الفصل الثالث عشر:
الفصل الثالث عشر: أول خيانة
غادرت المجموعة المغارة مع بزوغ الفجر، وسار الأصدقاء الأربعة بحذر عبر المسالك الجبلية المؤدية إلى «مرتفعات العرعار»، حيث يختبئ الموضع الرابع المشار إليه في الخريطة.
انضم إليهم في الطريق مرشدٌ محلي يدعى «طاهر»، وهو رجل في أواخر الأربعينيات من عمره، يدّعي أنه كان من أصدقاء سالم القدامى المقربين في رحلات الصيد والتفتيش. كان طاهر يرتدي عباءة بسيطة، ويبدو بشوش الوجه، مظهرًا التعاطف الشديد مع ياسر لحزنه على والده.
«والدك سالم كان رجلاً لا يُعوض يا بني،» قال طاهر بنبرة دافئة وهو يقود المجموعة بين الشعاب الصخرية: «سأختصر لكم الطريق عبر هذا الممر الضيق، لنصل إلى البرج القديم قبل أن ينتصف النهار وتشتد حرارة الصحراء.»
كان ياسر يشعر بارتياح لوجود طاهر، متذكرًا كلامه الدافئ عن والده، بينما كانت مريم تراقبه بصمت وتحليل، وكان نادر يسير في الخلف بعينين حادتين لا تتركانه لحظة واحدة.
عندما وصلوا إلى مضيق صخري ضيق، طلب طاهر منهم الاستراحة لبعض الوقت والتزود بالماء.
«أعطني الخريطة الجلدية لثوانٍ يا مريم،» قال طاهر بابتسامة مطمئنة: «لأتأكد من وسم العلامة الصخرية عند انعطاف الوادي، فقد تتشابه الطرق هنا على من لا يعرفها.»
ترددت مريم للحظة ونظرت إلى ياسر. هز ياسر رأسه مشجعًا، فناولتها مريم إياه بحسن نية.
أخذ طاهر اللفافة، وتظاهر بفحصها تحت شعاع الشمس. وفجأة، ودون أدنى مقدمات، وضع طاهر يده على صفارة عظمية صغيرة كانت تتدلى داخل ثوبه، وأطلق منها صفيرًا حادًا تردد صداه عبر الوادي الصخري!
وفي أقل من ثوانٍ، ظهر من أعالي الصخور أربعة فرسان مدججون يدينون بالولاء لـ «زاهر»، ليحاصروا منافذ المضيق تمامًا.
تراجع الأصدقاء إلى الخلف بذهول ورعب. قفز طاهر إلى حافة الصخور المرتفعة بمرونة لا تناسب سنه، ممسكًا بالنصف الأكبر من الخريطة الجلدية التي تمكن من تمزيقها بمهارة أثناء بسطها!
طاهر!» صرخ ياسر بصوت يمزقه الانكداء والصدمة: «أنت.. أنت كنت تخدعنا؟ كنت تعمل لحساب زاهر؟!»
ضحك طاهر ضحكة باردة خالية من الرحمة وقتا: «الولاء للقوة يا ابن سالم.. زاهر هو من سيملك القيروان ويبسط الحماية الحقيقية عليها، وليس أوهام والدك الراحل. لقد أديتم دوركم بامتياز في فك الرمز، والان جاء دور الكبار!»
اندفع نادر بسرعة البرق، ورشق طاهر بحجر ثقيل ليستعيد ما يمكن استعادته، فاختل توازن طاهر وسقط منه جزء صغير من الخريطة الممزقة نحو القاع، بينما ركض هو نحو الفرسان واختفى برفقتهم حاملاً الجزء الأساسي من الدليل!
«من هنا! ركضًا!» صاح نادر وهو يسحب ياسر من ذراعه نحو شق صخري سفلي لا تستطيع أحصنة الفرسان اختراقه.
اندفع الأصدقاء الأربعة عبر الشق الصخري تحت صرخات رجال زاهر ومطاردتهم الحثيثة. استمروا في الركض والتخفي بين الشقوق والمغارات الضيقة حتى غابت أصوات الأحصنة تمامًا وتلاشى الخطر التكتيكي، ليجدوا أنفسهم في فناء جبلي معزول.
جلس ياسر على الأرض، وألقى برأسه بين كفيه. كانت الصدمة أشد قسوة من أية مواجهة بالسلاح.
«لقد وثقت به..» همس ياسر بصوت منكسر يملؤه الألم والذنب: «لأنه تحدث عن أبي بالخير.. أنا السبب. بسبب تسرعي وحسن ظني غير المحسوب ضاع جزء الخريطة الأهم، وضاعت جهودنا!»
انحنت مريم وجلست بجواره، وأخرجت الجزء الصغير من الخريطة الذي أنقذه نادر وقالت بصوت هادئ ومؤثر: «لا تلم نفسك يا ياسر. الخيانة تجرح القلب لأنها تأتي ممن لا نتوقعهم. لكنك لست وحدك، وطريق الفارس مليء بالعثرات.»
وقال نادر وهو يقف أمامه بوقار وشدة: «الخطأ ليس في ثقتك بالناس يا ابن سالم، بل في استعجالك في الحكم عليهم لمجرد معسول الكلام. زاهر يعرف كيف يستغل عواطفنا، وعليك أن تتسلح بالحذر والذكاء أكثر من ذي قبل. الجزء المتبقي معنا بفضل مريم ونادر كافٍ لنواصل إذا فكرنا بعقولنا.»
أمسك حمزة بيد ياسر ورفعه بقوة: «لم نخسر بعد! لدينا السيف، ولدينا بعضنا البعض، وهذا ما لا يملكه طاهر ولا زاهر!»
رفع ياسر عينيه نحو صديقيه ونادر، وشعر بغيمة الشك في قراراته تتبدد قليلًا أمام صلابة أصدقائه. استلهم من هذه الخيانة درسًا قاسيًا في الرزانة وعدم الانخداع بالمظاهر، وازداد يقينًا بأن المعركة ليست مجرد سباق للوصول إلى المواضع، بل صراع إرادة وحكمة يفوز فيه من يحفظ قلبه نقيًا وحذرًا.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!