وضع القراءة:

الفصل الرابع عشر:

الفصل الرابع عشر: السيف الصامت
​توارى الأصدقاء الأربعة بين صخور «وادي العرعار»، حيث بدأت ظلال المساء تطول وتكتسي الهضاب بحمرة داكنة. كانت خيانة «طاهر» وضياع الجزء الأكبر من الخريطة ترسبان ثقلاً كئيباً في صدر «ياسر». كان الغضب يشتعل في داخله كالنار، يغذيه شعور بالذنب والعجز أمام مخططات «زاهر».
​توقف ياسر في ساحة صخرية صغيرة معزولة. جرد سيف «العهد» من غلافه فجأة، وانقض نحو جذع شجرة يابسة قريبة، يضرب به بقوة وغضب عارم، متوقعاً أن تنطلق من نصله تلك القوة الغامضة التي تحدث عنها الجميع لتشفي غليله وتهزم الخطر.
​لكن النصل المعدني اصطدم بالخشب الصلب بصوت جاف وثقيل، وارتد السيف بين يدي ياسر برجة عنيفة كادت تخلع معصمه من مكانه!
​لم يخرج من السيف أي شعاع، ولم يتألق رمز النجمة الثمانية المقتطع على مقبضه، بل بدا مجرد قطعة حديد صامتة وثقيلة تجر حامليها إلى العياء.
​ضرب ياسر الأرض بقدمه بغضب، وصرخ بصوت خنقته العبرة: «لماذا؟ لماذا لا يعمل؟! أبي قال إنه يحمي القيروان، ونادر قال إنه المفتاح.. لماذا يظل صامتاً وكأنه حجر ميت عندما أحتاجه؟!»
​جلس ياسر على صخرة قريبة وألقى بالسيف جانباً، ينظر إلى كفيه المرتجفتين بقلة حيلة وخيبة أمل عارمة.
​اقتربت «مريم» ببطء، وجلست على مقربة منه. لم تتحدث فوراً، بل تركت للريح أن تهدئ فوران غضبه. أخذت السيف بجهد ووضعته بجواره، ثم رفعت عينيها الذكيتين ونظرت إلى وجهه المجهد.
​«يا ياسر،» قالت مريم بنبرة هادئة ورزينة: «فكر معي قليلاً.. متى شعرت بشدة ثقل السيف وتمنعه في المرة الأولى؟»
​تأمل ياسر السؤال، واسترجع شريط الأحداث وقال بصوت خافت: «عندما هاجمنا الملثمون في الطريق القديم.. اندفعت نحوهم بسيفي أُريد ضربهم والانتقام منهم.»
أومأت مريم برأسها وقالت: «ومتى تمنّع عليك الآن؟ عندما ضربت الشجرة بغضب شديد ورغبة في إخراج القوة رغماً عنها، أليس كذلك؟»
​التفت «نادر» مقترباً، واستند على عصاه وقال وهو ينظر إلى ياسر بوقار: «السيف ليس خادماً للغضب يا ابن سالم.. زاهر يظن أن القوة تُغتصب بالسيطرة والإكراه، ولهذا لن يستجيب له العهد أبداً. وإن أنت استخدمته بنفس المنطق، بدافع الانتقام أو إثبات الذات أو الانفعال، فسيكون السيف أضعف سلاح في يدك.»
​انقبض قلب ياسر، واسترعى انتباهه معنى الكلمات. استرجع في ذهنه وصية والده الراحل «سالم» في ساحة الدار وفي لحظاته الأخيرة: "أن تسعى لنيل القوة أمر سهل، لكن أن تملك الحكمة لمكانه الصواب.. قوة السيف لا تستجيب للقوة والغضب، وإنما لإرادة حامله وسبب استخدامه."
​وضعت مريم يدها على كتف ياسر وقالت بابتسامة دافئة: «السيف لا يجيب الغضب يا ياسر.. يستجيب للقلب الذي يريد الحماية بحق. عندما نفهم لماذا يحمل الفارس سلاحه، سينطق السيف من تلقاء نفسه.»
​تأمل ياسر كلام مريم ونادر، وشعر بغيمة الغضب الداخلي تتلاشى رويداً رويداً ليحل محلها سكون عميق وفهم جديد. انحنى، ورفع «العهد» بين يديه ببطء واحترام. هذه المرة، لم يمسكه بقبضة مشدودة متشنجة، بل بتوازن ورفق.
​شعر ياسر بوزن السيف يتغير بين كفيه، وكأن البرودة المعدنية القاسية تحولت إلى دفء خفيف ينساب في أطرافه.
​اقترب «حمزة» وابتسم مشجعاً: «الآن بدأت تبدو كابن سالم الفارس بحق!»
​ابتسم ياسر ابتسامة صغيرة ولكنها صادقة، وأعاد السيف إلى غلافه بعناية، مدركاً أول درس حقيقي في أسرار «العهد»: السلاح ليس هو مصدر القوة، بل النية والروح التي تحمله.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.