وضع القراءة:

الفصل الثاني والعشرين :

الفصل الثاني والعشرين: المفتاح الأخير
​انسل الأصدقاء الأربعة كالأطياف بين الأزقة العتيقة المظلمة، يبتعدون عن العيون الخائفة والحراس المنتشرين في شوارع القيروان. كان المقصد هذه المرة هو البناء القديم الملتصق بالأسوار الشرقية للمدينة، حيث يختبئ الممر السفلي المؤدي إلى السارية الكبرى.
​وصلوا إلى مدخل سرداب قديم تعلوه شجيرات العليق اليابسة. كانت البرودة تنبعث من جوف الأرض محمّلة برائحة الحجر القديم والرطوبة.
​«من هنا تتصل أوردة القيروان الصخرية،» قال «نادر» وهو يزاحم الأعشاب بيديه ويدخل أولاً، ممسكاً بفتيل مشتعل ينير ظلمات السرداب.
​نزل «ياسر» و«مريم» و«حمزة» خلفه بخطوات حذرة. كانت الجدران الحجرية في السرداب المظلم تحمل نقوشاً قديمة تماثل النقوش التي رأوها في البئر وحصن الرمال، لكنها هنا كانت أكثر وضوحاً ودقة، كأنها كتبت لتكون الدليل النهائي لمن يصل إلى هذه النقطة.
​توقفت مريم عند بلاطة حجرية بارزة على الجدار الأيسر، ورفعت القنديل الصغير لتفحص الأسطر المنقوشة بذكائها المعتاد.
​«انتظروا..» قالت مريم وهي تمسح بأصابعها على الكلمات الغائرة: «هذه ليست مجرد توجيهات للطريق.. هذا هو شرط المفتاح الأخير!»
اقترب ياسر ونادر واستمعا باهتمام.
​قرأت مريم الأسطر المنقوشة بصوت هادئ ورزين:
​«إن المفتاح لا يفتحه الحديد، ولا تحركه الحيلة، ولا يملكه فردٌ واحد.. العهد يتجسد عندما تتصل العقول بالذكاء، والقلوب بالشجاعة، والأيادي بالثبات، والنوايا بالحماية.»
​تأمل حمزة الأسطر وهو يهز رأسه متفكراً: «أربعة شروط.. عقل، وشجاعة، وثبات، ونية حماية.»
​التفتت مريم نحو أصدقائها الثلاثة وعيناها تلمعان بالفهم: «أتدركون ماذا يعني هذا؟ هذا النقش يشير إلينا نحن الأربعة! لا يمكن لشخص واحد، مهما بلغت قوته أو ذكاؤه، أن يفتح السر بمفرده. زاهر فشل لأنه أراد القوة لنفسه وحده، بينما سالم ترك السر ليُفتح برابطة متكاملة!»
​نظر ياسر إلى مريم ونادر وحمزة، وشعر برعشة دافئة تسري في بدنه. لم تكن الرحلة مجرد صدفة جمعت أربعة فتية في أودية القيروان، بل كانت بناءً متيناً لكل ما يحتاجونه لمواجهة هذا اليوم.
​مريم كانت العقل والذكاء الذي يفك الألغاز وينير الطريق.
حمزة كان الشجاعة والثبات الذي يثبت الأقدام وقت الشدائد.
نادر كان الحذر والأمانة التي تحفظ الأسرار وتكشف خفايا الطريق.
وهو، ياسر ابن سالم، كان يحمل نية الحماية الصادقة وسيف «العهد».
​«لقد فهمت الآن يا أبي..» همس ياسر في سرّه وهو يمسك سيفه برفق واحترام: «القوة لم تكن في السيف قط.. القوة كانت في العهد الذي يجمعنا.»
​وصلوا إلى نهاية السرداب، حيث وقفت أمامهم بوابة حجرية ضخمة يحوطها إطار ثماني الأضلاع، وفي مركزها أربع فجوات صغيرة تحيط بمقبض سيف «العهد».
​التفت ياسر إلى أصدقائه ومدّ يده إلى الأمام: «نحن على بعد خطوات من النهاية.. هل أنتم مستعدون؟»
​وضع حمزة يده فوق يد ياسر بابتسامة جازمة: «معك حتى النهاية يا أخانا.»
وضعت مريم يدها فوقهما بذكاء وثبات: «حتى يحفظ العهد أهله.»
وانضم نادر بيده القوية ونظرة الثبات في عينيه: «العهد واحد.. والروح واحدة.»
​شعر الأربعة بتوافق تام وإرادة موحدة تتشكل في جوف السرداب المظلم. تقدم ياسر ووضع نصل سيف «العهد» في الفجوة المركزية للبوابة، بينما وضع كل واحد من الثلاثة يده على أحد الفجوات الجانبية.
​وفجأة، اهتزت البوابة الضخمة وصدر منها صرير حفري مهيب، وانبعث بريق ذهبي ناصع أضاء جوف الأرض بأكملها، ليتنحى الجدار الحجري جانباً وكأنه يرحب بحراس العهد الحقيقيين!
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.