الفصل السابع:
الفصل السابع: الطريق القديم
خرج الأصدقاء الثلاثة من أبواب القيروان مع إشراقة الشمس الأولى، والندى ما يزال يكسو أعشاب الطريق. كان «ياسر» يسير بفتوة في المقدمة، يلتف بعباءته الخفيفة التي تخفي سيف «العهد» الملفوف بعناية، بينما تسير «مريم» بتركيز وهي تتفحص الخريطة بين الحين والآخر، ويتبعهم «حمزة» وهو ينظر حوله بحذر يحاول إخفاءه خلف ابتساماته.
كان الطريق المؤدي إلى البساتين الجنوبية قديمًا وشبه مهجور، تحيط به أشجار الزيتون الملتوية وجدران من الحجارة المرصوفة التي أكل عليها الدهر وشرب.
«هل أنت متأكدة أننا نسير في اتجاه صحيح يا مريم؟» سأل حمزة وهو يمسح العرق عن جبهته.
ردت مريم دون أن ترفع عينها عن الرقعة الجلدية: «الخريطة تشير إلى انحراف الطريق بعد السدرة الكبيرة نحو وادي الحصى. البئر يجب أن تكون هناك.»
بعد مسيرة ساعة كاملة، التفت ياسر فجأة إلى الخلف. لمس بيده مقبض السيف الخشبي المربوط على وسطه، وشعر ببرودة غريبة تسري في كفه. كان هناك صوت خشخشة خفيفة بين أغصان الزيتون، لا تشبه حركة الرياح العادية.
«توقفوا،» همس ياسر وهو يضع يده على حزام حمزة.
تسمر الثلاثة في أماكنهم. ساد صمت مفاجئ، وامتنع صداء زقزقة العصافير. وفجأة، برز من بين الأشجار ثلاثة رجال يرتدون عباءات داكنة، يغطون وجوههم بملثات خشنة. كان أحدهم يحمل عصا غليظة، بينما يمسك الآخران بخناجر قصيرة.
تقدم الرجل الأوسط بخطوات ثقيلة وقتا بصوت جاف كالتراب: «إلى أين تتجهون يا فتية؟ الطرقات الخارجية ليست آمنة لأمثالكم.. أخرجوا ما بحوزتكم من أوراق أو أمتعة وسنترككم تعودون إلى منازلكم بسلام.»
انقبض قلب ياسر، وعرف فورًا أن هؤلاء ليسوا قطاع طرق عاديين؛ إنهم يبحثون عن الخريطة والسيف!
قفز ياسر إلى الأمام، وسحب «العهد» من تحته غطائه بغضب وانقضاض سريع، مجردًا نصله اللامع أمام شعاع الشمس. صاح بحدة والدم يغلي في عروقه: «ابتعِدوا عنا! أنا ابن سالم الفارس، ولن تطالوا شيئًا!»
حاول ياسر أن يلوّح بالسيف بتهور نحو الرجل المقترب، متوقعًا أن يطلق السيف قوة سحرية تحسم المعركة فورًا كما كان يتخيل في أحلامه. لكن السيف ظل ثقيلاً وعاديًا بين يديه، بل شعر وكأن نصله أصبح أشد ثقلاً من ذي قبل، مما أفقده توازنه وكاد يجعله يسقط أرضًا.
ضحك الرجل الملثم ضحكة مكتومة وقال: «طفل يحمل سيفًا لا يعرف كيف يديره!»
وقبل أن يتقدم الرجل خطوة إضافية، صرخت مريم بذكاء: «حمزة! الحصى!»
بلمحة عين، انحنى حمزة ورشق أكياس الغبار والحصى الصغير نحو وجوه الرجال الملثمين، فتعالت صيحاتهم وهم يحجبون أعينهم بأيديهم. صرخت مريم: «اركضوا!»
امسك حمزة بيد ياسر المنذهل، وركض الثلاثة بأقصى سرعتهم نحو أزقة الوادي الضيقة، مستغلين معرفة مريم بالتضاريس وانحناءات الطريق. استمر مطاردوهم في الركض خلفهم لفترة، لكن الأصدقاء تواروا خلف جدار حجري قديم واستتروا بين شجيرات الصبار الكثيفة، حتى خفتت أصوات الأقدام وتلاشت في المدى.
جلس ياسر على الأرض يتنفس بصعوبة، ينظر إلى سيف «العهد» القابع بين يديه بذهول وخيبة أمل. لم يخرج السيف نورًا، ولم يحمه من الأعداء.
«ماذا حدث؟» همس ياسر بنبرة انكسار: «ظننت أن هذا السيف قوة لا تُقهر.. لماذا شعرت بأنه خشب ثقيل بين يدي؟»
وضعت مريم يدها على كتفه وُهِمَّت أن تجيبه، لكن حمزة قال وهو يلتقط أنفاسه: «حمل السيف يا ياسر لا يجعلك فارسًا فجأة.. والداك كان يحمينا بعقله وشجاعته أولاً. المهم الآن أننا ننجو معًا، ولدينا البئر لنبحث عنها!»
نظر ياسر إلى صديقيه، وأدرك لأول مرة أن الرحلة لن تكون مجرد ضربات سيف وحماس صبياني، بل اختبار حقيقي لإرادته ووعيه.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!