الفصل الثامن والعشرين
اندفع (لاين) بقوة مسيطر عليه الغضب، يتجه نحو غريمه وخطواته تكسر الصخر تحتها، يشع من جلده احمرار متوهج. انطلقت معركة من اقوى المعارك التي جرت هناك، وامتدت لساعات حتى غروب الشمس.
بعد أن صدم وحيد القرن المدرع العدو (كالوكارديا)، قام هذا الأخير برفع ذراعه بسرعة، ثم صدمها بالأرض، مما أطلق تفجيرا من الطاقة الخضراء المحيطة بالعظام نحو وحيد القرن.
تجنب الشاب الغاضب هجمة العظام جزئيا، ثم اندفع بسرعة نحو الهيكل العظمي، مستخدما قرنه المشع لتحطيمه، إلا أن الهيكل العظمي قام بحركة العبور الجوي، حيث قفز باتجاه السماء ثم أعاد الهبوط بسرعة على الأرض، محاولا سحق وحيد القرن بزخمه الاندفاعي.
استدار المدرع من جديد وتأجج غضبه، فتكونت حوله هالة من الضوء الساطع، وبدأ باكتساح عظام الهيكل العظمي. إلا أن هذا الأخير استخدم قوته لتكوين عظام أكثر ورميها على المدرع، لكن دون فائدة.
أمسك (لاين) بـ(كالوكارديا) ثم بدأ بضربه على الأرض وسحقه، حتى أنهكه. فبدأ شكل العظام يتفسخ عن جسده، فلما رأى نفسه في عداد الموتى أدخل أصابعه في عين وحيد القرن وفقأها، فأفلته.
سقط (كالوكارديا) على الأرض وهو منهك، فلم يجد بجواره سوى السيف فحاول حمله، فاندفع وحيد القرن مجددا وضربه بقرنه حتى ارتمى بعيدا. بدأ (كالوكارديا) بالجري ببطء محاولا اكتساب بعض الوقت، فلما التفت للخف لم يلمح سوى القرن يخترق عينه اليسرى الخضراء.
بعد أن تشققت الصخرة التي سقط فوقها، وقف (لاين) أمامه وحاول القضاء عليه. لكن (كالوكارديا) كانت لديه حيلة أخيرة، قام بتصليب ذراعه وشحنه بأقصى طاقة، وبسرعة كبيرة أدخله في كف وحيد القرن حتى وصل كتفه، ومن بعدها قام بخلع ذراعه والهرب وهو يضحك والدم يسيل من كتفه المخلوع.
فأدرك (لاين) أنه في مأزق كبير، لأن ذراعه سيفجره وكل ما يحيط به، بدأ يجري ليلحق بـ(كالوكارديا) لينتهيا معا، وبالفعل أمسك به وقام بعصره بقوة كبيرة، وفي تلك اللحظة حصل الانفجار الكبير بلون أخضر داكن أزال الغمام من السماء.
وعندما انكشف الضوء، ظهر جسد (لاين) عاريا مقطوع الذراع الأيسر حتى الكتف وعينه اليسرى مفقوءة وأذنه مكشوطة، وعظام (كالوكارديا) بجانبه.
هرعت (تيس) اليه تجري رفقة أمه وخالته، فكان لا يزال ينبض بالحياة، كانوا سعداء لأن الشر قد زال، لكن من حيث لا يدرون، يقف فوق الجرف الصخري وهو يضحك متلبسا جسد (فيكانوس). بدأ يستجمع هالة في يده اليسرى للقضاء عليهم.
لكن رصاصة (أكسل) قطعت ذراعه من المرفق، فرفع هذا الأخير راية بيضاء على فوهة بندقيته.
_أكسل: أعلم أنك لا تزال قادرا على القضاء علينا، لكن قبل ذلك لدي لك آخر سؤال، أرجو أن تجيب عليه.
_كالوكارديا: وما هو سؤالك يا هذا؟
_أكسل: منذ حادثة الجمل وأنا أرى ظلالا سوداء تخرج من أجساد من يتحول، أفلا تراها تخرج من جسد ذلك الزاحف الذي قتلته؟ ألديك علم بها؟ أم أني الوحيد من يراها؟
_كالوكارديا: (وهو مصدوم من كلامه) ماذا! هل أنت جاد؟
كيف غفلت عن هذا!
فقد وعيه في غضون ثلاث طرفات عين، وكان يرى وهو يسقط من أعلى الجرف رؤيا؛ "في عالم مدمر بعد كارثة ما، حيث المدن أصبحت مجرد أطلال تائهة في أفق الأراضي المحترقة، يكتسحها التآكل من كل الجوانب، وتكاد تنعدم الحياة فيها، وسماءها حمراء مسودة كالجمر.
يظهر رجل غير معروف فوق سطح أحد المباني، يفتح صنبور أحد البراميل الحديدية، فيتدفق منه سائل لزج يميل لونه إلى لون اللحم الوردي المفروم، يتحول بعد خروجه إلى ديدان بحجم السبابة.
يضع الرجل الصنبور في فمه ويبتلع ذلك الشيء، وبعد لحظات يسقط على الأرض ويمسك بطنه الذي بدأ في الانتفاخ ويعصره، فيتقيأ تلك المادة بصعوبة شديدة.
يخرج من فمه مخلوق بأسنان متباعدة وحادة يشبه الدماغ وبحجمه، ليس له أرجل ولا أيدٍ، لكن له عينان بيضويتان دون مقلة. تتبعه مخلوقات أخرى تشبهه من فم الرجل المتقيء. تطفو هذه الأخيرة في سرب واحد، وتنطلق بسرعة كبيرة في اتجاه الظلال التي تهجم على المدينة المدمرة، تحاصر أشباه الدماغ الظلال وتسحبها إلى أفواهها، لكن يهرب بعضها."
يستيقظ بعدها فيجدهم محيطين به (أكسل، تيس، ماريا، توناروز والشوتا)، يقف بصعوبة ولا زال الدم الأخضر يسيل من مرفقه. يضع ذراعه مقطوع الساعد على رأسه وهو ينظر للأسفل.
_كالوكارديا: (يلوم نفسه لأنه لم يحسب حساب هذه المخلوقات، ولم يعلم عنها شيء لحد الساعة.)
يحمل (الشوتا) سيفا ويهدد به عدوه المصاب.
_الشوتا: انها اللحظة التي انتظرتها منذ سنوات، أنت الآن بين يداي، كيف ستنجو مني الآن. ألديك كلمات أخيرة؟
_كالوكارديا: لن تستطيع قتلي بسيفك هذا، فأنا أستطيع الانتقال من جسد لآخر، هيا جرب بنفسك لترى.
يندهش (الشوتا) والبقية، فيحاول الهجوم عليه بسيفه، لكن (أكسل) يوقفه ويطلب منه التريث حتى يفهموا بعض الأشياء.
_الشوتا: كيف تطلب مني شيء كهذا؟ أنت لا تعلم ما فعله بي وبعائلتي، لقد دمرنا جميعا.
_أكسل: لقد ذقت الأمر أكثر من مرة، شهدت ذلك بعيناي، لكني أريد أجوبة على ما يحصل. لا أريد أن ينتهي كل شيء لغزا كما بدأ.
_الشوتا: سأمنحك بضع لحظات وحسب، وإذا لم يرق لي الأمر فسأتصرف من تلقائي.
_أكسل: يا أنت ألديك أجوبة عما سألتك قبل قليل؟
_كالوكارديا: لدي أكثر من جواب، وسأختصرهم لك في واحد فقط، لم أكن أعرف بوجود هذه الظلال حتى نبهتني إليها.
وهنا يتضح لي أن أغلب ما خططت له قد ذهب هباء، والسبب خطأ في الحسابات. لكن الأمر سيان، سأحاول التفكير بطريقة لأصلحه بسرعة.
_أكسل: لماذا فعلت كل هذا؟ ما السبب؟
_كالوكارديا: رغم أني سأصدقك القول، إلا أنه سيبدو لك من وحي الخيال.
سأبسط لك الأمر؛ في فترة زمنية تسبق هذه بسنين لا تعد، كنت عالما وهذا المصطلح مغاير عن الذي تتداولونه هنا، تعرضت لحادثة في معمل جعلتني أنتقل من تلك الفترة الزمنية إلى هذه، ولم أجد طريقة للعودة رفقة ابني الراحل.
اكتشفت بعدها جوهرة تحتوي على طاقة كبيرة فحاولت استغلالها للعودة، لكن انفجر المكان فجأة، وأعطاني قوة عقلية كبيرة، اكتشفت بها طاقات اخرى للجوهرة توجد في أجناس منكم، فدبرت كل ما سبق من أجل الحصول عليها لأنقذ عالمي من الهلاك، لكن الرياح تجري بما يشتهي الضغط ووصلنا لهذه الحالة، والآن اكتشفت شيء جديدا أصبح علي التعامل معه.
وأنا الآن بحاجة ليدكم من أجل أن ننهي هذا.
_الشوتا: كيف تطلب مساعدتنا بعد كل ما فعلته لنا، أنظر لما فعلته...
_أكسل: كيف يمكننا أن نثق بك بعد كل ما مررنا به؟
_كالوكارديا: سأجعلكم تحتفظون بكتاب كتبت فيه كل ما مررت به من البداية حتى يوم أمس.
من الصعب جدا علي أن أشرح كيف شعرت بعد اضطراري لاتخاذ قرارات صعبة ومصيرية، كان ذلك أمرا مؤلما للغاية بالنسبة لكم وأيضا لي. لكني قررت أن افعل ذلك لأني كنت مقتنعا بأنه الوسيلة الوحيدة لإنقاذ العالم الذي نعيش فيه جميعا رغم اختلاف أزمنتنا، أنا شعرت بالألم والندم والوحدة طوال هذه السنين، لكن كل ذلك كان ضروريا للنجاة.
لطالما بررت أفعالي بهدفي الساعي لتخليص العالم من الشر الذي يحاول الامساك به. كما يجب أن تكونوا قد شعرتم بالخطر الذي أحاط بكم. هذا الهدف النبيل هو ما دفعني لفعل أي شيء لتحقيقه حتى لو كان استغلال أقرب الناس إلي.
هذه الظلال التي لا يراها أغلبكم هي تهديد للجميع بمن فيهم أنا، صدقوني لا أظنها ستكتفي بفترة زمنية واحدة فقط. لا توجد وسيلة أخرى لدى أحدكم لإيقاف هذه الأشياء سوى توحيد جهودنا، أنا بحاجتكم وأنتم بالمثل، ولن أخسر شيء بعد الآن إذا أنتم رفضتم، لكنكم ستخسرون. لست هنا بعد الآن لأكون القائد، أعي تماما كم هو صعب لكن ليس لديكم خيار آخر.
وإني لأعلم أن ثقتكم في ضآلة، لكن لأثبتن لكم بأفعالي أني لا أطمع في شيء بعد الآن، إذ أنتم قررتم الوقوف معي ووضع يدكم في يدي، سنجتاز هذه الأزمة معا. وإذا أعرضتم فلكم جزاء ما أبيتم.
_أكسل: وإنَّ أيدينا لفي يدك وإنَّ أيدينا لهي العليا. فاعمل إنا لك لمبْشرون.
_الشوتا: أتتخذ قرارا دون إجماعنا؟
_أكسل: يدنا هي العليا، فقط حارب نفسك وساندنا لننتهي من هذا. يا أنت! هل تعدنا بأن لا يمس أرضنا ضر بعد الذي حل بها؟
_كالوكارديا: أقسم بمن تؤمن ألا يمسكم مني ضر إلا ما قدر الله لكم وكتبه عليكم.
_أكسل: ماذا علينا أن نفعل الآن؟
_كالوكارديا: احملوا جثة (جوبا، سيليا، يونكت، الحمار والمصاب لاين)، واتبعوني.
بالفعل قاموا جميعا بحمل هذه الجثث، وذهبوا بها لداخل القبو الخاص بـ(كالوكارديا).
_كالوكارديا: هل يمكنكم وضعهم داخل هذه الكبسولات وأغلقوا عليهم، ضعوهم جميعا.
_تيس: ما الهدف من وضعهم داخلها؟
_كالوكارديا: أظن علي أن أفقهكم أكثر حتى تثقوا بي، فليحضر أحدكم كل الكتب الموجودة هناك إلى هنا، وليدون أحدكم كل ما أكتبه لأنكم ستحتاجون إليه.
"على حسب ما توصلت إليه من معرفة من الأبحاث التي أجريتها ما يلي:
سقط من الفضاء أي خارج الأرض جرم سماوي، هذا الجرم السماوي أثناء احتراقه في الغلاف الجوي تعرض للتبلور جزئيا، ودفن تحت الرمال والصخور لعصور غابرة لا تعد ولا تحصى؛ فتحولت مكوناته إلى بلورة شبه صلبة.
بعدها اكتشفها الانسان عن طريق الصدفة، فكانت سهلة الاستعمال والاستخراج في ذلك المجال المحدود، فكانوا يستعملونها كأدوات للطهي أو أشياء أخرى ربما، لكن اكتشفوا بعدها انها قابلة للاستهلاك. واستهلاكها يعطي طاقة كبيرة، سواء الانسان أو الحيوان.
إلا أنه جاء زمن انقرضت فيه هذه المادة، لكنها تركت في أجساد من استهلكها بقاياها على شكل خلايا قوية تصلح الجسد إلى فترة محددة. واستمرت الخلايا في الانتقال إلى الأجيال اللاحقة عبر الوراثة إلا أنها تضعف كلما تناسل صاحبها مع ذوي دم لا توجد به.
وعندما كنت في زمني أي في المستقبل من الآن، كنت عالما متخصصا في هذه الأشياء واكتشفت هذه الخلايا، وكانت هناك منظمة تسعى لاستغلال ما توصلت إليه من أجل المال، دخلت معهم في صراع لأن هذه الطاقة الخلوية كان لها أضرار نفسية وجسدية وأخرى مجهولة وهي الظلال، فأدخلوني السجن فهربت، ثم أمسكوني ابني وأخذونا لمعتقل من أجل الاعدام. وقعت بعدها حادثة تسببت في نشوء ثقب دودي سحبنا إلى هذا الزمن.
وحينها اكتشفت الجوهرة الصغيرة، والتي تسببت لي في انفجار كارثي جعل ابني يتحول لمسخ وأنا لهذا الشكل وبقيتها غرز في شجرة برتقال. استغللت ثمارها للبحث عن حاملي الطاقة الخامدة، واستمررت في الأبحاث حتى تمكنت من رصدها عن طريق تصميم قبة رعد، هذه الأخيرة كان لها دور في تنشيط الخلايا النائمة وبالتالي تحديد موقعها عن طريق التجاذب، وهذا قادنا للوصول إلى هذه المرحلة.
وهدفي من جمع هذه الطاقة هو بالأساس كبحها عن التسبب في التشوهات الجسدية للإنسان، ودراستها من أجل التوصل لطريقة للعودة إلى موطني."
_أكسل: إذن أحضرت الجثث من أجل استخراج طاقتها صحيح؟
_كالوكارديا: نعم، هذا بالتحديد ما سأفعله.
_أكسل: لكنك لا تعرف الطريقة المناسبة للتخلص من الظلال، أو لاستخدام هذه الطاقة.
_كالوكارديا: بل أعلم تماما كيف سأتخلص منها، وكيف سأستعملها.
كل ما أعرفه هو الانفجار، وبما أن الثقب الدودي نشأ عن طريق الانفجار، فسأتسبب في انفجار آخر يسحب كل ما يحيط به إلى داخله.
_أكسل: وكيف تعرف أن الظلال هي هنا الآن؟
_كالوكارديا: أولا لأنك تراها، ثانيا لأنها تبحث بدورها عما أبحث عنه وهو طاقة الجوهرة وبما أن كل حامليها هنا فهي ستكون هنا.
يبقى فقط توجيه الطاقة الممتصة إلى جسدي الذي سيقوم بدور المستقبل، وأنا أعرف الطريقة الفعلية لتحويلها من طاقة خامدة إلى طاقة تدميرية ترتكز على انشطار الذرات.
_ماريا: وهل هذا يعني أن ابني لن يستطيع استعادة عافيته؟
_كالوكارديا: نعم لا يوجد بديل آخر.
_ماريا: أنا أمه، وأنا أكلت البرتقالة، إذن لدي الطاقة أيضا، ضعني مكان ابني.
_توناروز: وأنا أيضا.
_كالوكارديا: حسنا لكنه سيبقى بهذا الشكل الذي هو عليه الآن، دون ذراع، دون عين، ودون أذن. لأنه لن توجد قبة رعد بعد الآن وبالتالي لن توجد قوة لتصلح جسده.
_تيس: لا هذا غير معقول!
_ماريا: على الأقل سيبقى حي.
_كالوكارديا: رغم أنه سيبقى حي لكن ما سيحمله من تفكير سلبي وعاطفة مدمرة ستؤثر عليه كثيرا.
قاموا بوضع الجثث داخل الأسطوانات الخضراء، وأوصلوها بـ(كالوكارديا)، وبعد تشغيل الجهاز، أخبرهم أن يأخذوا كل الكتب معهم والمذكرات. ثم أخبر (تيس) أن تخبر (لاين) ببعض الكلام والاعتراف: أظنك ما زلت تسأل عن سبب ظهور رأس أمك من الضوء، لم تكن أمك من حدثتك بل أنا، لأني سكنت جسدها وجسد خالتك بهالتي المتقنة، جاءتني أمك وخالتك من أجل اطفال ذوي أنامل، فكانتا من الذين أبحث عنهم جاءوني قلائل، فسكنتهن كأختك للتعليم وتوجيهك، فلا تحمل علي وزرا ولا تغضب مني ولا من أبيك.
(تيس) هذه بالكلام ستشفيك، لا تفقه من لدني حرفا ولا تعاتبني، لقد سألتك عن صوتين، أحدهما خافت كصوت النمل، والآخر من جوف الأرض لا نسمعهما ولا يسمعن.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!