا يمشي على قدمين.
بدت الصدمة على وجه العجوز بعد سماع كلامه، وفجأة ابتسمت وقالت:
_العجوز: فعلا؟ يا لك من ظريف، هل فعلا تؤمن بهذه الترهات؟
_لاين: أي ترهات؟ لقد كان يومي مثل الحلم.
_العجوز: إنها مجرد أساطير، كالحمار الذي تتحدث عنه مثلا.
_لاين: كيف تكون مجرد أساطير، بعدما سمعت صوتا من البئر، وبعدما رأيت حمارا يثقب بطنه، ورأيت مهرا يصبح حصانا...
تنصدم العجوز مجددا من كلام الشاب، وتبتسم مجددا.
_العجوز: لكنك لم ترى الحنش الذي يمشي على ثمانية أرجل.
_لاين: الثعابين أراها دائما تزحف.
_العجوز: الحنش ليس ثعبانا لأنه غير مسموم.
_لاين: هل لا يزال منزلك بعدا؟
_العجوز: اصبر يا صغيري، اصبر على خبزك حتى ينضج، سأحكي لك أسطورة الجحش ما رأيك.
_لاين: لا شكرا، اكتفيت من الحمير هذا النهار.
2 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.