وضع القراءة:

الفصل الثامن:

الفصل الثامن: البئر
​واصل الأصدقاء طريقهم انحدارًا في قلب الوادي المهجور، حيث أخذت الجدران الصخرية ترتفع من حولهم تدريجيًا لتلقي بظلال باردة على الممر الضيق. كانت الرياح تهب من الشمال صفيرًا خفيفًا بين الشقوق، محمّلة برائحة الطين والجذور الجافة.
​في منتصف الفناء الصخري المنخفض، بدت البئر القديمة كأنها حارس نسيته العصور. كانت فوهتها الدائرية المبنية من حجارة سوداء متآكلة محاطة بحلقات من الشجيرات الشوكية التي انتشرت فوق أطرافها.
​توقفت «مريم» على بعد خطوات، وأخرجت الخريطة الجلدية مطابقة إياها مع هيئة المكان. أومأت برأسها وقالت بنبرة حازمة: «هنا بالضبط.. هذه هي البئر المذكورة في أول نقطة من نقاط النجمة.»
​اقترب «ياسر» بحذر، ومسح بأصابعه على الحجارة الباردة لفوهة البئر. كان عمقها يتلفح بالظلام، ولا يظهر منه سوى صدى خفيف لهسيس الهواء القادم من القاع.
​«هل سنتزل إلى الأسفل؟» سأل «حمزة» وهو يسترق النظر نحو القاع، متراجعًا خطوة إلى الخلف مع ابتسامة مرتبكة: «تبدو عميقة جدًا.. ولست متأكدًا أن الحبل القديم القريب من الجدار سيتحمل أوزاننا جميعًا.»
​«أنا سأنزل،» قال ياسر بصرامة، ممسكًا بالسيف الملفوف على وسطه. كانت في عينيه رغبة ملحة للوصول إلى أي إجابة تدله على سر والده.
​ثبّت حمزة ومريم حبلاً متينًا أحضراه معهما حول جذع شجرة سدر معمرة قريبة. ربط ياسر طرف الحبل حول وسطه، وبدأ ينزل رويدًا رويدًا عبر الدرجات الحجرية المنحوتة في جدار البئر الداخلي.
​كان الهواء يزداد برودة ورطوبة كلما هبط إلى الأسفل. عندما بلغت قدماه القاع الجاف المليء بالحصى والرمال المستقرة، أخرج من جيبه شعلة صغيرة وقدم لإنارتها بشرارة من حجر الصوان.
​سطع ضوء برتقالي دافئ أضاء جدران القاع المقعرة.
​رفع ياسر الشعلة عاليًا، وبدأ يتفحص الحجارة الدائرية المحيطة به. وفي الجزء الخلفي المظلم، لاحظ مساحة ملساء مسطحة تخالف بقية الحجارة الخشنة. اقترب منها ومسح الغبار والتراكمات الطينية بيده.
​اتسعت عيناه ذهولاً.
​كانت البلاطة الحجرية تحمل نقوشًا غائرة بدقة متناهية: نجمة ثمانية الأطراف مطابقة تمامًا للرمز الموجود على مقبض سيف «العهد» ولتلك المرسومة في خريطة والده!
​تحت النجمة مباشرة، كانت هناك ثماني فجوات صغيرة مرتبة على شكل دائرة، يمتد منها خط هندسي غريب يتجه نحو الأسفل، مع كلمة واحدة منقوشة بلغة قديمة ولكنها مفهومة:
​«القوة لا تُفتح بالحديد، بل بالعهود.»
​نادى ياسر بصوت يملؤه الحماس من القاع: «مريم! حمزة! لقد وجدت النقش! هناك علامة النجمة الثمانية هنا!»
​بعد لحظات، نزل حمزة ومريم بالحبل لينضما إليه في قاع البئر المظلم. انحنت مريم على الفور أمام النقش الحجري، وأخذت تفحص الفجوات الثماني بدقة وعيناها تلمعان بالذكاء.
​«تأملوا هذا،» قالت مريم وهي تشير إلى الفجوات: «هذه الفجوات ليست مجرد زينة.. كل فجوة منها تمثل موضعًا من المواضع الثمانية المذكورة في الخريطة حول القيروان. هذا البئر هو نقطة البداية، وهو الذي يحفظ دليل الطريق إلى المواضع الأخرى!»
​انحنى ياسر وتأمل الكلمة المنقوشة تحت النجمة، ثم نظر إلى سيف «العهد» المربوط على وسطه. أدرك في تلك اللحظة أن السيف ليس مجرد سلاح يُسل في وجه المخاطر لقطع أجساد الأعداء، بل هو جزء من منظومة قديمة ترتبط بهذه النقوش والمواضع.
​«أبي لم يكن يحارب بالسيف فقط،» همس ياسر ونبرات الفهم تتشكل في صوته لأول مرة: «كان يسعى لفهم هذا السر وتتبعه.. السيف مفتاح لحماية القيروان، وليس وسيلة للسيطرة أو التباهي.»
​ابتسم حمزة وهو يضع يده على كتف ياسر: «أرأيت؟ بدأنا نصل إلى الحقيقة. الشجاعة كانت في نزولك هنا وفهم ما تركه والدك، وليس في اندفاعك ضد الفرسان في الطريق.»
​وفجأة، وقبل أن يكملوا حديثهم، سقطت حصاة صغيرة من أعلى فوهة البئر لتصطدم بالأرض بالقرب من أقدامهم.
​توقف الأصدقاء عن الكلام فورًا، واستقرت أبصارهم نحو الأعلى.
​بين ضوء النهار البعيد القادم من فتحة البئر الدائرية، ظهر ظل رأس مستدير يرقبهم من الأعلى في صمت تام، ثم اختفى بلمحة عين دون أن يصدر أي صوت!
​تراجع ياسر خطوة إلى الخلف ومسك مقبض سيفه، مسائلاً نفسه بوجل: "من هذا الذي يتابع خطواتنا في الظلام؟"
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.