الفصل الثالث:
الفصل الثالث: العهد
ظل «ياسر» واقفًا خلف فتحة الباب المورب، يراقب أنفاسه كي لا تسبقه وتفشي وجوده في ظلام الممر. كان بريق النصل المعدني الصادر من داخل الصندوق الخشبي يلقي ظلالاً دافئة ومتحركة على وجه والده الإهليجي الشاحب.
مد «سالم» كفيه الثقيلتين داخل الصندوق، وباحتراس شديد كأنه يحمل أمانة تزن جبالاً، رفع السيف وضعًا إياه فوق ركبتيه المتقاطعتين.
كان السيف يسحر الألباب؛ نصله صقيل يتلألأ بنقاء غريب رغم عتمة الغرفة، أما مقبضه المصنوع من البرونز المعتق فكان يحمل في منتصفه حفرًا بارزًا لرمز نجمة ذات ثمانية أطراف، تحيط بها نقوش دقيقة تتداخل كأغصان الكرمة.
لم يستطع ياسر كبح فضوله أكثر من ذلك. زلّت قدمه على حافة العتبة الخشبية ليتصدر منها صرير خفيف، فارتجف مكانها.
وفي أقل من أجزاء الثانية، ومضت عينا «سالم» بالحذر، واستدار ببدنه بسرعة خاطفة ممسكًا بمقبض السيف، وهو ينادي بصوت حاد كالرمح: «من هناك؟!»
تراجع ياسر خطوة إلى الخلف والذعر يملأ صدره، ثم قال بنبرة متلعثمة: «أنا.. أنا يا أبي.. اعتذر، لم أرد إزعاجك.»
هبطت يد «سالم» التدريجية، واستقر تنفسه المجهد. نظر إلى ابنه واقفًا عند الباب وعيناه تتطلعان إلى السيف بذهول وشغف، ثم تنهد بأسى ومسح وجهه بكفه الأيسر.
«اقترب يا ياسر،» قال سالم بصوت خفيض ودافئ، هازًا رأسه بقلة حيلة.
خطا ياسر خطوات بطيئة نحو والده، وجلس أمامه على البساط الصوفي. كانت عيناه الشاخصتان تلتصقان بذلك السيف الغريب الذي يبدو مجهول العصر والمنشأ.
«ما هذا السيف يا أبي؟» سأل ياسر بصوت يملؤه الذهول: «لم أرك تحمله يومًا في أية معركة أو جولة.. ولماذا تخفيه في جدار البيت؟»
تأمل سالم نصل السيف اللامع، ورفع إبهامه ليمسح به على رمز النجمة الثمانية، ثم قال بنبرة جادة تحمل ثقلاً عجيبًا: «هذا ليس مجرد سلاح يُسل في المعارك العادية يا بني.. اسمه «العهد». إنه أمانة قديمة حفظها أناسٌ صادقون لحماية القيروان وأهلها من أخطار لا تراها الأعين العادية.»
مد ياسر يده بعفوية وتسرع ليمسح على مقبض السيف، لكن سالم بادر بإزاحة السيف بيده فورًا، ونظر إلى ابنه بنظرة تحذيرية حازمة تجمدت معها يد الفتى في الهواء.
«لا تلمسه دون سبب يا ياسر!» قال سالم بصرامة غير معتادة: «العهد ليس لعبة بين يدي صبي يحلم بالبطولة، ولا حظوة لمن يدفعه فضوله أو تسرعه. هذا السيف له شروط، وقوانين لا ترحم من يجهلها.»
ابتلع ياسر ريقه، وسحب يده إلى الخلف بسرعة، والأسئلة تتزاحم في عقله كأسراب الحمام.
«ومن يريد هذا السيف يا أبي؟» سأل ياسر بصوت خافت وهو يتذكر قلق والده وتفقده لأبواب الدار عند عودته: «هل الأعداء الذين تتبعوك اليوم يفتشون عنه؟»
عندئذ، تغيّر وجه سالم تمامًا. انقبضت أسارير جبهته، وظللت عينيه غيمة داكنة من الحزن والرهبة، كأن السؤال أيقظ في صدره شبحًا قديمًا حاول نسيانه لسنوات طويلة.
قال سالم ببطء شديد، وكأن كل كلمة تخرج من فمه تنتزع جزءًا من عافيته: «هناك من يظن أن قوة العهد تمنحه الحق في السيطرة وتسيير أرواح الناس كما يشاء.. هناك من نسوا أن القوة بلا حكمة ولا رحمة ليست إلا دمارًا شاملًا.»
ساد صمت ثقيل في أرجاء الغرفة، لم يقطعه إلا صوت هبوب الريح الجافة التي أخذت تضرب بشدة على نوافذ البيت الخشبية.
وفجأة!
توقفت ضربات الريح، وانبعث من ساحة البيت الخارجية صوتٌ مختلف تمامًا.. صوت صرير خفيف وجاف، كأقدام تتحرك بحذر بالغ فوق الحصى الناعم القريب من نافورة الماء.
انتفض سالم في جلسته بلمحة عين، واختفت علامات التعب من وجهه لتحل محلها يقظة المحارب الصارم. أشار لياسر بيده بضرورة الصمت التام وعدم الحراك، ثم أطفأ بسبابته شعاع السراج الصغير ليتشح المكان بالظلام الدامي.
اقترب سالم من زاوية النافذة الموربة بخطوات لا صوت لها كالقطط، ممسكًا بـ«العهد» بين يديه.
استرق ياسر النظر من خلف ظهر والده، ليلمح في ساحة الممر الفاصل بين الأسوار ظلاً أسود طويلاً يقف بثبات تحفه عتمة الليل، كان يستكشف البيت بنظراته المنتصبة، وكأنه بومة ترقب فريستها في العتمة.
لم يكن هذا الظل لأحد حراس القيروان، ولا لجار ضل طريقه.. لقد كان هناك شخصٌ يراقب البيت، ويترصد كل حركة تدور داخله!
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!