الفصل الثالث والعشرين
_أكسل: إذن كل ما عشناه طوال حياتنا كان مخططا له قبل سنوات عديدة وبعيدة، هذا الملعون كيف يتلاعب بنا هكذا... دمر أرضنا وأهلنا سوف أنتقم منه.
_جوبا: إن اللغة التي يكتب بها غير مفهومة، وداخل هذه المذكرة تطرح عدة علامات استفهام، لم أفهم الكثير لكن...
_لاين: لكن توصلنا إلى أن كل الأحداث التي وقعت لم تكن مصادفة بل مدروسة جيدا وتنفذ عبر مخطط.
_سيليا: إذن نحن الآن يتم التحكم بنا و..؟
_الشّوتا: لا يجب أن نصدق كل ما هو مكتوب هنا، فلعلها خدعة مرعبة.
_جوبا: لما قد يرغب أحد في كتابة الكذب داخل مفكرته؟
_أكسل: ليس كذبا، فهو يعرف ما حل بعائلتي، إذن بلا شك ما مكتوب هنا ليس ضربا من الخيال.
_لاين: أتفق، ويعرف من هو والدي.
وفي الوقت الذي يتحدثون فيه، عقرب أصفر صغير يخرج من شق في الخشب ثم يصعد إلى الأعلى، دون أن يلاحظه أحدهم، متجها نحو مكان ما.
_فيكانوس: السبب في دمار بلادنا هو ذلك الرجل أو تلك الجماعة.
_جوبا: (إذن ذلك الرجل لم يكذب عندما قالها قبل أكثر من عشرين عاما، ويتذكر؛
_أهل القرية: من السهل عليك قول ذلك، تمتلك كل شيء من مال ومعونة مخزنة على عكسنا نحن، وتحاول إيهامنا بكلامك.
_سمعت أن هناك جماعة سرية هي السبب في كل هذا.
_ما هذا الهراء والتخريف أيها الغبي؟!)
_ماريا: قال إن لك أخا، هل هو الذي قتل والدك؟
_جوبا: لا ريب في ذلك فليس لي أخ آخر، لكنه لا يسكن هنا.
_ليث: ألم يذكر بأنه قد انتقل؟ كالحاكم الذي حكمنا في "ليكوسة" ويحكمنا الآن.
_جوبا: (مصدوم) ماذا! هل أنت جاد؟
_ليث: نعم، لما؟
_جوبا: أشك أنه قد يساعدنا كما ذكر في المذكرة.
وفي وسط ذلك الكلام الكثير يسمع صوت طرق في الأعلى على جذع الشجرة، رفع (الشّوتا) نفسه لأعلى وهو مصدوم.
في الأسفل ينتظرون من الطارق ولكن لم يجبهم إلا شخص آخر قائلا: أخرجوا جميعا أنتم محاصرون ليس لكم أي مهرب.
صعدوا جميعا لأعلى فوجدوا جنودا كثرا يحيطون بالمكان حاملين سيوفهم، وخرج من بينهم رجل بلباس جميل أبيض ومخطط بالأحمر يداه خلف ظهره، بعمر السبعين، لحيته قصيرة جدا وشعره أبيض، يتقدم ببطء نحوهم وهم في صدمة من أمرهم هذا، ثم قال:
_مضى زمن طويل... يا أخي.
الكل مصدوم من المشهد الذي يجري أمامهم.
_جوبا: ما الذي يحصل هنا يا... (أستاثينوس موراليس).
_أستاثينوس موراليس: أهكذا تستقبل أخاك الذي لم تره منذ زمن!
_جوبا: أعتقد أنه أنا من يجب أن يقول هذا.
_فيكانوس: لما نحن محاصرون بهذه الطريقة.
_أستاثينوس: أنتم جميعا مطلوبين.
_لاين: لم نفعل شيء.
_أستاثينوس: يا ابن أخي أنت بالخصوص لا يجب أن تتحدث، قمت بالاعتداء على أحد المتدربين ثم هاجمت أصحابه في ساحة البئر وسببت لهم عاهات، ولم تكتفي بهذا بل خرقت عرفا وقانونا بتحريرك لأضحيتنا.
_لاين: ما هذا الهراء... أنا.
_جوبا: ما المطلوب منا الآن؟
_أستاثينوس: لا شيء، أخي، كتعبير على أني قد تغيرت سأفعل آخر شيء لأجلك، أنت وعائلتك مطلوبين لجماعة سرية تحكم البلاد في الخفاء، من أجل استخراج نوع من الطاقة من أجسادكم، وبهذا لا أرغب في التضحية بآخر فرد من عائلتي...
_تيس: كف عن الكذب أنت ضحيت بنا جميعا، أتذكر ما فعلته بي؟
_أستاثينوس: (وهو يضحك) كان الأمر مخططا له مسبقا ولم أفعل أي شيء بإرادتي أنا مجرد أداة تم استعمالها بطريقة جيدة، كانوا يعرفون أن (لاين) سيأتي إلى هنا وسينقذك... لا شيء أفسره أكثر من هذا، غيروا المكان لأنهم يعرفون مخبأكم الحالي ومنازلكم السابقة، يا جنود فكوا الحصار. سيخرجون عما قريب ويمسكون بكم وأنا سأتلقى عقابي لأني قد خنته وساعدتكم.
_ماريا: وإلى أين سنذهب؟
_توناروز: لا أعرف.
_سيليا: ماذا عن منزل (فيكانوس).
_فيكانوس: يعرفون مكانه.
_أكسل: سنعود إلى قريتي هناك مكان لنختبئ فيه مؤقتا.
...وهم يتحدثون عن المذكرة، عقرب صفراء صغيرة تخرج من شق في الخشب المهترئ ثم تصعد متسلقة إلى الأعلى، دون أن يلاحظها أحدهم، متجهة نحو مكان ما، تمشي وسط تلك الرمال والأمطار الهاطلة، لتصل أخيرا إلى مكان مظلم وغريب، ذلك بعدما اخترقت حقلا من الرمال الدوامية التي تحيط بالمكان، تدب بين أسطوانات عملاقة مليئة بماء أخضر فقاعي، ومعلق فيها من الأعلى أسلاك نحاسية سميكة، تدب حتى تصل إلى يد فتستقر في كفها، ترتفع تلك اليد حتى تصل عند أذن أحدهم، فيقال بعد إنزال العقرب:
إنهم يعرفون الآن ما أردناهم أن يعرفوه، ليظهر من حمل العقرب وهو يلبس رداء أسود اللون، ويقابله شخص آخر بنفس اللباس جالسين على طاولة طويلة، على رأسها شخص آخر يلبس الأسود وبجانبه حمار رمادي اللون واقف على قدميه الخلفيتين ويضم الأماميتين أمامه، يقول رأس الطاولة:
ممتاز، (معاشي) أحضر العجوز إلى هنا، يمكنكم الانصراف.
يقف (المعاشي) ويأمر كلابه أن تحضر العجوز، فتحمر عيونهم، وخرجوا مسرعين من ذلك المكان المظلم والمضاء بالضوء الأخضر الخفيف الصادر من القوارير الزجاجية العملاقة. يستمر رأس الطاولة في الجلوس في مكانه وقدماه على الطاولة بعدما مر القليل من الوقت، وصلت الكلاب وهي تجر (ماتيا) من عنقها، تطلب من (المعاشي) أن يخلصها من كلابه.
_ماتيا: هل هذه طريقة تحضرني بها إلى هنا أيها (المعاشي)؟
_المعاشي: اعذري الكلاب فهي مجرد حيوانات لا تفقه التعامل مع الثعابين.
_ماتيا: سيدي (كالوكارديا) لقد فعلت ما أمرتني به، ذلك الولد حطم فكي أنظر، لقد سرقوا المذكرة يا سيدي، ولكن لا تقلق فقد مزقت الصفحة الأولى والصفحات الأخيرة، وهكذا سيبقون مرتعبين منا.
يرفع رأس الطاولة رأسه بسرعة وهو غاضب فتشع عينه اليسرى بشعلة خضراء، ثم يقف بعد ذلك وهو يخرج يديه من جيوبه.
_كالوكارديا مورتيفيرا: كيف أمكنك عصيان أوامري! أولم أطلب منك تركهم يأخذونها كما هي؟ أعتقد أنه علي أن أريحك بالفعل من عذابك.
_ماتيا: لكن... لكن يا سيدي أردت فقط مساعدتك، سامحني أرجوك، أرجوك... لا تفعل ذلك (أخيرا وصلت اللحظة التي كنت بانتظارها).
_كالوكارديا: (معاشي) خذها للأسطوانة، هناك شخص يستحق العيش أكثر منها.
(يوبا) تعال إلى هنا.
يتجه الحمار نحوه ببطء.
_كالوكارديا: هل استيقظ ضيفنا؟
يهز الحمار رأسه.
_كالوكارديا: ممتاز، جد مماز، سألقي عليه نظرة.
يضع الحمار حافره على صدر قائده ثم يوحي إليه برأسه ألا يفعل، ثم يشير له بحافره أن يتجه نحو الأساطين أولا.
_كالوكارديا: ذلك يحتاج الكثير من الوقت، لا يجب أن أدع ضيفنا وحده، قد يغادر إذا فعلنا ذلك، هذه هي اللحظة التي علينا استغلالها وإلا سنخسره.
يتجه رأس الطاولة بعد ذلك بهدوء تام خارج تلك القاعة، بعدما صنع ابتسامة، يطرق الباب الحديدي ويدخل، كان الضيف هو (يونَكّت) جالسا فوق الكرسي وهو يبكي ويتذكر الكلام الذي كان يسمعه من عمه.
_كالوكارديا: (يونَكّت) لا داعي للحزن يا بني.
_يونَكّت: إذا كان الحزن لن يغير شيئا فيما مضى، فهل التوقف عن الحزن سيغير شيئا؟
_كالوكارديا: أنت على بينة يا ولدي. لا يمكننا تغيير الماضي لكن نستطيع تغيير الحاضر. أعرف أن ما مررت به كان قاسيا عليك ولكن...
_يونَكّت: ماذا تعرف عما مررت به؟ أنت لا تعرف شيئا صدقني.
_كالوكارديا: صدقني أنا أعرف أكثر مما تعرف عن نفسك.
_يونَكّت: مثل ماذا؟
_كالوكارديا: مثل أن والدك لم يمت ولكنه لم يعد موجودا بيننا.
_يونَكّت: هل تسخر مني؟
_كالوكارديا: لا أجرؤ على فعل ذلك، لكن اسمع الحكاية من البداية.
"بدأ الأمر عندما كان أبوك لا يزال شابا، كان له أخوان أكبر منه أحدهما تولى الحكم والآخر رحل، جاءت إليَّ زوجته وإياه أن أعالجه وكانت حاملا بك، لكن كان مرضه العقلي مستعصيا بسبب مرض في المخ يسمى (أسماك الناصية)، وكانت أيام والدك معدودة، فاقترحت على والدتك أن أعطيه مصلا سيؤخر مرضة قليلا.
ومرة أخرى جاءت إلي طالبة أن أعطيه حقنة أخرى، لكن أخبرتها أن ذلك سيؤثر عليه سلبا وسينسى أي شيء يتعلق به وبها أو قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، لكنها أصرت أن أعطيه الحقنة، لم أستطع مقاومة رغبتها.
وبعد أيام تحول والدك إلى مسخ يشبه الحمار، وسبب ذلك هو الحقنة التي تحتوي على شحنات سالبة من طاقة الجوهرة غير النقية، وتصادف أن والدك من السلالة القديمة التي تحمل الشحنة الموجبة، وكانت تلك هي النتيجة، وبالتالي والدك حي ولكنه لا يعرف أنك ابنه، وبمصطلح آخر لقد اكتسب شخصية أخرى تبعا لرغبته الشخصية.
أما الشخص الآخر الذي رباك وتزوج أمك فهو ليس والدك الحقيقي، كان هو أيضا مختلا عقليا يبيع الأطفال، احمد خالقك أنك لم تكن أحد ضحاياه، يستحق ما حصل له.
تعرف أننا قد التقينا من قبل، مرة عندما كنت تريد البحث عن (سيليا) فكنت على شكل العراف الأصلع، ومرة في الكهف حينما حاول الرجلان إنقاذك."
لا داعي لأن تسألني عن سبب رغبتي في أن أمسك بك في ذلك الكهف، فسوف تعلم عما قريب.
كل ما عليك ان تحاول فعله هو أن تثق بي.
_يونَكّت: كيف تعرف كل هذا؟ الأمر ليس بيدي لكن سأمنحك فرصة بأن أستمع إليك، وبعدها سأقرر، رغم ذلك لست أصدق أن والدي تحول إلى حمار.
_كالوكارديا: كل الحق على عمك لأنه لم يخبرك بالحقيقة. وهل تصدق أنك تحولت إلى زاحف طائر؟ اتبعني، سأريك صديقا قديما.
_يونَكّت: لا أعرف الآن هل علي محاسبة عمي لأنه لم يخبرني بالحقيقة، أم علي أن أقنع نفسي بالصفح عنه؟
_كالوكارديا: عليك فعل المستحيل لتنقذ الأشخاص الأقرب إليك.
وإذا استدعت الضرورة ضحي بهم لتنقذ غيرهم.
إنقاذ أكبر عدد أهم من إنقاذ فرد واحد تحبه.
_يونَكّت: إلى ما ترمي؟
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!