الفصل الحادي عشر
الفصل الحادي عشر: الفتى الغريب
استمر الأصدقاء الثلاثة في مسيرهم عبر الممرات الصخرية المتشابكة المؤدية إلى الوادي الشمالي، والرمال الناعمة تداعب أطراف عباءاتهم مع هبات الريح. كان الإرهاق قد بدأ يتسلل إلى أجسادهم بعد النجاة بذكاء من حصن الرمال، لكن العزيمة في عيني «ياسر» ظلت مشتعلة كالجمرة.
توقفت «مريم» عند صخرة عريضة، وبسطت اللفافة الجلدية لتتأكد من المسار. كانت الخريطة تشير إلى أن الموضع الثالث يقع عند أنقاض جسر حجري قديم يعبر أخدوداً جافاً يسمى «وادي الصدى».
وفجأة، وأثناء انعطافهم عند حافة الأخدود الصخري، انزلقت قدم «حمزة» فوق الحصى السائب، ليتردد صدى صرخته المكتومة وهو يفقد توازنه ويهوي نحو الهاوية الضيقة!
«حمزة!» صرخ ياسر ومريم في وقت واحد، وتوجهت أيديهما نحو الأمام بلهفة، لكن المسافة كانت أسرع من خطاهما.
وفي أقل من ثانية، خرج جسد رشيق من بين الشجيرات اليابسة القريبة من حافة الأخدود. بلمحة عين وبحركة خاطفة محسوبة بدقة، رمى الفتى الغريب نفسه نحو الأرض، وامتدت يده القوية لتقبض على معصم حمزة المعلق في الهواء قبل سقطته المروعة!
ثبّت الفتى الغريب قدميه بين الشقوق الصخرية، وبجهد متزن سحب حمزة إلى الأعلى ورفعه نحو البر الأمان.
استلقى حمزة على الأرض يتنفس بصعوبة، وعيناه متسعتان من أثر المفاجأة، بينما وقف ياسر ومريم حائلين بين الفتى الغريب وحمزة، وأيديهما تتجه تلقائياً نحو مقابض أسلحتهما الخشبية.
كان الفتى يبدو في الثالثة عشرة من عمره، أسمر البشرة، ذو عينين حادتين كعيني الصقر، يحمل على كتفه جراباً جلدياً كتيماً، ويتدلى من وسطه حبل متين. كان يرتدي حلة بسيطة ولكنها عملانية تناسب المناطق الجبلية والصحراوية.
«من أنت؟» سأل ياسر بصرامة وهو يحجب أصدقاءه ببدنه، ويده تلتصق بسيف «العهد» الملفوف: «ولماذا تتبعنا في هذا الوادي المهجور؟»
مسح الفتى الغريب الغبار عن يديه باسترخاء تام، ولم تظهر على وجهه أية علامة من علامات الارتباك أو الخوف. نظر إلى ياسر بثبات وقال بصوت هادئ ونبرة جادة: «اسمِي نادر. ولو كنتُ أتبعكم بشرّ، لتركت صاحبك يذوق طعم القاع بدلاً من إنقاذه.»
تراجع ياسر خطوة إلى الخلف، مدركاً حقيقة جوابه، لكن الحذر الذي زرعته الأحداث الأخيرة في قلبه جعله لا يرفع درجة حمايته.
«شكراً لك على إنقاذ حمزة يا نادر،» قالت مريم وهي تتقدم بثبات وذكاء: «لكن المتجولين في هذه الأماكن القاسية نادرون جداً.. ماذا تفعل هنا وحدك؟»
ابتسم نادر ابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيه، وقال وهو يشير بإبهامه نحو الأخدود الصخري: «أعرف هذه الطرقات حجراً حجراً. وأعلم أن رجال زاهر ينتشرون كالجراد في الممرات المجاورة يفتشون عن أطفال يحملون خريطة قديمة وسيفاً ملفوفاً بالقماش.»
اتسعت عينا ياسر، وانقبضت أسارير جبهته بحدة: «كيف تعرف بشأن زاهر؟ وبشأن السيف؟ هل أنت واحد من رجاله؟»
رد نادر ببرود متزن، وعيناه تتطلعان مباشرة نحو نصل السيف الملفوف بين يدي ياسر: «لو كنتُ من رجال زاهر لما تحدثتُ معكم.. ولكنتُ جلبته وجلبت رجاله إلى هنا خلال دقائق. أنا أعرف زاهر، وأعرف والدم سالم.. وأعلم ما يحمله ذلك السيف أكثر مما تتخيل يا ابن الفارس.»
خطا ياسر خطوة إلى الأمام وقال بغضب مكتوم: «إن كنت تعرف شيئاً عن والدي وعن العهد، فأخبرنا به فوراً! لماذا تتكتم وتلعب بالألغاز؟»
رفض نادر الإجابة بشكل مباشر، واكتفى بربط حبله على كتفه بصلابة، متراجعاً بضع خطوات نحو زاوية الصخور وقال: «ليس كل ما يُعرف يُقال للغرباء.. وليس كل من يحمل السيف يستحق أن يعرف الأسرار دفعة واحدة. إن أردتم الوصول إلى وادي الصدى بسلام ودون أن يقع أثركم بين يدي رجال زاهر، فاتبعوني.. وإن أردتم العكس، فالطريق أمامكم مليء بالمكمن.»
استدار نادر ومشى بخطوات واثقة وسريعة بين الشقوق الجبلية، دون أن ينتظر قرارهم.
وقف الأصدقاء الثلاثة يتادلون النظرات.
«أنا لا أثق به يا ياسر،» همست مريم بنبرة تحذيرية: «إنه يعرف الكثير، ويكتم أكثر.. وقد يكون طعماً لجرنا إلى فخ.»
وقال حمزة وهو يمسح على معصمه الأليم: «لكنه أنقذ حياتي منذ لحظة.. لو كان عدواً لكان أسهل عليه تركنا نتشتت.»
تأمل ياسر ظهر نادر المتعد، وشعر بصراع داخلي بين تسرعه الشديد وشكوكه الواجبة. قبض على سيف «العهد» بإحكام وقتا بصوت جاد: «سنتبعه.. لكن عيوننا لن تغفل عنه لحظة واحدة. إن كان صديقاً فسندرك ذلك، وإن كان غير ذلك.. فالعهد معنا ولن نجعله يندم على كشف نفسه.»
تتبع الثلاثة خطوات الفتى الغريب، والغموض يلف المقصد، بينما كان نادر يسير في المقدمة بصمت، يحمل سرّاً قداماً قد يغير مسار رحلتهم بالكامل.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!