الفصل السادس عشر:
الفصل السادس عشر: الحقيقة التي لم يقلها أبي
جلست المجموعة داخل البرج المهدم في مرتفعات العرعار، بينما كانت الشفق الأرجواني يكسو أفق الصحراء. ظل «ياسر» ينظر إلى الرقعة القديمة المكتوبة بخط والده «سالم»، يقلبها بين يديه بأصابع مرتجفة، محاولاً استيعاب حجم الحقيقة التي انكشفت له للتو.
«لم يكن أبي يهرب بالعهد لمجرد إخفائه..» همس ياسر بصوت خفيض، وعيناه تلاحقان الكلمات المتآكلة على الرقعة.
اقتربت «مريم» وجلست بجواره، وقالت وهي تشير إلى الجزء السفلي من الرسالة حيث توجد رموز منقوشة بدقة: «تأمل هذه الرموز يا ياسر.. إنها ليست مجرد خريطة للمواضع الثمانية حول القيروان. سالم كان يتتبع حركة زاهر الخطوة بالخطوة.»
أومأ «نادر» برأسه مقتربًا وقال: «زاهر لم يكن يكتفي بالبحث عن السيف.. كان يسعى للوصول إلى المكان القديم أسفل قلب القيروان، حيث يقع المصدر الأول لسر العهد. كان يعتقد أن السيطرة على ذلك المكان تمنحه سلطة مطلقة تحكم القيروان وتملي إرادتها على الجميع.»
رفع ياسر رأسه، ونظر إلى السيف الملفوف بين يديه. بدأت الصورة تكتمل في ذهنه كقطع اللغز المتناثرة.
لم يمت والده سالم وهو يحاول حماية قطعة معدنية؛ بل مات وهو يسابق الزمن ليمنع رفيق دربه القديم من تحويل سر حماية المدينة إلى أداة لفرض السيطرة والخوف على أهلها. سالم أخفى السيف، وقطع الخريطة، وشتت الدلائل، حتى لا يستطيع زاهر تشغيل المفتاح قبل أن يجد من يستحق حمل الأمانة بحكمة.
«أبي لم يتركني في الظلام..» قال ياسر ونبرات صوته تتغير تدريجيًا من حسرة الشك إلى اعتزاز عميق: «لقد ترك لي المفتاح والدليل، ولكنه ترك لي أيضًا حرية الاختيار. لم يفرض عليّ طريقه بالحديث الشفهي، بل جعلني أعيش الرحلة لأفهم بنفسي لماذا اختار الحماية بدلاً من السيطرة.»
مسح ياسر دموعه، ووقف بثبات فوق حجارة البرج المتآكلة. اختفت علامات الانكسار والتردد من ملامحه،ليحل محلها ثقة هادئة ورزينة تذكر بأبيه في أفضل أيامه.
قال «حمزة» وهو يقف بجواره ويضع يده على كتفه بابتسامة دافئة: «أرأيت؟ والدك لم يكن يخبئ الحقيقة ليضعفك، بل ليتأكد من أنك ستعرفها وأنت قادر على تحمل وزنها.»
أخرجت مريم قطعة الخريطة المتبقية، وقارنتها بالرموز المنقوشة في أسفل الرسالة وقالت ببريق من الذكاء: «طاهر وزاهر يملكان الجزء الأكبر من الخريطة الآن.. لكنهما لا يملكان مفتاح الفهم. الرموز المتبقية معنا تشير إلى أن الطريق إلى القلب يمر عبر الموضع الخامس في وادي النخل، وهو الموضع الوحيد الذي يربط بين المواضع الخارجة والسر المدفون داخل القيروان!»
التفت ياسر إلى نادر وقال بثبات: «زاهر يظن أنه يقترب من النصر لأنه يحمل الخريطة، لكنه يجهل أن قوة العهد لا تفتح بالحديد أو بالحيلة. سنسبقه إلى وادي النخل.. ونحمي ما مات أبي من أجله.»
أومأ الأصدقاء برؤوسهم في توحد تام. لم يعد الأبطال الأربعة مجرد فتية يخوضون مغامرة تائهة في الصحراء؛ بل أصبحوا رابطة حقيقية تجمعهم الحكمة والصداقة، يسيرون خلف فارس يدرك تمامًا معنى وصيته الأخيرة.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!