الفصل الرابع والعشرون والأخير:
الفصل الرابع والعشرون والأخير: شمس القيروان
ظل «زاهر» واقفاً في مكانه، واجماً، يحدق في النور المنبعث من السارية الثمانية وفي الأصدقاء الأربعة الذين يحيطون بـ «ياسر» كتفاً لكتف. اهتزت قناعته الصلبة التي طالما بنى عليها أفكاره؛ فرأى بعينيه أن القوة التي بحث عنها طوال السنين وناضل لأجلها لا تكمن في التسلط ولا في إخضاع الآخرين بالخوف، بل في هذا التلاحم الصادق والإرادة النبية التي تجمع بين أصدقاء صغار لغاية أسمى.
تراجع زاهر خطوة إلى الخلف، وأسقط سيفه من يده لتصطدم بحجارة القاعة بصوت مكتوم. اختفت حدة التهديد من وجهه، ليحل محلها استسلام هادئ ورضوخ لحقيقة لم يستطع فهمها إلا متأخراً.
«لقد فزت يا ابن سالم..» همس زاهر بصوت خفيض حمل نبرة اعتراف أخير: «أدركتُ الآن أن العهد لا يُحفظ بالحديد.. بل يُصان بالقلوب.»
استدار زاهر في صمت، وانسحب ببطء نحو الممرات المظلمة التي جاء منها، متركاً وراءه فرسانه الذين تراجعوا واحداً تلو الآخر، مفسحين الطريق أمام النور الذي ملأ أركان القاعة.
تنفس الأصدقاء الصعداء، وألقى «حمزة» بعصاه جانباً بابتسامة واسعة، بينما سقطت دمعة خفيفة على خد «مريم» وهي تطوي الرقعة الجلدية للأبد. اقترب «نادر» ووضع يده على كتف ياسر وقال بافتخار: «لقد أتممت الأمانة يا ابن الفارس.. أتممتها كما يجب.»
تقدم ياسر نحو السارية الثمانية، ووضع يده برفق على نصل سيف «العهد» المغروس فيها. استجاب السيف بومضة برتقالية أخيرة هادئة، وكأنما يبارك انتصار الحكمة على الظلام، لتنتشر طاقة السلام والسكينة عبر شرايين الأرض نحو كل ركن من أركان القيروان.
«هيا بنا نعود»، قال ياسر بابتسامة دافئة.
صعد الأصدقاء الأربعة الدرج الحجري الدائري بخطوات متزنة، ليخرجوا من قلب السرداب إلى سطح الأرض مع أولى خيوط شكر الصباح.
كانت الشمس تشرق فوق أسوار القيروان العتيقة، تذيب بآشعتها الذهبية كل آثار الخوف والوجل التي علقت بالأزقة بالأمس. فتحت الدكاكين أبوابها، وتعالت أصوات الباعة مرحبة ببعضهم البعض، وعادت الحياة إلى طبيعتها نابضة بالحيوية والأمان.
وقف ياسر ومريم وحمزة ونادر على تل مرتفع يطل على المدينة الواسعة.
تلمس ياسر سيفه الخشبي الصغير المربوط على وسطه، ورفع بصره نحو السماء الزرقاء الصافية، مستحضراً وجه أبيه الراحل، وموقناً أن روح الفارس لا تموت ما دام هناك من يحمل المبادئ بالعدل والحكمة والصداقة.
لم يعد ياسر مجرد فتى يبحث عن أثر أبيه، بل أصبح الحارس الحقيقي للعهد.. وحارس شمس القيروان التي لا تغيب.
تم بحمد الله وتوفيقه سرد قصة "فارس الوصية الأخيرة" كاملة.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!