ثندردوم
ثندردوم
جزء 1 من 5

الفصل الثاني

{right}{/right}
لمّا كان (جوبا) غارقا في النوم، المطر يهطل وأصوات القطرات على الأرض وقعها يرخيه، كان يحلم حلما لم يسبق أن شاهد مثله، إنه يبصر نفسه في صحراء قاحلة بلا أي ماء أو طعام، فقط ظل الشجرة الكبيرة التي كان مستلقيا تحتها، كان عطشه شديدا لدرجة أنه صار يزحف على يديه تاركا خلفه ملابسه، يزحف لأنه رأى شيئا ما يلمع في تلك الحرارة، فظنه ماء يجري، يقترب ببطء حتى ظهرت له الفراشات فوق الأزهار البنفسجية ترفرف، اقترب أكثر حتى ظهرت له قدمان تطفوان فوق الأزهار، واقترب أكثر، وعندما رفع رأسه ليرى من كانت تلك المحلقة، لم يعرفها قط.
كانت فتاة شابة بيضاء البشرة، تضم يديها إلى صدرها وتمسك بينهما نورا ساطعا، فابتسمت له وقالت أنا (ماتيا)، أنظر ليسارك، كان ذلك الغريب بملابسه السوداء مجددا يصرخ في وجهه "أعطني أمانتي، أعطني قوتي..."
كان توجس (جوبا) حينما استيقظ لا يوصف، خوف لم يشعر بمثله قط، حتى بدأ العرق يسقط من جبهته كقطرات الماء في الخارج، عرف أنه لا مفر من ذلك اليوم الذي سيأتي فيه.
في الصباح أخفى (جوبا) عن عائلته الأمر مجددا، لكنه خرج مسرعا إلى القرية التي لا يزورها في ذلك الوقت، باحثا عن ابنه (شاب في العشرينيات، طويل القامة وليس بفائق الوسامة، يرتدي ملابس تقليدية، بشعر طويل يصل إلى كتفيه، عينه اليسرى بنية بها هلال أزرق صغير والعين الأخرى بنية وحسب، بشرته بيضاء مسمرة بالشمس)، ليطلب منه الرحيل إلى قرية بعيدة تدعى "ليكوسة".
_جوبا: اسمعني يا بني، (يتنهد ثم يكمل...) أنت لم تعد صغيرا وصرت قادرا على تحمل مسؤوليتك، لقد درست هنا بما فيه الكفاية، لكن أظن من الأفضل لك أن تذهب إلى "ليكوسة" لتكمل دراستك.
_لاين سوفوس: لما تطلب مني شيئا كهذا؟ وفي هذا الوقت بالذات.
_جوبا: اسمعني يا بني اذهب لتتعلم بعض فنون القتال، إن "ليكوسة" قبيلة جميلة جدا ستعجبك.
_لاين: ألم تقل إنه علي أن أكمل بها دراستي؟ لما أحتاج تعلم فنون القتال؟ لكن... حسنا لا يهمني جمالها.
_جوبا: اسمعني يا ولدي رجاء نفذ لي هذا الطلب ولا ترفض (يقول في نفسه كلنا سنكون سعداء إذا كنت أنت بخير).
_لاين: كما تريد، أبي هل أنت بخير؟ (استدار يحاول الذهاب) سأذهب لأودعهم.
_جوبا: لا لن تفعل ذلك، الأمر سيستغرق منك وقتا طويلا، لذا أنا سأخبرهم مكانك، الآن اخلع ملابسك هذه وأعطني إياها وخذ هذه، واحفظ جيدا ما سأقوله لك، اذهب عند الوادي وخذ كل الأحصنة لترتوي وأول من يرفع رأسه اركبه، ولا تتوقف لأن الأمر سيكون خطيرا جدا عليك، بسبب قطاع الطرق، نعم قطاع الطرق.
لم يبقَ على (لاين) سوى التنفيذ.
عاد (جوبا) إلى البيت ليخبرهم بما أخفاه عنهم كل تلك السنين، طلب أولا من (توناروز) أن تحضر ابنتهما لتسمع الحديث، لكن كان الأوان قد فات، خط عملاق متصل من السماء إلى الأرض بعاصفة من الغبار المبلل وصوت الرعد يزلزل القلوب، في تلك الأرض المنبسطة والشبه فارغة، كان ذلك الشيء الأسود القادم نحوهم صاحب الأمانة، بعينيه المحمرتين ولعابه المتطاير في الأرجاء، لم يسبق لأي إنسان أن رأى مثله ما عدا (جوبا)، فلما وصل:
_الغريب: أنت... أعطني أمانتي الآن، ليس لدي وقت لأضيعه معك، تحرك يا هذا.
_زوجتيه: (الرعب والهلع فيهما) من... من هذا يا (جوبا)، وعن أي أمانة يتحدث؟
_جوبا: إنه كيس قديم لا أعرف ما بداخله وقد أضعته، كل هذه السنين ولم أتذكر وجوده أو حتى أني أخذته، سامحني يا سيدي، ولكني قد أضعت أمانتك وسأعوضك بأي شيء تطلبه.
جن جنون الغريب، وبخطوة واحدة وقف أمام (جوبا) وقال بصوت خفيف:
_الغريب: أنت لن تستطيع تعويض ما فيه ولو حاولت... إنه أثمن وأخطر مما تظن... وأنا أعرف أنك حصلت على ما أردته منه، والآن أرجعه لي.
حاول (جوبا) التراجع إلى الخلف قليلا واستمر قائلا:
_جوبا: أقسم لك... أقسم أني أضعته ولم أر ما فيه حتى... (وعيناه ناهدتان).
أمسكه الغريب من عنقه بقوة، ورفعه إلى الأعلى، بينما النساء يصرخن ويذرفن الدموع، متكتمتان على فعلتيهما.
_الغريب: إن الذي تقوله لي لا يمكن أن يحصل، لو لم تستخدم ما كان في الكيس لما (وهو يلتفت ببطء إلى النساء) لما كانت لديك هذه البنت الفاتنة، أظنك تحبها أكثر من هاتين... (وهو يستمر في خنق (جوبا) بقوة)، لم أعد أريد ذلك الكيس، لأني وجدت ما كان فيه فعلا، (ينظر إلى الفتاة التي كانت تبكي بدون صوت، فقط تفحص تلك الدموع التي تنزل من عينيها)، أنت أخذت مني أغلى ما أملك، والآن حان دوري لآخذ منك أغلى ما تملك.
وقام برمي (جوبا) لمسافة بعيدة، وبسرعة قفز الغريب نحو الفتاة وأمسكها وهو يقول سآخذ حياتك، وضعها فوق كتفه وبينما يحاول الاستعداد لينطلق في طريقه، حاولت (توناروز) إنقاذ ابنتها التي عجز والدها عن ذلك، أمسكتها من قدمها وحاولت جرها، لكن التفت الغريب بعينين محمرتين بث في قلبها الرعب، وقال لا تتطاولي على أسيادك، وبصفعة خاطفة سريعة على وجه (توناروز) قذفتها في الهواء وأفقدتها الوعي.
أسرع الغريب في طريقه، الغبار المبلل يحجب النظر، وهزيم الرعد يزداد صخبه عاليا ليطمس صوت (سيليا ديلودو) البريئة، التي لم يكن لها ذنب في ذلك، صراخها أمي... أمي... أبي... لم يعد يسمع ولم تعد ترى.
خيمت الغيوم السوداء على المكان والمطر يهطل. بين كل هذه الاحداث التي وقعت، لم تستطع (ماريا) التحرك أو فعل شيء ولم تتذكر ابنها الذي لم يحضر، لقد كانت مصدومة للغاية والدموع كالشلال لا تتوقف، بدأت تتحرك خطوة بخطوة، رويدا رويدا، تنظر إلى عائلتها المنتشرة في الأرجاء، وقفت عند رأس (جوبا) الذي لم تكتفي قطرات المطر بتبليل وجهه، بل أضافت دموعها فوق ملامحه، لم يفتح عيناه ليلمح من عند رأسه، بل لم يتمنى أن يبقَ حيا حتى.
_جوبا: لما أنا ضعيف؟ هل رأيت ذلك؟! أنا لم أستطع حماية عائلتي، كل هذه السنين ظننت أني لن أعود لحياتي البائسة، ابنتي إنها جزء من لحمي ودمي، لا تستحق أن يحصل لها ذلك، لما أنا ضعيف رغم كل هذا المال؟ أنا أريد أن أموت فقط، نحن لا نعرف أين هي الآن أو ماذا سيفعل بها؟
(ومن ذكرياته آنذاك، كانت تخيلات لأطفال صغار موتى من دون ملابس، ومجرفة تحمل التراب وتغطي أجسادهم. قال في نفسه ما هذا؟ لا أعرف أين رأيت ذلك).
وقف بعدها وأعطى ظهره لزوجته، استمر في السير إلى الفراغ، (ماريا) تناديه (جوبا) (جوبا)... وهو غير مكترث لها أو لـ(توناروز) التي كانت تنزف من أذنها، استمر في السير دون النظر إلى الخلف، وهي تناديه... حتى قالت:
_ماريا: أعرف مكان ذلك الكيس.
فتوقف عن السير وبدأ يدير لها وجهه ببطء وعلامات الغضب ظاهرة عليه.
_جوبا: أين هو؟
لم تجبه ولم تتحدث حتى، بل سارت بخطوات متباطئة تجر رجليها في بركات المياه... ولا زال المطر... تتجه نحو (توناروز) لتفحصها، جاءها بسرعة (جوبا) وجرها من كتفها وهو يصرخ.
_جوبا: لقد سألتك عن مكان الكيس، كيف أصبحت تتجاهلينني؟
_ماريا: (بكل برودة دم) ليس الآن (وهو يشتعل غضبا)، ليس الآن سنخبرك معا، لكيلا أظلمها أو هي تفعل، فقط اصبر.
_جوبا: هل أنت فعلا (ماريا)؟ هل أنت فعلا هي؟ لا أظن ذلك، أولا تخفي عني مثل هذه الأمور المهمة، ولم تسألي عن ابنك حتى.
_ماريا: هل تسمي كيسا فيه بعض البرتقال أمورا هامة؟ أنا التي لم أعد أعرفك يا (جوبا)، أشعر أني في قصة خيالية، اتمنى ان يكون هذا مجرد حلم، فقط أريد أن أعرف، أين اختفى (جوبا) الذي عرفناه منذ سنين؟ أما ابني... لا أقلق بشأنه، إما أن ينجو في الطريق التي هو فيها الآن، وإما أن يحصل له ما حصل قبل قليل.
3 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.