ثندردوم
ثندردوم
جزء 2 من 5

الفصل الأول

{right}{/right}
الشر لا يأتي بوجه قبيح.
"... عندما تتسع العقول وتمتد الأفكار في أفق اللاشكل واللازمان، تتلاشى حدود الوعي وتتفتح أبواب الادراك..."
"... أحلم بيوم يصبح فيه العالم مكانا أفضل، مكان لا يوجد فيه حزن أو ألم... أحلم بيوم فيه أستطيع مساعدة جميع المحتاجين..."
عبد الكريم قنوع
تنويه
عزيزي القارئ،
أحداث هذه الرواية من وحي الخيال ولا تمت للواقع بصلة، وكافة الرموز، المصطلحات أو التنظيمات هي خيال أدبي محض، تخدم السياق الدرامي لهذه الديستوبيا.
... في ذلك اليوم تغير كل شيء، الرجل الذي أنقذنا لم نعلم أنه كان رجلا بائسا نشفق على حاله، تلاعب بعقولنا وقلنا إنه لا يمتلك رحمة أو شفقة، تقمص دور المنقذ الذي يحاول إخراجنا من تلك الحالة، كنا نعيش في حالة معقدة لا يمكن للعقل تصورها.
كل ما كان يقوله أشبه بكلام من عالم آخر، لم نعش فيه ولم نسمع عنه، حتى الأرض التي عشنا فيها لم نعرف كيف كانت تبدو كاملة، هل كان أصلها صحراء كما ترعرعنا فيها، أم كانت بطبعها خضراء؟ الحدث الذي بدأ كل شيء، أو علي القول أنهى كل شيء، هو عندما كنا في ذلك الكهف ولا زلت أذكر كلامه.
_(...): نحن نعيش نفس التجربة مرارا وتكرارا، ألا تلاحظ ذلك؟ دائما ما أقول في نفسي أشعر أن هذه اللحظة رأيتها من قبل، نعم أعلم كلنا نشعر بذلك أحيانا، وبما أننا جميعا هنا لا يَسَعنَا سوى أن ندع القدر يقودنا إلى الخلاص، أضمن لكم أني حرصت جيدا على وضع شيء سيغير العالم للأبد، أعدكم أننا سنشفى جميعا ونتخلص من هذه اللعنة نهائيا.
***الفصل الأول***
ليس كـكل أسبوع، خرج (جوبا ديلودو) من منزله متجها نحو الغرب يصعد وينزل بين تلك التلال الصغيرة والمتفرقة، عند أخيه الأصغر، الذي يحرس المزرعة المتنقلة في الأراضي الخضراء، وكسائر الأيام نفسه تتقطع على حظه، فهو قد أصبح في الخمسين من عمره ولم يحصل بعد على أي طفل ينير حياته، لقد جرب كل الحلول دون نتيجة، هل كانت المشكلة فيه أم في زوجتيه؟
بينما يسير نحو الغروب متباطئا في خطواته، لاحظ شيئا غير معتاد، لقد كان الغبار يحجب كل شيء على غير العادة، حتى أصبحت السماء تكتسي نفس لون الأرض.
استمر ماشيا وسط العاصفة غير آبه لأي شيء، حتى لمح شخصا واقفا يلبس الأسود، لا يظهر منه إلا عيناه البراقتان ولعابه الذي يسيل على الأرض دون توقف، كان المشهد يثير الشكوك في نفسية (جوبا)، إلا أنه يَمَّمَ مسرعا نحوه بعدما سمع صوت سعاله الحاد، فكان يسأله عن حاله، لكن الغريب لم يجبه على سؤاله، بل انحنى على ركبتيه ولعابه يسيل عليهما، فأمسك بكيس أسود قديم كان يربطه على خصره وقال:
_الغريب: خذ هذه، أعرف أنك بحاجة لها أكثر مني، خذها... (وهو يلهث) لكن... تذكر أنه سيأتي يوم وتعيدها لي، (نحن جميعا نحتاج إليها) تذكر جيدا، لا تهمني الطريقة، لكنك سترجعها، وقد يكلفك ذلك حياتك، لكنها ستحقق لك ما تتمناه نفسك... والآن اذهب، ورجاء لا تلتفت إلى الخلف.
لم يبد (جوبا) أي ردة فعل، فقط تلقف ذلك الكيس، ومن صدمته لم يفتحه حتى. فسار في طريقه ولم ينظر إلى الوراء، ذاهبا عند أخيه.
أخوه كان له طفل صغير، يلعب قرب أقدام عمه في ذلك المنخفض الأخضر الذي ترعى به قطعان الماشية المختلفة، يجري خلف عمه وينظر إلى الكيس في يده اليسرى، كان مثقوبا من الأسفل، سقط منه شيء يراه لأول مرة ذلك الطفل، طبعا لم تكن سوى برتقالة صغيرة، فأخذ يلعب بها.
بينما يحاول (جوبا) الدخول إلى الحظيرة، سمع أنينا غريبا... أسقط من يده الكيس ودخل مسرعا، بعدما مر قليل من الوقت خرج متعرقا ومصدوما، تلقف ذلك الكيس مجددا وعاد إلى منزله.
عندما عاد (جوبا) إلى المنزل الفخم والكبير، الذي كانت تبدو عليه معالم الغنى والرخاء، بزهرياته وخوابئه وطاولاته الكبيرة... وجد زوجتيه تنتظرانه بمائدة مليئة بالطعام، وضع الكيس فوق الطاولة، وبدأ يحمل بين ذراعيه قدر ما استطاع حمله من خبز ولحم، وخرج به للفقراء جيرانه، الذين كانوا يبعدون عنه مسافات ليست بالهينة.
تلك القرية التي يعيشون بها لا تكاد ترى فيها معالم السعادة على وجوه الكبار، الفقر يسيطر عليهم والتعب الكبير، وأحوال الجو المتقلبة تدمر محاصيلهم في كل آن ومكان، وبطريقة مفاجئة. أما الأطفال الصغار الذين لا يعرفون شيئا سوى اللعب، كانوا يسرون دائما برؤية (جوبا) قادما إليهم بأقل شيء، يجتمعون حوله ويعانقونه، كما لو أنه والدهم الروحي.
_جوبا ديلودو: يا أهل القرية... (يتنهد ثم يكمل...) ما أصابنا من مصائب جعلنا نعيش في هذه الحالة الصعبة، لكن سنتجاوزها إن شاء الله، أصبح الجو فجأة يتحول من هادئ لعاصف ومن حار لماطر، تدمرت كل محاصيلنا، لم نحصّل شيئا مما زرعناه، لكن... (يتنهد ثم يكمل...) سيكون خيرا ان شاء الله...
_أهل القرية: من السهل عليك قول ذلك، تمتلك كل شيء من مال ومعونة مخزنة على عكسنا نحن، وتحاول إيهامنا بكلامك.
_(تدخل رجل) سمعت أن هناك جماعة سرية هي السبب في كل هذا.
_ما هذا الهراء والتخريف أيها الغبي؟!
_جوبا: ليست قبيلتنا هي الوحيدة التي تعاني من هذه المشاكل، (يتنهد ثم يكمل...) لكن كل من "تيمغسن، تيط، ليكوسة، يَشغَرَن، وحفرة الجحش أيضا بحيرتها توشك على الجفاف..."
ليس بيدنا شيء، لكن لندعو الله ألا تبقى الأمور هكذا. أيضا أريد من يعمل معي هذه الأيام، أحتاج أشخاصا للعمل في المزرعة، سأوفيكم أجوركم، حتى لا ينقصكم خير، من يرد العمل فليأتي غدا ان شاء الله.
كانت زوجته (ماريا فيديس) تحاول إعادة ترتيب الطاولة بعدما تناولتا الطعام، لكنهما لمحتا الكيس الرث.
_توناروز سيبس: ماذا في ذلك الكيس الرث؟!
_ماريا فيديس: لا أعرف، ولكن أظن أن (جوبا) كان يأكل ما فيه لذا لم يبد اهتماما لما صنعت.
_توناروز: ماذا؟ لا أظنه فعل ذلك، من سيعطيه الأكل وهو وحده؟ أو أظنه يعرف امرأة غيرنا.
_ماريا: أخوه، أيتها البلهاء، لا تفكري في ذلك مجددا.
أدخلت يدها في الكيس وكان به برتقالتين إحداهما بدون قشور والأخرى سليمة، أخذت (ماريا) البرتقالة السليمة، بينما أخذت (توناروز) المقشرة، ولأن البرتقال نادر فلن يضيعا عليهما فرصة أكله.
مضت تسعة أشهر كالبرق، كان (جوبا) سعيدا لأنه أصبح أخيرا أبا. أنجبت (توناروز) فتاة اسمها (سيليا)، كانت فتاة فائقة الجمال بعيون زرقاء وبشرة بيضاء، وأنجبت (ماريا) طفلا اسمه (لاين)، هل كان البرتقال يا ترى؟ هذا ما سألت عنه (توناروز) و (ماريا) نفسيهما.
ذات صباح استيقظت (ماريا) على حدث صادم، لقد كان في ناصية الرضيع (لاين) قرن صغير، كانت الصدمة على وجه (ماريا) كبيرة، وعينيها تكادان تخرجان من مقلتيهما، تضع يدها على ثغرها والدموع تذرف كالمطر، حاولت إخفاء الأمر عن (توناروز) و(جوبا)، فدخلت به إلى غرفة مظلمة وأغلقت على نفسها، حتى تعبت من البكاء ونامت، عندما استيقظت وجدت زوجها يحمله بين ذراعيه، فخشيت أن يرَ زوجها القرن بناصية الرضيع، لكن المفاجأة أنه قد اختفى نهائيا، أم أنها كانت مجرد تخيلات وحسب من شدة الخوف على صغيرها الوحيد.
مرت اثنتان وعشرون سنة منذ لقاء (جوبا) مع ذلك الغريب، كبر الأطفال بسرعة خاصة الفتاة التي عاشت داخل المنزل ولم تغادره يوما، إتباعا للتقاليد المعروفة في تلك المنطقة، على عكس أخيها الذي عاش في الخارج مع أبناء الفلاحين وخاصة خاله، وكان يدرس معهم في نفس المدرسة رغم غنى والده. لم يذكر (جوبا) على لسانه لأي أحد لقاءه بالغريب، كما لم يسأل حتى عن ذلك الكيس الذي لم يرَ ما بداخله، بسبب الفرحة الكبيرة، فقد رزق بولدين أو حصل شيء آخر جعله ينسى ذلك، لكن جاء اليوم الذي سيذكر فيه ما عاشه في ذلك اليوم.
3 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.