وضع القراءة:

الفصل الرابع:

الفصل الرابع: الوصية الأخيرة
​تصلبت أطراف «ياسر» وهو يتطلع إلى ذلك الظل الغريب القابع في زاوية الساحة. جفت دماء الخوف في عروقه عندما رأى والده «سالم» يرفع يده اليسرى ببطء كي يثبته في مكانه، بينما كان يمسك بـ«العهد» بيمناده.
​دون سابق إنذار، تحرك سالم كالبرق نحو الباب الجانبي، وفتحه بدفعة خاطفة خرج على إثرها إلى الساحة. لكن الظل الأسود لم يواجه الفارس؛ بل ارتد إلى الخلف بمرونة عجيبة، وقفز فوق السور الترابي العالي، ليختفي بين أزقة القيروان العتمة كأنه لم يكن سوى خيال زائف.
​وقف سالم عند السور للحظات، ونفسه يعلو ويجهد، ثم انحنى فجأة وأسند كفه على جدار النافورة الحجري. ركض ياسر نحوه بلهفة: «أبي! هل أنت بخير؟ من كان ذلك الرجل؟»
​لم يجب سالم فورًا. كان صدره يتذبذب باضطراب، وشحوب الموت يكسو ملامحه بوضوح تحت ضوء القمر. أومأ براسه خفيفًا، وسار بخطوات ثقيلة ومترددة عائدًا إلى داخل الدار، كأن تلك الحركة السريعة قد استنزفت آخر ما تبقى في جسده من رمق وقوة.
​استلقى سالم على فراشه الصوفي، واستند برأسه على وسادة الخيش. كانت أنفاسه تتصاعد بصعوبة، وصوته يخرج متقطعًا وباهتًا للغاية، لكن عينيه كانتا تتمسكان ببريق حاد ومركز وهو ينظر إلى ياسر.
​«اقترب مني يا ياسر..» همس سالم، وهو يمد يده المرتجفة ليقبض على معصم ابنه.
​جلس ياسر على ركبتيه بقلب ينبض كرعشات الرعد، والدموع تتجمع في عينيه بعد أن أدرك الخطر المحيط بوالده. قال بنبرة باكية: «سأذهب وأجلب الطبيب يا أبي.. سأركض فورًا!»
​شد سالم على يد ياسر بمنعه من الحركة، وقال بنبرة هادئة ورخيمة رغم الألم: «لا وقت للطبيب يا بني.. استمع إليّ جيدًا. الخطر أقرب إلى القيروان مما تتخيل، والوقت ينفد منا.»
​التقط سالم سيف «العهد» الذي كان ملقى بجواره، ورفعه ببطء بين كفيه الشاحبتين، ثم وضعه فوق أحضان ياسر. كان وزن السيف الساجد فوق فخذي الفتى يحمل برودة معدنية وسحرًا ثقيلاً هز أركانه.
​«هذا السيف أصبح أمانتك الآن يا ياسر،» قال سالم وعيناه تغرقان في عيني ابنه: «لقد أردت أن تصبح فارسًا قبل وقتك.. والآن وضع المقدر الحمل بين يديك. تذكر دائمًا.. السيف لا يصنع الفارس، بل العقل والنية. احمِ القيروان... مهما حدث.»
​«أبي.. لا تقل هذا!» انساب ملح الدموع على وجنتي ياسر وهو يهز رأسه رفضًا: «أنا لست مستعدًا بعد.. أنت من سيحمي المدينة، أنت فارسها!»
​ابتسم سالم ابتسامة صغيرة دافئة زادت من وقار وجهه، ثم مسح بإبهامه على دموع ياسر بجهد جهيد وقتا: «أنت ابني.. وفي قلبك شجاعة تجعلك أصلح لهذه الأمانة من غيرك، إن عرفت كيف تزن خطواتك. لا تثق في القوة المجردة، واجعل حكايتك لحماية الناس، لا للسيطرة عليهم.»
​توقفت كلمات سالم، وهدأت أنفاسه المترددة ببطء شديد. استقرت يده على يد ياسر الممسكة بمقبض «العهد»، وبدأت برودتها تزداد تدريجيًا. نظر سالم إلى أفق الغرفة بنظرة أخيرة هادئة، ثم أغمض عينيه بثبات، واستسلم جسده للصمت التام.
​«أبي؟» نادى ياسر بصوت خفيض يرتجف.
​لم يأته رد.
​«أبي.. استيقظ رجاءً!» رفع ياسر صوته، وهز كتف والده برفق، لكن رأس سالم مال جانباً بهدوء تام، مخلفاً في أرجاء البيت صمتاً مطبقاً لا يقطعه إلا هسيس الريح الخارجية.
​سقطت الدموع من عيني ياسر على نصل «العهد» الملقى في أحضانه. لم يصرخ، ولم يبكِ بصوت عالٍ؛ بل استقر في صدره صمتٌ رهيب وعدم تصديق لما يحدث. كان يتطلع إلى وجه والده الساكن، يراجع كل كلمة قالها له في ساحة التدريب، وكل لمسة حنان مسح بها على شعره.
​صارت الدار الغارقة في الظلام واسعة وموحشة فجأة. وجد ياسر نفسه وحيدًا تمامًا أمام جثمان والده البطل، ومعه هذا السيف الغامض الذي تحول في لحظة واحدة من مجرد حلم بالبطولة إلى مسؤولية ثقيلة تزن جبال العالم فوق كتفيه الصغيرتين.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.