ثندردوم
ثندردوم
جزء 19 من 33
وضع القراءة:

الفصل التاسع عشر

_الغريب النمر: (يتذكر ما جرى له سابقا)، في تلك الحالة التي تركاني عليها كدت أموت وكان سيتحقق حلمي حينها، لكن شيئا ما دفعني للمقاومة وتحمل الألم، الرمال تعيق نظري، حاولت الوقوف لكن جروحي لم تساعدني، وأطرافي قطعت، لكن رغم ذلك الألم زحفت بأطرافي المقطوعة وسط الرمال لمسافة كبيرة، استسلمت وقلت أظنها اللحظة المناسبة لكي أموت، أغمضت عيناي وكانت السعادة تغمرني لأني أخيرا سوف أرتاح من العذاب.
لكن الانفجار الأزرق من جديد كان صوته يتكرر في داخلي، وصوت يناديني من بعيد أنا أنتظرك لا تتركني وحدي أنا برتقالة عارية وأنت قشوري، كان الأمر سخيفا فعلا لم أستطع الموت بسلام، أكملت زحفي حتى وصلت فجرا لهذه القرية وسقطت في بئرها، ولحسن الحظ لم يكن يفتح ذلك البئر إلا عشية، فكانت تلك فرصتي المناسبة لأشفى، وما ساعدني على ذلك هو ما أرسلته لي تلك العجوز في الدلو...
الجميع مصدوم من المنظر الذي أمامهم، لا أحد يستطيع تحريك ساكنٍ، فقط الرعب والهلع يركب ظهورهم.
تقدم الغريب نحو الشاب المصدوم وهو يزمجر، ثم بضربة من كفه جعلت (لاين) يمزق الخيمة من أعلى ويطير خارجها، وقف الشاب مجددا بصعوبة وهو ينزف من فمه وأنفه ويمسك مرفقه الأيمن، وقف أمامه مجددا وطرحه أرضا، وصار يدهس رأسه على الأرض ويقول:
_الغريب: إذن أنت هو الشخص الذي كانوا يتحدثون عنه طوال الوقت، أنت مجرد حشرة لا غير، لست قادرا على شيء سوى الكلام، رغم ذلك أعترف لك بقوتك، بأنك استطعت حمل صخرة البئر وبأنك لازلت حيا حتى هذه اللحظة، لكن سأجعلك عبرة لمن يعتبر، سأجعلك تتعذب قبل أن تموت.
قبل ذلك عليك أن تعلم أنك ضحية ساذجة، تعرضت للخداع، تحاول إنقاذا هذه الفتاة ولا تعلم أنك ستكون السبب في موتها، نعم لولاك أنت لما تمكنت العجوز من إرسال السائل المقرف لي، يعني أنت ساعدتنا دون أن تعلم، يعني أنك مجرد غبي فاشل، مغرور، لست قادرا على حماية نفسك فكيف ستحمي هذه؟ نسيت أن أخبرك، أختك تسلم عليك، سأجعلك تزورها عما قريب.
_لاين: (بكلمات متقطعة من شدة الألم)، إياك أ... أن تذكر أختي... مرة أخرى.
_الغريب: أختك أمضت معي أفضل الليالي، اسألها عندما تقابلها، نسيت لن تلتقي بها لأن نهايتك وشيكة، أنظر في عيناي أنت...
يبصق الشاب على وجه الغريب ثم يدخل أصابعه في عينيه المحمرتين، فيتركه الغريب ويتراجع وهو يمسك عيونه، سقط الشاب على ركبتيه وهو يقول:
_لاين: أنت شخص مق... مقرف فعلا، سأجعلك تدفع الثمن.
_الغريب: أنت مجرد ضعيف، والدك باعكم لي، أنت ساذج مثله... لنتسلى قليلا ما رأيك.
يمم الغريب نحو الفتاة وأمسكها من الخلف وبدأ يمزق ملابسها ببطء، وهي تصرخ دعني.
_الغريب: هل تريد حمايتها؟ تعال وافعل شيئا، هيا من يمنعك، (وهو يخرج لسانه عند وجهها)، هيا تشجع، لا يجب أن تدع هذا الجمال يكون لعبة أطفال.
يشتعل (لاين) غضبا ويطغى على سمعه، فكل ما كان يسمعه حينها هو خفقات قلبه المتسارعة، يجلس على ركبتيه والمطر يسقط على رأسه، المنظر بطيء جدا، يرفع رأسه ويرى رفيقه يحاول ضرب الغريب ولكنه يسقط على قدميه من كثرة الخوف، يحول بصره فيلمح الفتاة تقاوم وتحاول الهرب لكنها غير قادرة على ذلك.
يتذكر في تلك اللحظة أنه كان واقفا عند الباب ونظر إلى رجل يأخذ ابنة خاله ويجرها من يدها، كانت تصرخ النجدة أرجوك يا أبي لا تتركه يأخذني، (لاين) النجدة! ساعدني، لقد وثقت بك، أرجوك... بدأت الدموع تنزل من عيون الشاب البائس، يدخل أنامله بالرمل المبلل ويشد عليه قبضته بقوة، وقف مستقيما والمطر يغسل الدم من على وجهه، الغضب ظاهر عليه.
وبسرعةٍ البرق يضرب من جديد وهزيم الرعد يزلزل الأرض، بدأ الدم يغلي في عروق (لاين) وسار جاريا نحو الغريب، تسمع أصوات قدميه من مكان بعيد، كل قدم تدهس الأرض ترفع الصخر من مكانه، وفي تلك اللحظات يتوهج جسده بالأحمر وتتشقق جمجمته، فيخرج منها قرن ضخم كوحيد القرن، وبدأ جلده يتفسخ وهو يجري ويخرج مكانه جلد كجلد المدرع.
ترتفع أصوات أقدامه أكثر فأكثر وهو يجري مسرعا، وبغتة يضرب الغريب المصدوم على رأسه حتى تبْيَضَّ عيونه ويرمى في الهواء والدم يخرج من جبهته وفمه، وتسقط الفتاة، يستجمع الغريب قواه وتحمر عيناه من جديد، فيحمل صخرة ويلقيها على الشاب النصف متحول فتتفتت فوقه دون تأثير، فينطحه الشاب على رأسه مجددا حتى تظهر النجوم للغريب، يقفز لأعلى محاولا السقوط فوق الغريب لكن البرق يضربه على رأسه فيسقط من السماء أرضا وهو دخان...
يحمل الغريب محمر العيون الشاب الذي أصبح كالجثة الهامدة، ويضربه يمينا ويسارا ودمه يتطاير في الأرجاء، أمسكه من عنقه ورفعه نحو الأعلى يحاول اقتلاع رأسه، لكن من حيث لا يعلم أحد صوت صاخب يسمع في الأرجاء فجأة، ينفجر رأس الغريب أمام الجميع ويسقط أرضا على جسد الشاب.
(لاين) ينظر للسماء بعيون ضبابية لا يبصر شيئا، يغلقها ويفتحها ببطء والدم يسيل من كل مكان، فجأة وقف أمامه ظل بمنظر ضبابي وقال والدك يبلغك سلامه... (لاين)، فتنغلق عيونه ويفقد الوعي.
في الليل الدامس والبرق الخاطف والريح العاصف، يتقدم شخص بلباس أسود كالمعتاد، عينه تشع بالأخضر، يقف عند جسد الغريب الملقى على الأرض ثم يقول:
_مضطر للتضحية بك... لن ترتاح...
...قبل أيام.
بعدما حملوا (يونَكّت) المتصلب إلى الداخل، أمام صدمة الجميع، حاولوا كسر تصلبه مرارا وتكرارا دون جدوى، حتى تذكرت (سيليا) لحظة إعطاء العراف زجاجة بها سائل ما لأبيها، وأخبره أنه سيحتاجها بعد إخراج (يونَكّت)، فأخرجها من محفظته التي كان يضعها على كتفه، مكتوبا عليها "صبها عليه وإن أردت أخرى تعال عند قبر أخيك... "
_جوبا: أظنه الوقت المناسب، (يتنهد)... لنعرف أجوبة العديد من الأسئلة، كل منا له أسئلة، ويحتاج جوابا لها، نحمل على أنفسنا من الشّجن، نحتاج أن نفعل شيئا ما، غدا صباحا إن شاء الله سنذهب جميعنا.
_فيكانوس: إذن هذا هو الوقت المناسب، يا (جوبا).
_سيليا: أبي لما أنت حزين هكذا؟ ألا تريد أن تعرف ما قاله لي ذلك الوحش؟ أو كيف وصلت إلى البيت؟
_جوبا: سنعرف مع الوقت.
_فيكانوس: إن مشكلتك دائما هي التأجيل، تأجل الأمور الهامة دائما... حاول أن تعطي عائلتك بعض الوقت والاهتمام... امنحهم الثقة، أنت فعلا سبب كل هذا.
_جوبا: لا أنكر ذلك أبدا، ولكن الأمر ليس بيدي و...
_سيليا: وهذه المرة ستستمع إلي.
*... أخبرني الوحش أنه افترس قرية كاملة من أجل الحصول على القوة، لكنه فشل في ذلك، فلا شخص اكتسبها في تلك القرية، فذهب إلى قريتنا وأعطاك أنت البرتقال إلى غير ذلك، بعدها ولدت أنا وأخي، أنا أصبحت لدي قوة وهو لا أعرف.
بعدما خرج الوحش من أمامي جاء إلي شخص يلبس الأسود ويشع منه الضوء الأخضر في ذلك الليل، كان رأسي يتدلى نحو الأسفل وأنا مربوطة، فأمسك ذقني بالإبهام والسبابة ورفعه نحو الأعلى حتى يراني.
نظر إلي كثيرا ولكني لم أر ملامحه أبدا، ثم أمسك رأسي بكلتا يديه والهالة الخضراء تخرج من رأسه في اتجاه ذراعيه ببطء وتتقدم نحو رأسي، عندما لامستني تلك الهالة شعرت بالغرابة وبالدم يغلي في جسمي، بدأت أصرخ بأعلى صوتي حتى تركني، ثم بدأ يضحك بصوت خشن خفيف وخرج مع الباب...
عندما كنت هاربة مع ابن عمي على الحصان، قطعت الرباط الذي كنا نجر به الوحش البشع لسبب لا أعرفه، وعندما ابتعدنا عنه ناداني بالبرتقالة المقشرة، لحد الساعة أريد أن أعرف ما قصد.
كانت الأمطار تنزل علي من الأعلى ولا أعرف طريق العودة إلى المنزل، بعدما بلع الغراب ابن عمي والآخر الحصان، بقيت أبكي تحت المطر حتى جاء أمامي حمار رمادي، لم أعرف ما العمل، وقفت ومسحت دموعي وبدأت أتقدم نحوه ببطء، عندما وصلت إليه جلس أرضا يوحي إلي أن أركبه، فعلت ذلك، وانطلق بسرعة والوحل يتطاير خلفه، لاحظت بعدها ضوء أخضر خفيف يخرج من يداي اللتان أضعهما على الحمار، حينها وقف الحمار فجأة وكنت أمام المنزل*.
_توناروز: هذا فعلا غريب، لكن ما لفت انتباهي هو البرتقالة المقشرة التي ذكرها الوحش، فأنا التي أكلتها.
_جوبا: توقفوا عن الكلام، رأسي يؤلمني بحق، غدا سنذهب لقبر أخي، ارتاحوا الآن لأننا سنذهب صباحا.
سيليا منزعجة وضعت يداها في جيوبها وتمشي في الطريق، لكن وجدت داخل جيبها ورقة فأخرجتها وعادت إليهم بسرعة.
_سيليا: يا أبي أنظر ما وجدت في جيبي، إنها رسالة من لاين على ما أظن، هيا اقرأها.
_جوبا: (يقرأ) وأنت تقرأ هذه الرسالة، عليك أن تعلم أن ابنك ضل طريقه إلى مقصده، إنه في "تيط" الآن، أنتم لستم في أمان هناك، يطلب منك ابنك أن تحضر في أسرع وقت، لا تجادل ما تقرأه واتني مسرعا وعائلتك.
_جوبا: (سالكو) أرجوك اسبقنا إلى "تيط"، احم ابني أرجوك.
_سالكو أكسل: لا تحمل هما، أراكم هناك.
في الصباح ركبوا جميعا بالعربة متجهين لقبر أخيه ومعهم ابنه المتصلب، في ذلك الجو المليء بالغبار فقط، بعدما وصلوا إلى المكان الذي كانت ترعى به قطعان الغنم والأحصنة، ذلك المكان مر عليه أكثر من عشرين عاما، وأصبح أرضا جرداء بفعل الطقس الغريب الذي حل بها.
أنزلوا (يونَكّت) معهم، فتح (جوبا) باب المزرعة المهترئ فوجد العراف الذي قابله في السوق واقف أمامه، وضع القارورة على الأرض وأمسك رأس جوبا ونطحه ثم اختفى في الأجواء وسط دخان غريب، فحمل المجرفة ثم اتجه سبع خطوات يسار الباب وغرزها بالأرض وقال:
_جوبا: اجتمعوا حولي، ولدنا بالشمال نحن الثلاثة، أخي الكبير، أنا وأخي الصغير، هذا الأخير كان شخصا طيبا شخصا لا مثيل له، مهما حاولت وصف محاسنه (يتنهد)... فلن أوفيه حقه، كانت له زوجة تزوجها قبل أشهر فقط.
في احدى الليالي، وكما أخبرني، كان خارجا إلى الحمام فسمع نقاشا حادا يدور بين والدنا وأخي الكبير، سمعه كله، وذات يوم شاهد أخي الكبير وهو يخنق أبي المريض في فراشه ليلا، وبينما حاول الذهاب لإنقاذه ضربه شخص من الخلف على رأسه حتى فقد الوعي.
في الصباح استيقظ على الجنازة، كانت الصدمة بادية عليه وكان يلوم نفسه لأنه لم يستطع إنقاذا والدنا، وراح يفضح أفعال أخي الكبير أمام الناس، لكن أخي الكبير حول الموقف لصالحه وقال أن الصدمة تسيطر على صغير العائلة ولا يعرف ما يقوله، وبالفعل الكل بالبلدة صار يدعوه بالمجنون، أخذته زوجته إلى أحد العرافين ليتلقى منه بعض العلاج الغريب، لكن زاد حالته تدهورا، وعاد له مرة ثانية بعد أيام معدودة.
(يتنهد)... هذه المرة كان يفقد عقله بمعنى الكلمة، أعطاه العراف جرعة غريبة كما قالت زوجته، لم يمر عليها يوم كامل حتى بدأ أخي الصغير بفقدان عقله أكثر، خرج من القرية مسرعا إلى أرض فارغة، تبعته أنا وزوجته وشاهدناه أمام أعيننا يتحول إلى حمار تخرج منه هالات صفراء في كل مكان، فبدأ ينهق بأعلى صوته ويتشقلب في المكان عدة أيام حتى حفر حفرة كبيرة جدا، فقدنا الأمل في الحديث معه وعدت مع زوجته بعدما أرجعتها بصعوبة، كانت تلوم نفسها كل الوقت خاصة أنها من أخذته للساحر، تركها حاملا.
بعدما تأكدت أن أخي الكبير هو من قتل أبي لم يعد يجمعني معه شيء، طلبت منه نصيبي من الإرث لكنه رفض أن يعطيني شيء، بعد جدل كبير قلت له أن يعطيني أبسط شيء وسأرحل عن المكان، وبالفعل وافق على ذلك، أخذت ثلث نصيبي وأخذت معي زوجة أخي الصغير وصغيرها الذي يبلغ أياما فقط.
وجئت إلى هنا، استقريت وتزوجتك يا (ماريا)، بعد ذلك قررت أن أزوج زوجة أخي لأحد الرجال الذين يعملون معي، كانت تعاني من الاكتئاب ولم أرغب أن يعيش الطفل دون أب، (يتنهد)... بعدما تزوجت به لم تمر سوى أيام فقط وتوفيت بسبب اكتئاب حاد، مضت عدة سنوات وكبر الطفل، وتزوجت أنا من (توناروز)...
_جوبا: (فيكانوس) أسكب السائل على الفتى فلا أتحمل النظر إليه وهو على ذلك الشكل.
_فيكانوس: لك ذلك، ولكن أكمل القصة بسرعة، ظننت أن أخوك هو الشخص الذي...
_جوبا: أصمت، لا تتسرع.
في ذلك الوقت كان تصلب الشاب يذوب بسرعة، وبدأ يسمع ما يقوله عمه.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.