ثندردوم
ثندردوم
جزء 27 من 33
وضع القراءة:

الفصل السابع والعشرين

اخذ (جوبا) سيف صديقه ثم بدأ يقاتل الحمار، بينما أنظار الزعيم عليهما. في ساحة المعركة الملتهبة يتبادل الحمار و(جوبا) الضربات برشاقة كبيرة، محاولا هذا الأخير إحياء الحوار مع أخيه بينما يوجه الضربات. وهو مندفع نحو الحمار بسرعة مذهلة متجنبا ركلاته يقول:
_جوبا: إذا توقفت الآن قد نتمكن من حل المشكلة بالكلام، حاول تذكر من تكون.
لكن الحمار سدد له ركلة خلفة في الجبهة أسقطته أرضا، فأمسك بسيفه بعدما أفلته وتصدى للضربة التالية.
_جوبا: تذكر أننا إخوة عشنا معا، من نفس الأم... من نفس الأم... والأب، لنا دم واحد، لا تنسى ابنك وزوجتك...
لم يبدي الحار أية ردة فعل، فقط استمر في تسديد الضربات القوية إلى وجه أخيه، حتى جعل وجهه دماء. ثم نظر باتجاه جثة (فيكانوس) وراح يدهسها بحوافره.
عرف (جوبا) أن هذا رد على كلماته اللطيفة، فبقي صامتا للحظة، ثم استأنف القتال بقوة أشرس، محولا اهتمامه من حوار إلى صراع شديد ومتواصل، لم يترك فرصة له ليدافع، وفي لحظة حاسمة تمكن من شطر الحمار إلى نصفين. اتكأ (جوبا) على السيف وقال للأسف لن نستطيع استعادة أي شيء.
بعدها يقف منتصبا ويرفع سيف صديقه إلى السماء.
_جوبا: أيها الناس، أعلم أني ظهرت كمحارب في هذا اليوم، لكن أعلم أن القتال ليس دائما هو الحل للمشكلات، إنه يعكس ضعفنا البشري في التفاهم في أصعب المواقف.
إن السيوف تحل النزاعات فقط بالظلم، في كل معركة نفقد أكثر مما نجني، نفقد حياتنا وحياة من نحارب، كل من مات هنا اليوم إلا وترك خلفه دما على الساحة ودما في شرايين اولاده.
لن يحل السلام إلا إذا توقفنا عن توجيه السيوف إلى بعضنا، وبدأنا توجيهها نحو الأرض، نحو الحوار والتفاهم، رغم أني كنت صاحب فكرة المعركة، ألوم نفسي على المرآة التي تعكس نفسي.
الكلمات تتساقط مثل قطرات المطر على الناس، لابد أن كلماته جعلت الناس تستفيق من صدمتها، رغم أن عددهم لم يعد سوى عشرة أو أكثر. رفع بعدها جوبا سيفه نحو السماء ورماه أرضا.
وفي الجهة المقابلة كان (كرايسي) يمشي متسللا بين الحشود إلى (سيليا) اثناء الحوار. بعد أن وصل وأمام خالتها وأمها، أمسكها من يدها وطلب منها أن تأتي معه إلا أنها رفضت ذلك، ومع اسراره على ذلك، هاجمه (يونكت) من الخلف طاعنا قلبه، فسقط الشاب على ركبتيه والدموع تنزل من عينه اليسرى.
_كرايسي: كنت أعيش في متاهة مظلمة... لكن عندما ولدت أنت بدأت تنير، وعندما أخذتك يومها... سطعت بالكامل... لم أحب شيء في هذا العالم سواك، لكنك رفضتني.
كانت الصدمة على وجه النساء بادية، لكنها لم تكن كالتي رسمت على وجه (كالوكارديا)، الذي سرعان ما اشتعل غضبا وبدأ يهاجم أي شخص أمامه، عيونه تشع بالأخضر الوهاج والرداء يتمزق على جسده.
فاندفع بقوة نحو (يونكت)، هذا الأخير تحول إلى زاحف طائر مرة أخرى وحاول الهرب. إلا أن (كالوكارديا) أمسك به من جناحيه وضربه على الأرض مرارا وتكرارا أمام اللامقاومة، وبقوة كبيرة قام بانتزاع جناحيه؛ الشيء الذي جعله يتألم بشدة.
_كالوكارديا: بعد أن أعلمتك بكل أسراري، هكذا تجزي من أحسن إليك! من أجل لا شيء طعنتني في ظهري، حرمتني من أغلى ما كافحت لأجله، فلأجعلنك تشرب من نفس الوعاء.
أنت الآن في جحيم وظلام لا يوصف، لأجعلنك ترى أشلاء عائلتك تنثر بين يديك، وتشاهد ألمهم يتلاشى بينما تقف عاجزا عن فعل أي شيء لإيقافي. ستسمع أصوات صراخهم وصراخ الفتاة التي تحبها وهي تستغيث بينما أحكم قبضتي عليهم.
سأجعل الظلام يحيط بك من كل جانب، ولأجعلنك تعاني من وحدة لامتناهية، ولتدركن أن لا منقذ لك من هذه الكارثة، ولتتمزقن بين رغبتك في الهروب (وهو يقطع قدميه) وعجزك عن ذلك، فأنا سأغلق باب الخلاص أمام وجهك العابس. ستحاول الصراخ لكن صوتك الخافت لن يصل لأي أذن، ستتوسل إلي بالرحمة لكنها لن توجد.
هذا هو العالم الذي أصنعه لك، عالم من الرعب والهلاك... شاهد نتيجة أفعالك.
وأمام عيون الجميع يمسك بـ(سيليا) ويرفعها بيده اليمنى، فتوهجت عينه اليسرى من جديد وخرج من يده عظم اخترق حلقها، بينما كان (لاين) مصدوما لا يستطيع الحراك والدم يغلي في عروقه. و (يونكت) يزحف على يديه وهو يصرخ ويبكي، حمل (جوبا) سيفه من جديد وبدأ يجري باتجاه ابنته، لكن (كالوكارديا) أخرج قبضة ضخمة من العظام وضربه بها حتى ارتمى أمام ابنه، سحقت بها أطرافه بالكامل ولم يسلم سوى رأسه، سقط (لاين) أمام أبيه وهو يذرف الدموع في صمت.
في بركة الدماء محاطا بالوحل والمياه والجثث، كان وجه الأب باهتا ومرهقا، وروحه تنتظر مغادرة جسده المحطم.
_لاين: أبي... لا... لا تمت.
_جوبا: (أجهش ببكاء خفيف) بني... الحياة قاسية ومليئة بالصراعات... مهما حاولنا أن نكسب فيها... لن ينفعنا ما كسبناه... كل ما امتلكته لم يساوي... فرحتي عندما رزقت بك، الآن لم يعد لدي شيء... آسف أني لم أعاملك جيدا... وآسف أني أبعدتك عني... لكن فعلت كل هذا لأجعلك تعيش... ولكي تعرف معنى الحياة ولكي... لا أحبك أكثر.... فهو كان سيظهر في أي وقت.
لو أني أحببتك فلا أعرف ما كان ليحصل... كنت أنانيا... لم أفكر سوى في نفسي... ولم أفكر في مشاعركم. لقد فات الأوان على هذا الكلام... أنظر، أنا السبب في كل هذا... لو أني لم آخذ الكيس لربما لم تكن موجودا... أنا فعلا نادم... لكن ندمي... كان ليكون أكبر... وأطول لو أني... لم أرزق بك... أحبك... بني، أنا آسف. لقد جاء من سيأخذني لشرب الشاي.
احتضن الابن جسد والده لفترة طويلة بحنان وحزن، وصراخه يملأ المكان.
زوجتا (جوبا) –بعد هربهما-كان على وجهيهما عبور سريع من الصدمة إلى الحزن العميق. عيناهما اللتان تراقبان المأساة امتلأتا بالدموع، والحسرة انعكست على ملامحهما الجميلة. انكمشت ملامح وجهيهما، والألم العميق يملأ نظرتهما.
عيناهما تحملان بريق الأسى والفقدان، كما لو أنهما تنتظران المستحيل. شفتاهما ارتعشتا بلطف، وكأنهما تحاولان تماسك الألم الذي يسكن في داخلهما، وكأن الأحداث قد أثقلت كاهليهما بمشاعر لا يمكن وصفها.
بينما الحزن يغمرهما، ظهرت على محياهما آثار التعب والخسارة. ومع كل دمعة تتساقط، يتلاشى بريق الأمل ويحل محله الحزن العميق. تحتضنان بالداخل أمواجا من الألم، تتداخل مع مشاعر الحنين والفقدان.
استيقظ (لاين) من غفلته وهو يرى (كالوكارديا) متأججا يحطم ويدمر، فاحترق دم (لاين) ثم بدأت عملية التحول بسرعة، حيث شعر الشاب بوخزٍ خفيف في بشرته، كما لو كانت آلاف الإبر تخترقها. تناثرت أضواء حمراء متلألئة على جسمه، كأنها شرر متناثر في السماء السوداء بالغمام. زادت حدة الألم تدريجيا، مصحوبة بصوت متسارع للقلب يضاف إلى دوي الرعد البعيد. تمايلت الشفتان، وبدأت عيناه تلمعان كأنهما شموس ساطعة. ثم بدأ قرن واحد يبرز من ناصيته، رمادي اللون وسميك. القرن ينمو بسرعة، مشوها جمجمته حتى اصبحت شبه مستطيلة.
بدأ الدرع يتكون على بشرته المتسارعة في التحول. فطغت جلود المدرع على شكله وعلى أماكن مختارة من جسده، كأنها جلد ثانٍ له يحميه من العواصف والضربات. يكمل الشاب تحوله كما لو أنه جزء من هذا العالم الذي يجسد القوة والصمود.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.