وضع القراءة:

الفصل التاسع:

الفصل التاسع: عين تراقب
​تصلبت أجساد الأصدقاء الثلاثة في قاع البئر البارد، وشخصت أبصارهم نحو الفوهة الدائرية العالية حيث اختفى ذلك الظل الغامض. ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى هسيس الشعلة المترددة في يد «ياسر».
​«هل رأيتما ذلك؟» همس «حمزة» وهو ينكمش مقترباً من الجدار الحجري، محاولاً حجب ضوء الشعلة بعباءته.
​«أجل،» ردت «مريم» بصوت خفيض ولكن متزن: «هناك من يتبع أثرنا منذ أن خرجنا من أسوار القيروان. يجب أن نخرج من هنا فوراً، القاع محبش قد يتحول إلى مصيدة إن أرادوا محاصرتنا.»
​أطفأ ياسر الشعلة بسرعة كي لا يكشف موقعهما في الظلام، ونظر إلى الأعلى حيث ضوء النهار الباهت يحدد الفتحة. قبض على حبل الصعود وقتا بثبات: «سأصعد أولاً لاستكشاف المكان، فإن كان الطريق آمناً أشرتُ لكما بالحراك.»
​بدأ ياسر يتسلق الحبل بمهارة حذرة، يضع قدميه فوق البروزات الحجرية الداكنة بجدار البئر دون أن يصدر أي صوت. عندما اقتربت عيناه من حافة الفوهة، أبطأ حركته وألقى نظرة خاطفة نحو الساحة الصخرية المحيطة بالبئر.
​كانت الأشجار الشوكية تتراقص ببطء مع هبات الريح، والهدوء يلف الوادي المهجور. لا أثر لأي شخص.
​قفز ياسر إلى الأعلى بمرونة، وألقى نظرة سريعة في كل الاتجاهات، ثم أشار بحبل الصعود لمريم وحمزة حتى يلحقا به. خلال لحظات، كان الثلاثة يقفون في الهواء الطلق، والأنفاس تتصاعد من صدورهم بجهد.
​«لا يوجد أحد،» قال حمزة وهو يفتش بعينيه التضاريس الصخرية: «ربما كانت مجرد بومة أو طائر كبير وقف على الحافة؟»
​انحنت مريم نحو الحصى الرطب القريب من جدار البئر الخارجي، ورفعت يدها مشيرة إلى الأرض: «الطيور لا تترك طبعة أحذية جلدية مصقولة يا حمزة.»
​اقترب ياسر وجثا بجوارها. كانت هناك طبعة قدم واضحة وجديدة لم يمر عليها سوى دقائق، تتجه نحو شجرة زيتون معمرة تقع على تل صغير يطل على البئر.
​ركض ياسر بحذر نحو الشجرة، يتبعه حمزة ومريم. وعندما وصلوا إلى الجذع الضخم، لم يجدوا أحداً، لكنهم عثروا على شيء آخر تركه ذلك الغريب عمداً فوق غصن بارز.
​كانت رقعة خشبية صغيرة صقيلة، نُحتت عليها علامة العين المحاطة بالنجمة الثمانية المقطوعة — ذات الرمز المطبوع على قطعة القماش السوداء التي وجدها ياسر في بيت والده!
​وتحت الرمز، حُفرت عبارة قصيرة بأسلوب أنيق وبارد:
​«ابن الفارس يسير في الطريق الصحيح.. لكن الخريطة لا تحمي صاحبها من الظلال.»
​امسك ياسر بالرقعة الخشبية، وشعر برعشة تسري في أطرافه. لم يكن الخصم مجرد ملاحق أهوج يحاول سلبهم بالسيف، بل كان يبدو كشخص يتوقع كل حركة يقومون بها، ويلهو بجهودهم كأنه يراقب لعبة حتمية.
​«إنه ليس رجلاً عادياً من قاطعي الطرق،» قال ياسر ونبرات صوته تجمع بين الحذر والغضب المكتوم: «هذا الرمز يتكرر في كل مكان.. إنهم يعرفون والدي، ويعرفون بشأن السيف والسر.»
​تأملت مريم الرقعة وقالت بذكاء: «هو لم يهاجمنا وأحن في قاع البئر، رغم أن الخطر كان محققاً لنا لو فعل. إنه يريدنا أن نواصل البحث.. يريد منا أن نفتح الطريق ونفك الألغاز نيابة عنه!»
​قبض ياسر على مقبض «العهد» الملفوف، واسترجع كلمات أبيه في ساحة التدريب: "الفارس لا يندفع ببدنه قبل أن يزن خطوته بعقله."
​تنفس ياسر عميقاً، وأخفى الرقعة الخشبية في حزامه، ثم نظر إلى صديقيه بعينين اختلف فيهما بريق التسرع الأولي ليحل محله تركيز واعد: «إن كان يريدنا أن نتقدم، فسنفعل.. لكن بالشروط التي نحددها نحن، لا بالتوجيه الذي يريده هو. الموضع التالي في الخريطة يقع في حصن الرمال على مشارف الصحراء..وهناك سنفاجئه قبل أن يفاجئنا.»
​أومأ حمزة ومريم برأسيهما موافقين. انطلق الثلاثة صعداً بين تضاريس الوادي، وأصوات خطواتهم تتزن برصانة جديدة، بينما كانت هناك عين غامضة تثرى حركاتهم من خلف الظلال البعيدة، دون أن تدرك أن ابن الفارس بدأ يخطو أولى خطواته الحقيقية نحو الحكمة.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.