الفصل خامس عشر:
الفصل الخامس عشر: ماضي سالم
استمر الأصدقاء في صعود المسالك المؤدية إلى أعالي «مرتفعات العرعار»، حيث الأفق يمتد واسعًا يطل على وديان القيروان البعيدة. كانت مريم تتفحص الرقعة الصغيرة المتبقية من الخريطة، بينما كان نادر يستطلع الطريق بين الشقوق الجبلية بحذر شديد.
وصلوا إلى مدخل بناء حجري قديم شبه مهدم، يعلوه خفق الرياح الجافة. كان المكان يبدو كمقر حراسة قديم أكل عليه الدهر، تُغطيه أعشاب صحراوية جافة وتستقر في زواياه أحجار متآكلة.
«هنا الموضع الرابع،» قال نادر وهو يشير إلى الجدار الخلفي للبرج المهدم: «هذا المكان كان نقطة التقاء قديمة لحراس العهد.»
اقترب ياسر ومريم من الجدار. في الأسفل، كانت هناك بلاطة حجرية عريضة تغطيها الأتربة. انحنى حمزة وياسر وأزاحا الأتربة بجهد مشترك، ليكشفا عن صندوق حديدي صغير صدئ، غُرست في قفله علامة النجمة الثمانية.
استخدم ياسر مقبض سيف «العهد» وضغطه برفق داخل الفجوة المطابقة في القفل، فانفتح القفل بصوت تكّة مكتومة دوت في أرجاء البرج الصامت.
داخل الصندوق، لم يجدوا طلاسم سحرية أو كنزاً ذهبياً، بل العثور كان على لفافة ورق عتيقة جداً تكسوها صفرة الزمن، خُطت بمرسوم رسمي ورسائل شخصية قديمة.
رفعت مريم اللفافة بحذر، وبدأت تقرأ أسطرها المكتوبة بخط يد معروف لديها ولدى ياسر.
«هذا خط والدي سالم..» همس ياسر بذهول وهو ينظر إلى التوقيع في أسفل الورقة.
أخذت مريم تقرأ الأسطر المكتوبة بصوت هادئ يخالطه الشجن:إلى أخي ورفيق درب الحراسة.. زاهر.
لقد جمعنا العهد لسنوات طويلة على حماية القيروان وأهلها من كل غادر. كنا نحلم معاً بمدينة لا تخاف، ولكن الطريق اختلف بيننا.. أنت ترى أن حماية الناس تجيز لنا إخضاعهم وسلب إرادتهم وتولية القوة المطلقة فوق رؤوسهم، وأنا أرى أن الحماية التي تسلب حرية الناس وأمنهم النفسي ليست حماية، بل عبودية جديدة.
إن لم تكف عن تتبع سر العهد لفرض سلطتك، فسأكون أضع السيف والسر في موضع لا تطاله يدك.. سمح الله لك يا زاهر، وليردك إلى الصواب.»
توقفت مريم عن القراءة، وساد صمت ثقيل ومفاجئ في المكان.
تصلب ياسر في موقعه، وشعر بصدمة هزت أركانه. كانت عيناه تتسعان بذهول وهو ينظر إلى الورقة بين يدي مريم.
«زاهر.. وسالم؟» قال ياسر بصوت يرتجف، والدهشة والذهول يخنقان حنجرته: «كانا صديقين؟ كانا رفيقي درب؟!»
نظر ياسر إلى نادر بغضب وارتباك متزايدين: «لماذا لم يخبرني أبي بهذه الحقيقة؟ لماذا أخفى عني أن زاهر كان حليفه وقريباً منه؟ لماذا أترك أخوض هذا الطريق وأنا لا أعرف أن الشرير الذي أواجهه كان أقرب الناس لأبي؟!»
تراجع ياسر خطوة إلى الخلف، واشتعل الصراع الداخلي في قلبه. شعر بغصّة مريرة وفجوة عاطفية تنشأ بينه وبين ذكرى والده الراحل. ظن طوال حياته أن والده كان يصارع أعداءً واضحين غريبين عن القيروان، ولم يتخيل قط أن الصراع كان مع رجل شارك والده طعامه وأقسم معه اليمين ذات يوم.
تقدم نادر وضع يده على كتف ياسر بثبات وقال بنبرة ملؤها الوقار والتفهم: «والدك لم يخفِ عنك الحقيقة ليخدعك يا ياسر.. بل ليزيح عن قلبك حمل حزنٍ لم تكن مستعداً له وأنت صبي تدرب في الساحة. سالم كان يحمي القيروان، وكان
في الوقت ذاته يحمي قلبك من أن يتلوث بالشك والأسى.»
لكنه تركني أواجه زاهر دون أن أعرف حقيقته!» هتف ياسر والدموع تحرق عينيه.
قالت مريم بذكاء وحنان: «بل ترك لك الرسالة والعهد، لأنه كان يعلم أنك عندما تستحق حمل السيف، ستفهم الحقيقة بنفسك. زاهر لم يولد شريرًا يا ياسر.. زاهر سلك طريق السيطرة عندما سمح للغضب والخوف أن يقوداه، ووالدك اختار طريق الحماية حتى النهاية.»
تأمل ياسر الرسالة القديمة في يد مريم، ورأى كلمة "أخي" التي كتبها والده لزاهر. أدرك في تلك اللحظة عمق المأساة الحقيقية؛ المعركة ليست مجرد مواجهة ضد خصم غريب، بل صراع على المعنى الحقيقي للبطولة الشريفة.
قبض ياسر على السيف ببطء، وفي قلبه امتزج الأسى بوعي جديد، مدركًا أن عليه أن يفهم خطأ زاهر كي لا يقع فيه أبدًا.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!