الفصل الواحد والعشرون:
الفصل الحادي والعشرون: مدينة خائفة
مع إشراقة الصباح، لم تكن القيروان التي يعرفها «ياسر» هي ذاتها القيروان التي تركها قبل أيام. كانت الحارة العتيقة تلفها كآبة غريبة؛ الدكاكين شبه مغلقة، وأصوات الباعة التي كانت تطرب الأزقة حل محلها هسيس خفيض ونظرات ترقب ملؤها الخوف.
كان رجال «زاهر» بحللهم الداكنة ينتشرون في المفارق الرئيسية والساحات، يفتشون الأمتعة بدعوى «حفظ النظام وحماية الأهالي من خطر وشيك».
وقف الأصدقاء الأربعة في زاوية معزولة خلف سوق النحاسين، يتدثرون بعباءات قديمة تعميةً لأعين الحراس.
«تأملوا هذا،» همس «حمزة» وهو يسترق النظر نحو الساحة الرئيسية: «لقد نجح زاهر في إخافة الناس! جعلهم يظنون أن هناك عدواً غامضاً يستهدف مدينتهم، وأنه هو الوحيد القادر على حمايتهم!»
قبض ياسر على مقبض «العهد» الملفوف، واشتعلت النار في صدروه. كانت رؤية أهل مدينته يُقادون بالخوف تدفعه للاندفاع فوراً.
«سأخرج إليهم الآن،» قال ياسر بصوت يفيض بالغضب: «سأكشف حقيقة زاهر أمام الجميع! سأريهم سيف العهد ليعلموا من هو الخائن ومن هو الحامي الحقيقي!»
خطا ياسر خطوة متسرعة نحو الساحة، لكن يد «مريم» امتدت بسرعة لتمسك بذراعه بصلابة، بينما وقف «نادر» حائلاً بينه وبين المخرج.إياك أن تفعل ذلك يا ياسر!» قالت مريم بنبرة قاطعة ولكنها ركينة: «إن خرجت الآن متحمساً وصرخت في وجه الحراس، فلن يراك الأهالي فارساً إنما سينظرون إليك كفتى طائش يجلب المشاكل! الخوف أعمى عقولهم، والناس في حالة الخوف يصدقون من يقدم لهم الأمان، حتى لو كان أماناً مزيفاً.»
وقال نادر وهو ينظر إلى عينيه بوقار وشدة: «زاهر لم يسيطر على القيروان بالسيوف يا ياسر.. بل سيطر عليها بلسانه وإيقاع الخوف في نفوسهم. وإن واجهت الكلمة بالسيف والمكابرة، فستخسر المعركة قبل أن تبدأ. الشجاعة ليست اندفاعاً غبياً نحو الكمين.»
توقف ياسر، واستشعر ثقل ذراعه. تنفس عميقاً، واستحضر درس «السيف الصامت». كان غضبه يدفعه مجدداً نحو الخطأ ذاته: التسرع واستخدام القوة قبل الحكمة.
«ماذا نفعل إذن؟» سأل ياسر وهو يحاول إخضاع انفعاله.
ابتسمت مريم بذكاء وقالت: «زاهر يسيطر على السطح، ولكن المفتاح الذي يفك سحره يقع تحت الأرض. السر الذي نبحث عنه في الممر السفلي هو ما سيكشف حقيقة العهد للجميع. دعهم يمسكون بالظلال، ونحن سنصل إلى القلب.»
أومأ حمزة برأسه موافقاً، وظلل نادر وجهه بعباءته وهو يمسح زوايا الشارع بعينيه الثاقبتين.
تراجع ياسر خطوات إلى الخلف، وشعر برزانة جديدة تتشكل في عقله. أدرك أن إنقاذ القيروان لا يعني خوض معركة في وسط السوق، بل يقتضي الصبر والذكاء لتفكيك الوهم الذي غزل زاهر خيوطه بحرفية.
«أنتما على حق،» قال ياسر بصوت متزن: «لن نمنحه المعركة التي يريدها.. بل سنخوض المعركة التي أُعدِدنا لها.»
وانسل الأصدقاء الأربعة بين الأزقة المظلمة، يتجهون بثبات ونقاء سريرة نحو الممر السفلي الأخير، متجاوزين أعين الحراس الخائفة.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!