الفصل العشرون:
الفصل العشرون: العهد
نزلت الخطوات الأربع متزنة على آخر درجات السلم الحجري الدائري، ليدخل الأصدقاء قاعة صخرية هائلة تتوسطها سارية ثمانية الأضلاع. كانت السارية تنبض بنور برتقالي دافئ ينساب في عروق حجرية تمتد تحت أرضية القيروان كلها كشرايين من ضوء.
في منتصف القاعة، عند قاعدة السارية، كان «زاهر» يقف في انتظارهم. لم يكن حوله حراس هذه المرة، بل كان يقف وحيداً، وعيناه الشاخصتان تتأملان النور المنساب بشغف حداد يرى تشكيل الحديد.
التفت زاهر نحوهم عند دخولهم، واستقرت نظراته على «ياسر» وسيف «العهد» المتوهج بين يديه.
«وصلت في الوقت المناسب يا ابن سالم،» قال زاهر بصوت خفيض تردد صداه في جنبات القاعة: «هذا هو قلب القيروان.. المصدر الذي بناه الأوائل لحفظ أمن المدينة. ضع السيف في السارية، ولنشبك أيدينا معاً لنصنع نظاماً لا يجرؤ أحد على كسره.»
خطا ياسر إلى الأمام بثبات، يتبعه «مريم» و«حمزة» و«نادر» بخطوات موحدة. لم يرفع ياسر سيفه بتهجم، ولم يندفع بغضب.
«هذا المصدر لم يُبْنَ ليتحكم بالناس يا زاهر،» قال ياسر ونبرات صوته تشع بهدوء وثقة لا تتزعزع: «والدي ووالد نادر وكل حراس العهد قادوا حياتهم لحفظ هذه الأرض كي يعيش أهلها بأمان وحرية، لا ليكونوا رعايا في ظلك. القوة التي تُفرض بالخوف ليست حماية.. بل هي سجن.»
ضاقت عينا زاهر، وتقدم خطوة بسرعة غير متوقعة، ممتداً بيده ليمسك بمقبض السيف المحمول في يد ياسر: «أنت طفل لا يفهم طبيعة البشر! الخوف هو ما يحفظ النظام!»
عندما لامست يد زاهر مقبض «العهد»، امتدت موجة ارتدادية دافئة وساطعة من نصل السيف. لم تكن موجة حارقة أو مدمّرة، بل كانت قوة ثبات صافية أعادت زاهر إلى الخلف خطوات، وجردت حركته من السيطرة.
تراجع زاهر ينظر إلى كفه بذهول وشحوب: «لماذا.. لماذا يرفضني؟ لقد أمضيت عمري أتبع أثره!»
اقتربت مريم وقالت بثبات: «لأنك تبحث عن الخضوع، والسيف يبحث عن الحماية.»
وقال نادر: «ولأن العهد لا يكتمل بفرد يريد السيطرة، بل بقلوب تتعهد على التضحية والصداقة.»
نظر ياسر إلى زاهر بعينين يملؤهما الإشفاق واليقين، ثم التفت نحو السارية الثمانية. انحنى برفق، وغرس نصل سيف «العهد» في المقبض المخصص له في قاعدة السارية.
في تلك اللحظة، اكتملت الحلقات الثماني!
انتشر الضوء الدافئ من قاعة القلب ليتسرب عبر الممرات السفلية نحو أرجاء القيروان، ملقياً بسكينة وهدوء يغمران أسوار المدينة وأزقتها العتيقة. شعر الجميع بدفء يتغلغل في المكان، وتلاشى ذلك الثقل والتوتر الذي كان يلف الأحداث.
نظر زاهر إلى النور الساطع، ثم إلى ياسر وأصدقائه الملتفين حوله كيد واحدة. خفتت في عينيه حدة الغضب ليحل محلها انكسار رجل أدرك في النهاية أن الطريق الذي اختاره كان وهمًا فرديًا.
«لقد حفظت عهد أبيك يا ياسر..» همس زاهر بنبرة خافته، قبل أن يتراجع بخطوات بطيئة نحو الممر الخلفي للقاعة، ينسحب في صمت ومقتفيًا أثره في الظلام، بعد أن تهاوت رؤيته أمام يقين الصغار.
استدار ياسر نحو صديقيه ونادر. لم يخرجوا من قاع الأرض بأسلاب أو غنائم، بل خرجوا بعهد جديد حُفر في قلوبهم قبل أن يُحفر على حجر.
عندما صعدوا إلى سطح القيروان مع إشراقة الفجر الجديدة، كانت الشمس تسكب حزمها الذهبية على المآذن والأسوار. وقف الأربعة على أسوار المدينة يرقبون استيقاظ الناس وتفتح أبواب الأسواق.
ابتسم حمزة وهو يتنفس الهواء العليل: «لقد فعلناها.. القيروان آمنة.»
أومأت مريم برأسها وهي تطوي الرقعة الجلدية لأول مرة بحب واطمئنان: «والرحلة جعلت منا شيئاً أكبر من مجرد رفاق طريق.»
تأمل ياسر المدينة الوادعة، ولمس السيف الخشبي الصغير المربوط على وسطه، بينما كان سيف «العهد» يقبع في موقعه الآمن يحرس المدينة من الأعماق.
لم يعد ياسر يرى نفسه طفلاً يسير في ظل والده الفارس، بل أصبح هو نفسه فارس الوصية الأخيرة؛ فارساً لا يستمد قوته من الحديد أو الغضب، بل من الحكمة، والحب، والصداقة التي تصنع الحماية الحقيقية.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!