وضع القراءة:

الفصل الأول:

الفصل الأول: ابن الفارس
​كانت شمس القيروان الذهبية تنحدر نحو المغيب، لتلقي بظلال طويلة ودافئة على جدران الساحة الملحقة ببيت سالم الفارس. كانت الرياح الخفيفة تحمل معها عبق الورد الجوري المتسلق على الأسوار الترابية القديمة، ومعه صدى همسات الباعة وهم يغلقون دكاكينهم في سوق المدينة القريب.
​في منتصف الساحة، يقف «ياسر»، الفتى ذو الاثني عشر عامًا، ممسكًا بسيف خشبي صقيل، يزن بين يديه بثقل يثير في نفسه حماسة لا تنتهي. كان صدره يعلو ويهبط من شدة الجهد، وعيناه متألقتان ببريق التحدي. أمام خطواته المعدودة، يقف والده «سالم»، الفارس المخضرم الذي شهدت أسوار القيروان شجاعته في حماية أرضها وناسها لسنوات طويلة.
​كان سالم يقف بثبات كجذع زيتونة معمرة، يحمل سيفه الخشبي بيده اليمنى بمهارة واسترخاء تام، ويرقب حركات ابنه بنظرات تجمع بين الحنان الشديد والصرامة التامة.
​«مرة أخرى يا ياسر،» قال سالم بصوت هادئ ورخيم، يخالط خرير نافورة الماء الصغيرة في زاوية الدار: «التوازن هو السر. الفارس لا يندفع بجسده قبل أن يزن خطوته بعقله.»
​هز ياسر رأسه بسرعة، ودون أن ينتظر لحظة واحدة، اندفع إلى الأمام. ضرب بقدمه الأرض الترابية فتطاير منها غبار خفيف، ورفع سيفه الخشبي عاليًا ليوجه ضربة خاطفة نحو كتف والده الأيمن. كان ياسر يحلم بتلك اللحظة؛ اللحظة التي يستطيع فيها أن يباغت والده ويثبت له أنه أصلح لأن يكون فارسا حقيقيًا يخرج معه في جولاته، ولا يبقى مجرد صبي يتدرب في الساحة الخلفية.
​لكن سالم لم يتحرك من موقعه تقريبًا. بلمحة عين، وبحركة بسيطة ومحسوبة من معصمه، مال بسيفه الخشبي جانبًا، ليحرف ضربة ياسر الهوجاء بسهولة غريبة. انزلقت ضربة ياسر في الهواء الفراغ، وبسبب اندفاعه الزائد وفقدانه لتوازنه، تعثرت قدمه بالحصى، ليسقط على ركبتيه فوق التراب الناعم، وسيفه الخشبي يفلت من يده ويتدحرج بعيدًا.
​انتشر الصمت في الساحة للحظات، لم يقطعه سوى صوت زقزقة دوري صغير هبط على سور الساحة.
​تنفس ياسر بضيق، وضرب بكفه على الأرض مستاءً من سقطته، ثم رفع عينيه المليئتين بالخيبة نحو والده.
​يميل سالم بجسده قليلاً، ويمد يده القوية السمراء التي رسمت عليها السنون والندوب القديمة حكايات شتى، ليمسك بيد ياسر ويرفعه إلى الأعلى برفق. مسح سالم التراب عن ثوب ابنه بابتسامة دافئة، ثم قال: «أتريت يا بني؟ الشجاعة ليست أن تضرب بأقصى قوتك دون أن تفكر، الشجاعة هي أن تسيطر على حماسك حتى تجعل كل حركة تقوم بها في مكانها الصحيح. الاستعجال يجعل السلاح حِملاً ثقيلاً عليك، لا نقطة قوة لك.»
​أطرق ياسر رأسه إلى الأسفل، ينظر إلى قدميه، وقال بصوت خافت يخالطه الرجاء: «لكنني أريد أن أكون مثلك يا أبي.. أريد أن يشار إليّ بالبنان كما يشار إليك، وأن أقف بجوارك أحمي القيروان وأبوابها العتيدة. أنت تبدو دائمًا لا تخاف شيئًا، وتعرف متى تضرب وكيف تنتصر. لماذا تراني غير مستعد بعد؟»
​جلس سالم على مقعد حجري قريب من النافورة، وأشار لياسر كي يجلس بجواره. التقط ياسر سيفه الخشبي وجلس ببطء، مشاعر الخجل ما زالت تتملكه.
​وضع سالم يده على كتف ياسر الضيقة، ونظر نحو أفق القيروان حيث تبدو مآذنها وبيوتها البيضاء متراصة تحت حمرة الشفق، ثم قال بنبرة تحمل عمقًا غريبًا: «يا ياسر، الفارس الحقيقي ليس هو من ينزع الخوف من قلبه نهائيًا، فالخوف جزء من طبيعة البشر. الفارس هو من يعرف كيف يمنع الخوف من أن يقوده إلى الخطأ. أن تسعى لنيل القوة أمر سهل، لكن أن تملك الحكمة لمعرفة متى تستخدم القوة ومتى تكف يدك.. هذا هو الاختبار الحقيقي الذي يخوضه الفارس كل يوم.»
​تأمل ياسر كلمات والده، وشعر بدفء يده على كتفه يزيل ما بقلبه من ضيق. كان والده بالنسبة له ليس مجرد بطل حماية المدينة، بل السند والملجأ والمثل الأعلى الذي ينظر إليه بإعجاب لا يحد. ابتسم ياسر ورفع رأسه قائلاً: «أعدك يا أبي، سأتدرّب أكثر.. وسأتعلم كيف أكون صبورًا كما تريد.»
​ضحك سالم ضحكة خفيفة أضاءت وجهه، ومسح على شعر ابنه قائلاً: «أعلم ذلك يا ياسر. وستكون فارسًا أفضل مني إن شاء الله. ولكن الآن، حان وقت العشاء، وأظن أن طبق العصيدة الساخن بانتظارنا، ولا نريد أن نترك الطعام يبرد!»
​انقضى بقية المساء في جو من الدفء والهدوء. جلس الأب وابنه حول المائدة الصغيرة، وتبادلا أطراف الحديث عن أحداث اليوم في المدينة، وعن أسواقها المكتظة بالتجار القادمين من كل مكان. كان ياسر يستمتع بسماع قصص والده القديمة، وكيف كان حراس القيروان يقفون عند أبوابها الكبيرة لحماية أهلها وأطفالها.
​بعد انقضاء الليل، وفي الصباح الباكر جدًا، وقبل أن تشرق الشمس، أيقظ صوت خطوات خفيفة ياسر من نومه. فتح عينيه ببطء ليرى والده مرتديًا عباءة السفر الخفيفة، ويشد حزامه الجلدي حول وسطه.
​قفز ياسر من مضجعه بفضول وفزع خفيف: «أبي؟ إلى أين أنت ذاهب في هذا الوقت الباكر؟»
​التفت سالم واستدار نحو ابنه بابتسامة مطمئنة، لكن ياسر لاحظ لمحة خاطفة من الجدية التامة في عينيه، لم يعتد أن يراها بهذا الشكل أثناء ذهابه لجولاته العادية.
​«أمر طارئ وعاجل خارج أسوار المدينة يا بني،» قال سالم بصوت خفيض كي لا يزعج هدوء الصباح: «مهمة صغيرة مع حراس الأبواب الجنوبية. لن أتأخر. سأعود قبل أن تنتصف الشمس في كبد السماء.»
​اقترب سالم من ياسر، ووضع كفيه على وجنتيه، ثم قبّل رأسه بحنان شديد أطول من المعتاد. قال له بصوت دافئ: «اهتم بنفسك وببالدار حتى أعود. ولا تنسَ ما تعلمناه في الساحة يوم أمس.»
​أومأ ياسر برأسه، ورغم الابتسامة المتبادلة، شعر بخيط خفي من القلق يتحرك في صدره وهو يرى والده يغلق الباب الخشبي الثقيل خلفه هادئًا، لتختفي خطواته في أزقة القيروان الهادئة.
​مرت ساعات الصباح ببطء شديد على ياسر. كان يحاول أن يشغل نفسه بإعادة ترتيب أدوات التدريب، وبمسح الحصى من الساحة، وبمراجعة الحركات التي علمها إياه والده. كلما مرت ساعة، كان ينظر نحو بيت النار والظل المتكون في منتصف الساحة، ينتظر أن يصل الظل إلى موضع المنتصف الذي وعده والده بالعودة عنده.
​انتصف النهار. أصبحت الشمس في كبد السماء تمامًا، وألقت بأشعتها العمودية على بيوت القيروان.
​لكن سالم لم يعد.
​جلس ياسر عند عتبة الباب الخارجي، يرنو بسبابة عينيه نحو عطفة الشارع الضيق. مرّ بعض الجيران، وسلّموا عليه، ومرّ بائع اللبن وهو ينادي بصوته المعتاد، لكن خطوات والده القوية المتزنة لم تظهر.​بدأت أفكار التسرع والقلق تداعب ذهن ياسر. هل حدث شيء لرواد الطريق؟ هل ضل والده طريقه؟ يعلم ياسر جيدًا أن والده يعرف كل شبر في ضواحي القيروان وبساتينها.
​وبينما كان القلق يأكل قلبه، سمع ياسر صوت وقع أقدام متسارعة وقادمة من بعيد. وقف قافزًا من مكان والتراب يغطي ركبتيه، وظن للوهلة الأولى أنه والده قد عاد.
​لكن الشخص الذي ظهر عند زاوية الزقاق لم يكن والده.
​كان رجلًا من حراس أبواب المدينة، لثامه مقلوب على كتفه، ونفسه متقطع كأنه ركض مسافة طويلة دون توقف. كانت على وجهه علامات الفزع والارتباك.
​توقف الحارس أمام دار سالم، ونظر إلى ياسر بعينين متسعتين خائفتين، وقال وهو يحاول التقاط أنفاسه بصعوبة:
​«يا ياسر!.. أين أهلك؟.. والدك سالم.. كان ينبغي أن يعود إلى برج الحراسة منذساعتين.. لقد وجدوا حصانه وحده عند مشارف البساتين الجنوبية دون أثر له!»
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.