الفصل العاشر:
الفصل العاشر: حصن الرمال
امتدت الطريق نحو مشارف الصحراء حيث تتراجع البساتين الخضراء لتفسح المجال لكثبان رملية مذهبة وهضاب صخرية قاسية. في أفق هذا الخلاء المترامي، انتصب «حصن الرمال» كبقايا عملاق حجري قديم؛ جدرانه السميكة تآكلت بفعل السنين، وأبراجه المهدمة تطل بشرود على الفضاء الفسيح.
كان الأصدقاء الثلاثة يسيرون بحذر بين الأنقاض المنهارة للحصن. كانت الشمس تسكب حزمتها الدافئة على الحجارة الصفراء، بينما الرياح الخفيفة تذرو رمالاً ناعمة تعزف حفيفاً هادئاً بين الشقوق.
«الموضع الثاني المذكور في الخريطة يقع في الغرفة الملحقة بالبرج الشرقي،» قالت «مريم» وهي تستطلع الحصن بعينين متفحصتين، ممسكة بالرقعة الجلدية في كفها.
تقدم «ياسر» بخطوات واثقة، ويده مستقرة على مقبض «العهد»، بينما يتفقد «حمزة» الأروقة الداكنة بنظرات لا تغفل عن شاردة ولا واردة.
دخلوا الغرفة الملحقة، وهي قاعة واسعة ذات سقف دائري تتسلل إليه أشعة الشمس من الفتحات السماوية. في منتصف القاعة، انتصبت مسلة حجرية صغيرة تحمل في أعلاها نقش النجمة الثمانية، وتحتها التجويف الثاني المطابق للموجود في البئر.
لكن قبل أن تلمس قدم مريم عتبة القاعة، انبعث صوت صرير خفيف من فتحات الأبواب المجاورة.
وفجأة، خرج من بين الظلال المتراكمة أربعة رجال يرتدون عباءات صحراوية داكنة. لم تكن وجوههم مغطاة هذه المرة، بل كانت ملامحهم حادة وصارمة كصخور الوادي. انسلوا بسلاسة ليحيطوا بالأصدقاء الثلاثة، يتقدمهم رجل ذو قامة طويلة ونظرات هادئة وثابتة تجبر من يراه على التوقف.
«ابن سالم..» قال الرجل الطويل بنبرة هادئة خالية من أي انفعال: «لقد وفرت علينا عناء البحث الطويل. نعلم أنك تحمل السيف والرمز.»
انقبض قلب ياسر، وانقض حواسه كفارس متمرس. سحب «العهد» ببطء من غلافه، ونظر إلى الرجل بثبات قائلاً: «من أنتم؟ وماذا تريدون من أسرار والدي؟»
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة خالية من الدفء: «نحن نتبع من يعرف قيمة القوة الحقيقية لحماية هذه الأرض. السيف ليس ملكاً لفتى يصحب أصدقاءه في رحلة خيالية. سلّمنا العهد وسنترككم تعودون إلى القيروان بسلام.»
تقدم اثنان من الرجال لإغلاق مخرج القاعة الوحيد. لم يتردد ياسر في تلك اللحظة؛ تذكر كلمات أبيه عن الحكمة والسرعة، ونظر إلى مريم وحمزة بطرف عينه مرسلاً إشارة يفهمانها جيداً.
«الآن يا حمزة!» هتف ياسر.
في أجزاء من الثانية، امسك حمزة بحبل متين مرسخ في بكرة حجرية قديمة معلقة بالسقف كانت تُستخدم لنقل الروابط، وقطعه بخنجره الصغير. سقطت حمولة كبيرة من أكياس الرمال والحصى القديمة المستقرة في السقف نحو أرضية المخرج، لتحدث جداراً كثيفاً من الغبار والرمال المتطايرة التي ححبت الرؤية تماماً وأربكت حركة الرجال.
صاحت مريم: «من هنا! الفتحة الخلفية للبرج!»
انطلق الأصدقاء الثلاثة بمهارة عبر فتحة ضيقة في الجدار الخلفي تؤدي إلى انحدار رملي ناعم خارج الحصن. انزلقوا جميعاً بسرعة وفطنة، مستغلين كثافة الغبار والممر الضيق الذي لا يسمح بمرور أكثر من شخص واحد في الوقت ذاته.
عندما استطاع القائد الطويل وش رجاله اختراق غيمة الغبار والوصول إلى الفتحة الخلفية، كان الأصدقاء قد غطوا مسافة كافية بين الكثبان الرملية، وتواروا خلف الممرات الصخرية المعقدة التي يعرفها حمزة ومريم جيداً.
توقف القائد عند حافة البرج، ينظر إلى الرمال التي غطت آثار أقدام الفتية. اقترب منه أحد رجاله وقتا بضيق: «هل نتبعهم يا سيدي؟»
رفع القائد يده مشيراً بالرفض، وقال بنبرة ملؤها التفكير والتقدير الخفي: «لا داعي للركض خلفهم في الصحراء. لقد تصرف الفتى بذكاء وثبات لم أتوقعه من طفل في عمره.. زاهر كان محقاً؛ ابن سالم يحمل شجاعة أبيه، ويسير في الطريق نحو السر بكل يقين. دعه يكمل فك الرموز.. فنحن نعرف أين سينتهي به المطاف.»
في هذه الأثناء، كان ياسر ومريم وحمزة يجلسون خلف كتلة صخرية ضخمة يلتقطون أنفاسهم، والابتسامة تخالط تعبهم.
تأمل ياسر سيف «العهد» بين يديه، وراودته مشاعر من الفخر المتزن؛ لم يحسد قوة خارقة، ولم يسكب دماءً، بل استطاع بحكمته وتكاتف أصدقائه أن يتغلب على موقف كان يبدو محسوماً للأعداء.
«لقد عرفوا مَن نكون،» قال حمزة وهو يبتسم برضا: «لكنهم علموا أيضاً أن ابن سالم وأصدقاءه ليسوا صيداً سهلاً!»
أومأت مريم برأسها وقالت: «زاهر.. هذا الاسم الذي يتردد في الظلال هو من يوجه هؤلاء الرجال. لكننا نتقدم بثبات، والموضع القادم يحتاج منا حذراً أكبر.»
قبض ياسر على السيف بقوة، ووجه نظره نحو أفق الصحراء الشاسع، متأكداً أن رحلته لم تعد مجرد تتبع لأثر أبيه الراحل، بل أصبحت مسيرة إثبات حقيقية لفارس يتعلم معنى الحماية يوماً بعد يوم.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!