الفصل السادس:
الفصل السادس: الخريطة
جال «ياسر» بعينيه في أرجاء الغرفة المبعثرة، أورقٌ متناثرة وكتبٌ ملقاة على الجانبين. أخذ يتفحص كل ركن بعناية شديدة، مدركًا أن والده «سالم» لم يكن ليدع سرًا بهذا الحجم دون حماية أو أثر يستدل به عند الحاجة.
انحنى ياسر نحو الصندوق الخشبي المفتوح. رفعه وقلّبه بين يديه، فلاحظ أن قاعه أسمك قليلاً مما ينبغي. أخرج خنجر والده الصغير من حزامه، وبحذر أطراف أصابعه حفر في الحافة الداخلية للصندوق. بضغطة خفيفة، انقشع لوح خشبي رقيق ليكشف عن تجويف سفلي سري.
داخل التجويف، كانت تربض لفافة جلدية قديمة ملفوفة بحبل كتاني ومختومة بالشمع الأحمر.
فضّ ياسر الخيط بحذر وبسط اللفافة على الأرض. لم تكن رسالة عادية، بل خريطة دقيقة لمناطق القيروان وما حولها من أودية وبساتين وجبال هادئة. وفي منتصف الخريطة، رُسمت بوضوح علامة نجمة ذات ثمانية أطراف تحيط بها رموز غريبة وخطوط متقاطعة تؤدي إلى مواقع مختلفة، بعضها محدد بنقاط حمراء باهتة.
تأمل ياسر الرموز المطرزة بجوار النجمة، لكنه لم يستطع فك تفاصيلها أو فهم المغزى من الخطوط المتقاطعة. تذكر فورًا صديقته «مريم».
كانت مريم، ذات الأحد عشر عامًا، ابنة أحد الوراقين في سوق القيروان. فتاة حادة الذكاء، تقضي معظم وقتها بين الخرائط والكتب القديمة والرموز الأثرية التي يجمعها والدها.
طوى ياسر الخريطة وأخفاها داخل ثوبه، وأخذ سيف «العهد» الملفوف بالقماش، ثم تسلل من الدار متوجهًا نحو سوق الوراقين.
وصل ياسر إلى دكان والد مريم الهادئ في زاوية السوق. كانت مريم تجلس خلف طاولة خشبية تعيد ترتيب بضعة رقوق قديمة. عندما رأته وشاهدت الشحوب على وجهه، تركت ما بحديد يدها واقتربت منه بقلق.
«ياسر! ماذا حدث؟» سألت مريم بنبرة خفيضة: «سمعتُ بما حل بوالدك.. رحمة الله عليه. كيف حالك؟»
التقط ياسر أنفاسه، ونظر حوله ليطمئن إلى خلو المكان من المارة، ثم قال بصوت خافت: «مريم.. أحتاج مساعدتك في أمر بالغ السرية. أمر يتعلق بوالدي وبشيء تركه لي.»
أخرج ياسر اللفافة الجلدية وبسطها أمامهما على الطاولة. أتسعت عينا مريم وهي تتفحص الرسم والنجمة الثمانية، وانحنت بفضول حاد تمسح بأصابعها على الرموز الدقيقة.
«هذه الخريطة ليست حديثة يا ياسر،» قالت مريم وهي تحلل الخطوط بذكاء: «هذه الرموز تعود إلى تقويم قديم، والنجمة الثمانية هنا ليست مجرد زينة.. إنها تشير إلى ثمانية مواقع محددة حول القيروان.»
وفجأة، طرقت درفة الباب الخارجي بشدة، ليدخل «حمزة»، ابن الثانية عشرة وصديق ياسر المقرب. كان حمزة يحمل في يده رغيف خبز دافئًا، وابتسامته المعتادة تملأ وجهه الممتلئ، لكن ملامحه تغيرت فور رؤية جديتهما.
«ما الذي تتهمسون حوله دوني؟» قال حمزة وهو يمسح يديه بعباءته ويقترب من الطاولة.
«اخفض صوتك يا حمزة!» حذرته مريم وهي تغطي الخريطة بكفها.
شرح ياسر لحمزة باختصار ما حدث؛ من عودة والده المصاب، والظل المشبوه في الساحة، وسيف العهد، والورقة التي فُتشت دار والده لأجلها.
توقف حمزة عن الأكل، ونظر إلى ياسر بعينين مليئتين بالدهشة والشجاعة في آن واحد، وقال بنبرة جادة على غير عادته: «والدك سالم كان يحمي الجميع.. وإن كان هناك أعداء يتربصون بذكراه أو بالقيروان، فلن نتركك تسير في هذا الطريق وحدك يا ياسر. نحن معك.»
أومأت مريم برأسها موافقة وقالت: «الخريطة تشير إلى موقع أول خارج أسوار المدينة.. عند بئر قديمة مهجورة في الطريق الجنوبي. إن أردنا فهم سر هذا السيف وما كان واليك يحميه، فعلينا البدء من هناك.»
نظر ياسر إلى صديقيه، وشعر بدفء الصداقة يقلل من ثقل الحزن في قلبه. قبض على جلبابه بثبات وقال: «إذن، ننطلق مع بزوغ فجر الغد.»
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!