الفصل السابع
{right}{/right} "قبل ثلاثا وثلاثين سنة كنت قد تزوجت من خالتك وكانت هي زوجتي الأولى، كان أبي قد توفيَ وحصلت على نصيبي من الإرث، فخرجت من القرية القديمة "ليكوسة" مرورا (بحفرة الجحش)، وأتيت إلى هنا إلى مكان جديد علي، القرية التي بناها (نيكروس).
كنت غريبا عن المنطقة خصوصا أن تقاليدها كانت مختلفة تماما عما كنت أعيشه سابقا، مثلا هنا لا يمكننا أكل رؤوس الأغنام بينما في "ليكوسة" يمكننا أكلها، هنا يقومون بذبح السمك بالسكين وليس اقتلاع رأسه قبل طهوه أو شيه، هنا نصحى على صياح الديك وحتى صلاتنا في "ليكوسة" ليست كالصلاة هنا، ولهجتهم مختلفة أيضا، وإذا أراد شخص الحج إلى مكان آخر فلن يختار وسيلة نقله، (يتنهد ثم يكمل...)
المهم، كان من الصعب علي الاستقرار والانسجام بسهولة مع الحياة الجديدة، أنَخْت في منطقة منعزلة عن القرية، بنيت منزلي وابتعت بعض الأراضي، زرعت فيها لعدة سنوات، كنت أستعين "بخماسين"، لكن بعد مرور الزمن وتكويني لمال كثير أصبحت استأجرهم للعمل عندي، لم يتعرف علي أهل القرية كلهم لكن بعضهم درَيْت به ولكن في حدود.
كان أطفال القرية يخافون مني لسبب مجهول، بعد ذلك اكتشفت أن أمهاتهم كن يخفنهم ليناموا، فتقول الأم مثلا؛ قم إلى النوم وإلا سيأتيك اللص فلان، مرت الأيام حتى أصبح الأمر شائعا بين أهل القرية الذين لا يعرفونني، بأني لص خطير. أثناء ذلك كان هناك أكبر لص في القرية ولم يكن يسرق أهل قريته بل القرى المجاورة، سأتحدث الآن بلسانه كي تفهم القصة كما حكاها لي هو:
بعدما سمعت أن هناك شلَّاحا أخطر مني يسرق القرية، شعرت بالغيرة وخصوصا كلما يتحدث عنك أهلها، فأخذت على نفسي أن أسرقك لأرى هل أنت فعلا أخطر مني أم لا، سألت أهل القرية عن مسكنك واتجهت نحو الخماسين الذين يعملون عندك في تلك الأرض التي كانت تبدوا صفراء بضوء الشمس، جلست معهم نراقب غروبها ونغترف من اللبن مع الخبز.
تحدثنا وضحكنا حتى جاء وقت النوم، لكنهم لم يلاحظوا أني كنت أراقب الجمل الذي يطيع الأوامر من العامة كل ذلك الوقت، أخبرتهم بأني عابر سبيل فتركوني أنام معهم حتى الصباح الذي كان يوم "سوق العفاريت" في "تيمغسن"، لكن وبينما هم نيام تسللت بخفة كالثعلب إلى الجمل وفككت رباطه، ركبت عليه واتجهت نحو منزلك، كان الظلام قاتما لا أكاد أرى ما أبعد من عنق الجمل، قبل أن أصل إلى المنزل وقف الجمل ليلبي نداء الطبيعة، فوجدت أنها الفرصة المناسبة، أخذت روث الجمل وبوله ووضعتهما على ملابسي، تضمَّخْت وتعطرت بهما، وأكملت طريقي على الجمل.
كان الجدار الذي يحيط بالمنزل عاليا لا يمكن تسلقه من الخارج، جعلت الجمل يقترب بمحاذات الجدار، وقفت على الجمل وأمسكت من أعلى الحائط وصعدت فوقه، لم أر شيئا أمامي، بعدها تأكدت أن الأضواء مطفأة والكلاب بعيدة عني ولم تشتم رائحتي.
قفزت من أعلى الجدار وسقطت فوق حصانٍ لم أره يجلس مباشرة أمام المكان الذي قفزت فيه، لقد خفف من صدمة سقوطي لكنه وقف بسرعة، وهو يصهل داس على كاحلي فتألمت بشدة، وصراخي لم يكن أعلى من صوت نباح الكلاب بعدما سمعت صوت سقطتي وصهيل الحصان، لم أجد مكانا أختبئ فيه ولم أستطع الهرب أو التسلق لأن كاحلي مصاب، لكن زحفت واختبأت تحت الركاب الكبير الذي كان قرب الحصان.
بعدما سمعتَ ضجة الكلاب والحصان خرجتَ وفي يدك علبة الكبريت، أشعلت منها واحدة بعدما وقفت قرب الحصان، وكنت واثقا من أنه لن يستطيع أحد دخول منزلك، جلستَ بعدها فوق الركاب الذي كنت أنا تحته وبدأت تكلم حصانك.
بعدما وقفت لتدخل إلى منزلك أسقطت علبة الكبريت أمامي فأخذتها وانتظرت كثيرا من الوقت، بدأت أتسلل ببطء نحو الباب ودخلت في تلك الظلمة، أشعلت عود كبريت واحد فوجدت نفسي داخل المطبخ، اقتربت من الصحون ووجدت إناء مليئا باللحم، أطفأت عود الكبريت فأكلت وازدَرَدْت قدر ما استطعت عليه في ذلك الظلام.
أشعلت عودا آخر فوجدت بابا ثانيا يدخل إلى وسط المنزل، فتحته ببطء وتركت حذائي في المطبخ، مشيت بضع خطوات فرأيتك وزوجتك نائمين على الأرض، ومعلقا عند رأسك محفظة النقود وسيفك، حفظت الطريق الذي سأمر منه لآخذ المحفظة وأطفأت العود، بدأت أمشي خطوة وأتوقف وأمشي خطوة أخرى حتى وصلت إلى خلف رأسك، نزعت السيف من عليها فأخذتها ووضعتها منحرفة على كتفي وأرجعت السيف إلى مكانه.
استدرت لأعود أدراجي لكن شخصا ما أمسكني من قدمي التي دهسها الحصان ولم يفلتني وأنا أتألم بشدة، كانت زوجتك، بعدها في تلك الظلمة قالت (جوبا) أعطني كوب ماء، شعرت بالخوف أن أنكشف لكن لحسن الحظ حفظت الغرفة كلها عندما أشعلت عود الكبريت سابقا، تذكرت مكان الماء، فسكبت لها كوبا من الماء.
أعطيتها الكوب بعدما وضعته على يدها التي كانت تمسك قدمي، فتركت قدمي وأمسكت من يدي الكوب، انتظرتها حتى تعود للنوم وأنا واقف عند رأسكما دون حركة، كان الأمر صعبا جدا علي، لقد حاولَت أن تكلمني في ذلك الليل، لكني أمسكت من فمي لأن الألم لم يكن يحتمل، ظنت زوجتك أنك نمت بعدما أعطيتها كوب الماء فنامت هي أيضا، ذلك بعدما قالت (جوبا) إن رائحتك تشبه بول الحيوانات.
عدت كما دخلت إلى المطبخ، لبست خفايَ وأخذت صحن العظام معي وناديت على الكلاب التي اشتمت رائحة اللحم، جعلتها تتبعني حتى أبعدتها عن الباب وسكبت لها ذلك الصحن، اتجهت نحو الباب لكن وجدته مقفلا وليس لدي مفتاحه، أدخلت يدي في المحفظة ووجدت المفتاح، عدت بسرعة عند الكلاب وأخدت جروا معي.
رجعت عند الباب وبدأت أبحث عن تقب القفل في ذلك الظلام وأيضا الكبريت أنتهى، وجدت تقب القفل وفتحته، عندما خرجت من الباب، أعدت إقفاله من الخارج وربطت المفتاح في عنق الجرو الصغير الذي أخذته معي ثم دفعته ليدخل مجددا من أسفل الباب.
عدت إلى المكان الذي تركت فيه الجمل، لكنه عاد إلى الخماسين، وأنا رجعت لهم مجددا وربطت الجمل، بعد ساعة من البحث عنه في الحقول ومطاردته أعرجا، نمت حتى الصباح وذهبت للسوق زحفا بسبب ساقي المنتفخة، جلست في خيمة شرب الشاي وانتظرت مطولا لأني كنت واثقا من قدومك إلى السوق.
أتيتَ وجلستَ بجانبي، رأيتك وسمعتك تتحدث مع زوجتك عن السرقة التي حصلت لكم، اقتربت منك وسلمت عليكما وطلبت من عامل الخيمة أن يحضر لنا إبريق شاي مع السمك المقلي والخبز في ذلك الصباح الباكر، تحدثنا معا عن السرقة التي وقعت لك وأن ذلك المال كنت تنوي أن تتبرع به للعائلات حولك، ومنه نقود العاملين عندك، لكن وقعت عينك على المحفظة التي كانت على كتفي، أخبرتني أن محفظتك المسروقة تشبهها لحد ما، تأكدت الآن أنك لست شلَّاحا يا (جوبا).
اسمعني كنت اظن أنك لص فقررت أن أسرقك، لكن سأعيدها لك بكل مالها ما عدا النقود التي سأدفعها مقابل هذا الفطور، أدركت الآن أن سرقتي هي خطأ كبير، كنت أظنها ستسعدني لكن هي كانت ستجعل أهلها في حالة سيئة، أنا آسف فعلا لن أفعلها مجددا وسوف أفعل ما بوسعي لأجعل الناس سعداء ويضحكون من قلبهم.
فقرر (فيكانوس) يا ابنتي أن يبحث عن طريقة لإسعاد الناس، وهو الآن يجمعهم هنا في "سوق العفاريت" ويلقي عليهم حكما ونكاتا، ويلاعب قرده لكسب مال بسيط، لكنه ليس مسروقا".
بعدما وصل (جوبا) إلى الساحة، ذهب بسرعة لصديقه (فيكانوس)، كانت الفرحة بينهما كبيرة، كأنهما إخوة التقوا بعد فراق طويل.
_جوبا: (يتنهد...) (فيكانوس) سأدخل في الموضوع مباشرة، أنا أحتاج مساعدتك يا أخي الأمر طارئ جدا.
_فيكانوس: كالعادة يا (جوبا) لا تتذكرني إلا في وقت الشدة، لكن بما أنك أتيت إليّ فلن أردك خائبا، ماذا تحتاج مني؟
_جوبا: أنا آسف فعلا لكن الظروف هي التي جعلتني هكذا، أحتاج بعض الرجال لأنقذ ابن أخي.
_فيكانوس: لن أساعدك حتى تخبرني بهذه الظروف.
_جوبا: حسنا لكن لا أظنك ستصدق كلامي، اه... كيف أبدأ، حسنا سأختصر لك، ابن أخي ابتلعه غراب عملاق قرب بحيرة "عوا"، ونحتاج منك أن تجمع لنا بعض الرجال لنمسك الغراب، هل يمكنك ذلك.
_فيكانوس: أصبحت فكاهيا أكثر مني يا (جوبا)، ما الذي تهذي به، مزاحك خفيف فعلا، كدت أصدقك.
_جوبا: توقعت ذلك، أنك لن تصدقني.
_فيكانوس: حتى لو صدقتك أنا، فأولئك الرجال لن يصدقوا هذيانك.
وبينما كانا يتحدثان معا، كان رجل يلبس الأسود ويغطي كامل جسده من رأسه حتى قدميه، ويضع شيئا ما مغطى بالثوب على ظهره، قد أقترب منهما وكان يستمع لما قاله (جوبا)، فأمسك كتف (جوبا) من الخلف وبدأ يضحك باستخفاف ضحكة خشنة وقال:
_أنا أصدقك.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!