الفصل الحادي والعشرين
بعدما تناولوا العشاء، استلقى الرجل على ظهره ونزع قميصه، اجتمعوا حوله جميعهم، أمسك (جوبا) بالقضيب المعدني المحمر بالنار، جلس على ركبتيه، بينما ثبت (سالكو وليث) ذراعيه وصدره، وثبتت النساء أقدامه، رفع (جوبا) يده لأعلى ثم بسرعة كبيرة غرزه في صدر الرجل ونزعه، فبدأ الرجل يصرخ بأعلى صوته في المكان، وشريط الحياة الذي كان فيها جثة يرجع بين عيناه.
وقف الرجل وعانق (جوبا)، شكر الجميع وأخبرهم أن الأمر قد نجح وأنه مستيقظ الآن، فرحوا لذلك وسروا لأجله. بينما وقف (سالكو) بسرعة حاملا بندقيته، كان ما رآه للمرة الثانية منذ صغره حتى الآن هو شيء كالظل خرج من صدر الرجل وطفى بسرعة نحو الأعلى، وعلى ما يبدو أن الجميع لم يره غيره، ثم جلس بسرعة.
_الشّوتا: وأخيرا سأتمكن من قراءة هذه المذكرة، كل الفضل يرجع لابنك لأنه سبب وصولها إلى يداي، شكرا له من أعماقي، أظن من الأفضل أن ننتظر حتى يصحو ابنك، أليس هذا من حقه؟
اتجه جوبا نحو رأس ابنه ثم جلس، بدأ يحدثه ويعتذر له كما فعل مع الجميع، في الخارج يتحول الجو من رياح بالغبار إلى جو غائم والبرق يضرب وهزيم الرعد خفيف، بدأ (لاين) بالارتجاف وهو مغمى عليه، وفجأة بدأ يصرخ ويمسك من ناصيته، استيقظ أخيرا ونهض بنصف جسمه وحافظ على استلقاء رجليه، أدار رأسه ليرى والده أمامه، تذكر فجأة كل الأمور التي مر بها، وألقى اللوم على والده، بدأ يصرخ في وجهه غاضبا، حمل الغطاء وخرج إلى الأعلى.
بينما أشار (الشّوتا) للفتاة أن تتبعه وكذلك (ليث) وطلب من والده التمهل، لحقا به ببطء نحو الخارج، جلس فوق صخرة في ذلك الجو الماطر ليلا ووضع الغطاء على كتفيه العاريين، تقدمت الفتاة وجلست خلفه وظهرها على ظهره، أما رفيقه فاتكأ على جذع الشجرة الكبير مدخلا ذراعيه في بعض.
_الفتاة: عندما كنت محتجزة سألتني عن اسمي، حسنا... اسمي (تيس)، أعرف أن ما سأخبرك به لا علاقة له بك ولكن رغم ذلك عليك أن تعرف.
أنا ابنة الزعيم السابق الذي تم قتله أمام عيناي من الزعيم الحالي، كنت أحب أبي بشدة ولكن حرمني منه، عشت بعده عشر سنوات ثم قدمني كأضحية للوحش كبقية النساء على أساس أني ابنته، كي يقنع أهل القرية أن كل البنات في القرية يجب التضحية بهن وبما في ذلك ابنة الزعيم، لن تعرف ألم فراق الوالدين حتى تخسرهما، أنا الآن أتألم وأتعذب كثيرا، أنت لا تزال لديك فرصة لتعيش مع عائلتك رغم الأخطاء التي تحصل لكنها جزء من حياتنا لا نتحكم فيها، كنت منهارة حتى أتيت أنت وغيرت كل شيء... شكرا لك.
_لاين: أنا آسف لما حصل (دعوني وحدي فقط أريد أن أصفي ذهني، أعلم أن أبي كان يريد أن يحميني وحسب ولكنه السبب في ما يحصل).
_تيس: لا تتأسف، فأنت لست جبانا مثل (ليث)، (وهي تضحك).
_ليث: (يضحك)، نعم أنت محقة، سنكمل جولاتنا في الماضي لأخبركم أنا ثم (لاين)، حسنا... كانت "ليكوسة" من بين أجمل المدن في بلادنا، كانت حضارة قائمة بذاتها، يأتيها التجار من كل مكان، يحكمها ابن الزعيم السابق وخليفته، وكنا نحن أي عائلتنا نملك قدرة غريبة ورثناها عن سلالتنا القديمة.
كان كل شيء يسير كالمعتاد إلى أن دخل على قبيلتنا غرباء من قبيلة أخرى، طالبوا والدي بالانضمام إلى حلفهم للسيطرة على القرى المجاورة، لكنه رفض ذلك وكان ابن الزعيم يشجعهم على تخويف والدي وتهديده، كان الأمر يتكرر مرارا وتكرارا، إلى أن غاب ابن الزعيم وحاشيته القرية بشكل مفاجئ، كنت قادما من الخارج بعدما رعيت الغنم صباحا وعدت بها مساء، داخل مع باب القرية في تلك التلال كعادتي لكن الأغنام أبت أن تدخل مع الباب وبدأت تتراجع نحو الخلف، وأنا أهشها لتستمر في السير، فجأة بدأت أسمع صراخا قادما من الداخل، فتركت الأغنام واتجهت مسرعا للقرية وأنا أسمع في الأرجاء صراخ البشر، توقفت عند زاوية أحد البيوت وبدأت أنظر.
كان الأمر بشعا جدا، كلاب سائلة اللعاب مرتخية الذيول محمرة العيون تنهش طفلا بعدما قفزت فوقه وأسقطته أرضا، التفت يميني فوجدت مدراة حملتها لأساعده بها، بدأت أجري نحوه ولكن التفت إلي أحد الكلاب فكدت أموت من الهلع، تراجعت جريا نحو منزلي وأنا مصدوم من وجه الولد الذي قتلوه وافترسوه أمامي.
استرخيت وتنفست بعدما وصلت عند الباب، فتحته ببطء وبدأت أنادي على أمي وأبي، فتحت باب المطبخ وكانت الصدمة الكبيرة التي لن أنساها حتى لو مت، أمي ملقية على الأرض وأطرافها مقطوعة والأمعاء تخرج من مكانها، رميت المدراة بسرعة وسقطت على ركبتاي أحرك وجه أمي المسكينة، اسمعا... أقول لها لا تموتي يا أمي أرجوك لا تموتي، لكن كانت تلفظ آخر كلماتها وقالت لي أهرب لقد قتلوا والدك أهرب يا صغيري بكلمات متقطعة، توفيت بين يداي.
خرجت مسرعا وأنا أجري وأتعثر والدموع تغلق نظري، المكان مليء بالدماء والجثث الملقية على الأرض، وصلت عند باب القرية وكان عنده رجلان يمشان بتمهل، بدأت أصرخ طالبا النجدة منهما، استدارا إلي وأشارا بالسبابة لي، كنت مندهشا من الفعل الذي يقومان به.
بدأت أفكر حينها أني أحلم وحسب، نظرت لهما من جديد وكانا لا يزالان يشيران إلي وعيونهما تلمع، فتجمعت الكلاب من كل مكان مسرعة نحوي، أكثر من مئة كلب يحيطون بي، فلم أجد مهربا سوى من خلفي، بقيت أجري وسط الدماء وأتلطخ بها حتى خرجت من القرية واختبأت داخل كهف فارغ تحت البحيرة... بعد ذلك هربت من هناك وجئت إلى هنا ولحسن الحظ وجدت السيد (الشّوتا) من نفس قبيلتي وسكنا هنا.
لا أخفي عليكما أمرا ولكن أنا متأكد أن زعيم هذه القبيلة هو نفسه زعيم قبيلتنا السابق، عيناي لا تكذبان.
_تيس: سحقا لهم، جعلوك تعيش مغتربا، ودمروا آلك، ذلك الرجل سأنتقم منه لما فعله بوالدي.
_ليث: وبوالدي... دورك يا (لاين).
_لاين: قصتي ليست مثيرة مثلكما، فالإثارة هي ما نعيشه الآن، كانت مملة فقط.
_تيس: فقط أخبرنا، سيساعدك ذلك على التحسن.
_لاين: عندما أصبح عمري تسع سنوات انتقلت للعيش مع خالي بالقرية، كان له طفل وطفلة يقربان عمري، حسنا... كانت علاقتنا رائعة رغم أن خالي صعب التعامل، كنا نرعى الغنم وإلى غير ذلك، الأمر واضح لذا سأمر لأشياء أخرى.
في أحد الأيام كنت جالسا عند الباب لا أفعل شيئا من كثرة الملل، مر علي أحد الشباب بالمنطقة صباحا وكان يوصل الخراف *خراف العيد* لأهلها الذين اشتروها وهي صغيرة، فطلب مني الذهاب معه ولم أرفض ذلك العرض فهو تجربة جديدة ومغامرة، لم يكن أحد بالمنزل فركبت معه دون أن يعلموا بذلك، كانت الرحلة جميلة نحو الجبال، المهم وزعنا الخراف على أصحابها.
وعندما كنا عائدين كان الليل بدأ يحل، ركب معنا أحد الرجال من هناك، وليلا تحرك برد قارس وكنت لا ألبس سوى قميص خفيف بحكم حرارة النهار، لكن جاء الليل بالعكس وانقلب الجو، كان البرد قارسا جدا.
في الطريق التقينا برجل عجوز يمسك خروفين، طلب مني أن أعطيه مكاني فلم أرفض، نزلت وركبت في الخلف حيث المكان مكشوف علي وعلى الخروفين والبصل، كدت أموت من شدة البرد فلم أجد ملجأ آخر سوى الدخول بين الخروفين، جلست بينهما وتدفأت بصوفهما رغم عدم كفايته.
نمت ومرت ساعات، وعندما استيقظت وجدت أننا وصلنا لقرية في الطريق، كان منتصف الليل قد حل فدخلنا لمطعم وطلب لنا اللحم، المشكلة أني جائع ولكني لم أستطع الأكل بسبب ألم رأسي من شدة البرد، هذه المرة ركبت في الأمام حيث قليل من الدفء لأن العجوز نزل في تلك القرية، عندما وصلنا نزلت ووجدت الجميع يبحث عني، لم أعرف ما العمل، لكن ذلك الشاب أخبرني أن أنام داخل برميل وفي الصباح سيجدونني نائما فيه، طبقت ما قاله لي وبالفعل في الصباح وجدوني وتفاديت العديد من الأسئلة.
والحدث الذي لا يمكنني نسيانه هو ابنة خالي التي كنت أقضي معها وقتا ممتعا سواء في محل والدها لبيع الخضر والدجاج أو أثناء ذهابنا للمدرسة، كنت متعلقا بها شديد التعلق، لما كنا نبقى معا في المحل كنا نلعب دائما لوقت طويل. في أحد الأيام قطف خالي الخضر ووضعناها في العربة حتى نأخذها إلى السوق فجرا، كانت ابنته وأخيها يرغبان في المجيء معنا لكن والدهما رفض، كانت الفتاة تبكي بشدة فذهبت إليها في تلك العشية وحاولت مواساتها، لكنها استمرت في البكاء.
في الصباح الباكر أيقظني خالي وربط البغل في العربة ثم اتجهنا نحو السوق في البرد القارس، عندما وصلنا بعد خوف كبير من قطاع الطرق شَرَينا البضاعة بثمن زاخر، فأسداني القليل من النقود التي لم أعرف ما أعمل بها، وجاءت بعدها في بالي ابنة خالي، ابتعت عقدا صغيرا ووضعته في جيبي.
عندما عدت للمنزل أردت أن أقدمه لها لكن الخجل سيطر علي، ذهبت لفتاة تعمل في محل مقابل لنا وأخبرتها أن تعطيه لابنة خالي، لكنها اقترحت علي فكرة أخرى، كانت تكتب شيئا ما في ورقة وهي تضحك بصوت خفيف، وضعت الورقة داخل علبة خشب ومعها العقد، وعندما كانت ابنة خالي عائدة بالعربة المكشوفة حاملة خوابئ المياه نادت عليها الفتاة ورمتها لها في العربة.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!