الفصل الثاني عشر:
الفصل الثاني عشر: حراس العهد
سار الأصدقاء خلف «نادر» عبر ممر صخري ضيق يتلوى بين جبلين متقابلين، حيث تحجب الصخور المتشامخة معظم أشعة الشمس لتضفي على المكان برودة ورهبة خفيفة. كان نادر يتحرك بمهارة عالية وخفة، يتجنب الحصى الصغير الذي قد يصدر صوتًا، ويتوقف بين الحين والآخر ليسترق النظر نحو أعالي الهضاب.
وصلوا إلى مغارة متسعة ذات مدخل مخفي بين شجيرات الكبر الجبلية. التفت نادر إليهم وأشار بيده للداخل قائلًا: «استريحوا هنا.. المكان آمن ولن يصل إليكم رجال زاهر بسهولة.»
دخل الأصدقاء المغارة الباردة. جلس «حمزة» يستند إلى جدار حفري، بينما وقفت «مريم» تتأمل الرموز المنقوشة على مدخل المغارة بذكاء. أما «ياسر»، فظل واقفًا في المنتصف، ممسكًا بسيف «العهد»، ونظراته الشاخصة تلاحق كل حركة من حركات نادر.
«الآن يا نادر،» قال ياسر بنبرة قاطعة تجتمع فيها الصرامة بالحذر: «وصلنا إلى مكان آمن كما أردت. أخبرنا بالسر.. من أنت؟ وكيف تعرف والدي سالم وسيف العهد؟»
جلس نادر على صخرة مسطحة، ورفع عينيه نحو ياسر. اختفت نبرة الجفاف السابقة من صوته لتصل مكانها هيبة ووقار لا يناسبان صغر سنه.
«عائلتي يا ياسر،» بدأ نادر كلامه ببطء وهو يتأمل جمر الشعلة الصغيرة التي أوقدها حمزة: «كانت جزءًا من «حراس العهد».. وهم عصبة سرية قديمة تعاهد أفرادها منذ عقود على حماية الأسرار المرتبطة بإنشاء القيروان وحفظ أمنها.»
ساد الصمت الغرفة، وتقدمت مريم خطوات نحو نادر مستمعة باهتمام بالغ.
أكمل نادر: «والدك سالم لم يكن مجرد فارس يدافع عن الأسوار بالسيف والدرع. كان القائد الأخير للحراس.. وكان والدي يقف بجواره يوماً بعد يوم. لقد أقسم الجميع على ألا تقع أسرار القيروان في أيدي من يريد إخضاع الناس ببدعة القوة.»
تأثر ياسر بسماع اسم والده بهذه الطريقة. اقترب خطوة وقال بصوت يخالطه شجن مكتوم: «وإذا كان الأمر كذلك.. لماذا أراك تدور في هذه الأودية وحدك؟ وأين عائلتك؟»
أطرق نادر رأسه قليلاً، وظللت عينيه غيمة حزن حقيقية قبل أن يرفع رأسه مجدداً: «عندما بدأ زاهر يتغير ويطالب باستعمال قوة العهد لإخضاع المدينة بحجة حمايتها، وقع الخلاف العاصف بينه وبين والدي وسالم. زاهر حاول الوصول إلى المواضع بالقوة.. وعائلتي دفعت ثمن حماية أحد الأسرار. منذ ذلك اليوم، أخذت على نفسي عهداً بأن أكمل ما بدأه أهلي، وألا أسمح لزاهر بتحقيق مأربه.»
نظر نادر إلى السيف الملفوف بين يدي ياسر وتابع بصوت خفيض: «لكن يجب أن تفهم شيئاً مهماً يا ياسر.. أنت تظن أنكم تبحثون عن السيف لأن السيف هو الهدف والغاية، أليس كذلك؟»
عقد ياسر حاجبيه باستغراب: «أليس السيف هو أمانة والدي التي تحمل القوة؟»
هز نادر رأسه نفيًا وقال بوضوح: «السيف ليس غاية الرحلة يا ابن الفارس.. «العهد» ليس إلا مفتاحاً! مفتاح يقود إلى المكان القديم العميق تحت القيروان، حيث يكمن المصدر الحقيقي الذي يحمي المدينة. السيف وحده لن يمنحك قوة تحسم بها المعارك إن لم تفهم كيف ومتى تستخدمه، وإن لم تصل به إلى المكان الصحيح.»
تبادل الأصدقاء النظرات بذهول. أدركت مريم قطعة اللغز الغائبة وقالت: «هذا يفسر النقوش والفجوات الثماني في البئر وحصن الرمال! السيف يفتح الدليل في كل موضع ليقودنا إلى المفتاح النهائي!»
وقف ياسر يتأمل السيف في يديه، وشعر بكلام نادر ينزل على قلبه كقطرات الماء الباردة. تذكر فشله في استخدام السيف بالغضب في مواجهته الأولى مع الملثمين، وتذكر كيف ثقل النصل بين يديه.
بدأ ياسر يفهم شيئاً فشيئاً أن طريق الفارس الذي أراده والده ليس طريق قوة عضلية أو تهور بالقتال، بل هو طريق فهم، وإرادة، وصبر على حمل الأمانة.
نظر ياسر إلى نادر وقال بنبرة أهدأ وأكثر ثقة: «نحن نسير في هذا الطريق لننفذ وصية أبي ونحمي القيروان.. فهل ستسير معنا يا نادر؟»
نظر نادر إلى ياسر، ثم إلى مريم وحمزة، وأومأ برأسه في هدوء وقال: «سأسير معكم.. لكن تذكروا، زاهر ليس عدواً سهلاً، والخطوة القادمة س تختبر ثقتنا جميعاً.»
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!