الفصل الثاني:
الفصل الثاني: الرجل الذي عاد
ترقرق الدمع في عيني ياسر، وشعر ببرودة تسري في أطرافه رغم حرارة الظهيرة. اتسعت حدقتاه وهو ينظر إلى الحارس الشاحب الوجه، واندفعت الأسئلة إلى رأسه دفعة واحدة كأمواج متلاطمة.
«حصانه وحده؟!» هتف ياسر بصوت يحمل صدمة خالية من التصديق: «كيف؟ أين أبي؟ هل بحثتم عنه في البساتين؟»
وضع الحارس يده على كتف ياسر محاولاً تهدئته، وقتا: «خرجت مجموعة من الفرسان لتمشيط الطريق الجنوبي بالفعل، لكننا لم نجد له أثرًا حتى الآن. جئت لأعرف إن كان قد عاد إلى الدار دون أن نلمحه.. ثبّت قلبك يا بني، والدك فارس مجرب ولا يُغلب بسهولة.»
استدار الحارس وعاد أدراجه سريعًا لينضم إلى بقية فرسان الحراسة، معطيًا وعدًا بأنه سيجلب أي خبر جديد. وقف ياسر في منتصف الزقاق، يراقب أثر أقدام الحارس المتلاشي في التراب، وقد انقبض قلبه بشدة. كانت كلمات والده في الصباح تدور في ذهنه: "مهمة صغيرة خارج أسوار المدينة.. لن أتأخر."
لم يستطع ياسر البقاء واقفًا مكتوف الأيدي. ركض داخل البيت، أخذ عباءته وسيفه الخشبي المربوط على وسطه، وخرج متوجهًا نحو الباب الجنوبي للقيروان. كانت أفكاره تتضارب بحدة: "لو أنني أتقنت التدريب أمس.. لو أنني كنت معه.. ما كان ليترك وحدًا."
وصل إلى مشارف البساتين الجنوبية حيث تتزاحم أشجار الزيتون والنخيل. كانت الأسواق القريبة هنا هادئة على غير عادتها، وأصوات حركة الرياح بين الأوراق تزيد من وحشة المكان. بدأ ياسر ينادي بكل قوته: «أبي! أبي!» لكن لا شيء يرده سوى صدى صوته الخائف.
مرت ساعتان قاسيان بين التفتيش العشوائي والانتظار القاتل، حتى بدأت ألوان الغروب البرتقالية تكسو السماء من جديد. قرر ياسر العودة إلى الدار بأقدام ثقيلة، يجر خيبته وخوفه وراءه، والدموع تحرق عينيه.
عندما وصل إلى زقاق بيته، أبطأ خطاه. كانت ظلال الليل قد بدأت تتسلل بين الجدران الترابية. فتح الباب الخشبي للدار ببطء ودخل، ليفاجأ بشرارة أمل تزيل غيمة الفزع فورًا.
كانت النافذة مطلة على الساحة تعكس ضوء سراج ضعيف مشتعل في الغرفة الداخلية.
ركض ياسر نحو الداخل وهو ينادي بلهفة: «أبي! هل هذا أنت؟»
في عتمة الغرفة الداخلية، كان سالم يجلس على بساط صوفي قديم. لكنه لم يكن سالم الذي غادر البيت في الصباح.
كان وجهه شاحبًا كالرماد، ونفسه متقطعًا وبطيئًا، وثيابه ملطخة بغبار أحمر داكن كأنه جاء من مناطق جبلية بعيدة، وتظهر على عباءته حواف ممزقة. لم يبتسم كعادته عندما رأى ياسر، بل رفعت عيناه الغائرتان بنظرة ملؤها الحذر والترقب.
«أبي!» ألقى ياسر بنفسه في حضن والده، لكن سالم جفل حركة خفيفة ووضع يده على جانب صدره متألمًا، ثم احتضن ابنه بذراع واحدة بضغط خفيف.
«أنا بخير يا ياسر.. اهدأ يا بني،» قال سالم بصوت خفيض وشبه متحشرج، يختلف تمامًا عن صوته الرخيم القوي.
ابتعد ياسر قليلاً، ونظر إلى وجه والده بقلق شديد: «ماذا حدث؟ لقد وجد الحراس حصانك! ظننا أنك..»
قاطعه سالم بوضع إبهامه على شفتي ياسر، مشيرًا إليه بالصمت. مال سالم برأسه نحو الباب الخارجي للدار، وأصاخ السمع لثوانٍ طويلة، كأنه يستمع لأي حركة غريبة أو وقع أقدام في الزقاق الهادئ.
نهض سالم ببطء متكئًا على الجدار، ومشى بخطوات ثقيلة نحو باب الدار الخارجي. تبع ياسر خطاه بدهشة وزعر مكتوم. تأكد سالم من إغلاق القفل الحديدي للباب، ثم أحكم وضع العارضة الخشبية الثقيلة خلفه، وهو يلقي بأسفل عينيه نظرة خاطفة من ثقب الباب نحو الشارع المظلم.
«أبي، ما الذي يجري؟ من تتوقع أن يأتي؟» سأل ياسر ونبرات الخوف تتصاعد في كلامه.
التفت سالم إليه، ومسح التراب عن وجه ابنه، وقتا بصوت هادئ يحاول به طمأنته لكنه يخفي تحته ثقلاً مهولاً: «لا تقلق يا ياسر. أحيانًا يجب على الفارس أن يتأكد من حماية بيته أولاً قبل كل شيء. لم يتبعني أحد.. الحمد لله.»
«هل هاجمك أحد في البساتين؟» استفسر ياسر بحدة، وعيناه تتفحصانه بحثًا عن جراح: «هل تعاركتم مع أعداء؟»
تنهد سالم عميقًا ولم يجب بشكل مباشر. اكتفى بالقول وهو يتجه نحو زاويته المظلمة: «المهم أنني عدت. احضر لي بعض الماء يا بني، ولا تفتح الباب لأحد هذه الليلة، مهما كان الناطرق.»
ذهب ياسر وجلب كوز الماء بسرعة، وقدمه لوالده الذي شرب بجرعات متقطعة، وعيناه لا تتوقفان عن استكشاف أركان الغرفة، وكأنه يرى أشياء لا يراها غيره. كانت تلك الرزانة المعتادة في والده قد اختفت لتفسح المجال لغموض وثقل خفي يملأ هواء الدار.
تظاهر سالم بالرغبة في النوم، وطلب من ياسر أن يذهب إلى مضجعه. استلقى ياسر على فراشه في الغرفة المجاورة، لكن النوم لم يجد طريقه إلى عينيه. كان صدره يعلو ويحيط به صمت الليل الثقيل، وأذناه تلتقطان كل حركة صغيرة داخل البيت.
بعد مرور أكثر من ساعة، عندما ظن سالم أن ابنه قد نام، سمع ياسر صوت حركة خفيفة جدًا صريراً هادئًا للخشب الصادر من غرفة والده.
قام ياسر من فراشه بأطراف أصابعه، ومشى في الممر المعتم دون أن يصدر أي صوت. استرق النظر من خلال فتحة صغيرة في باب الغرفة المورب.
كان سالم يجلس على ركبتيه أمام جدار الغرفة الخلفي. أزاح بيده قطعة سجاد قديمة، ثم اقتلع آجرين ترابيين من الجدار بمهارة، ليكشف عن تجويف سري لا يعلم ياسر بوجوده من قبل.
أخرج سالم من داخل التجويف صندوقًا خبيئًا مصنوعًا من الخشب الداكن الصلب، مرصعًا بنقوش معدنية باهتة بفعل الزمن. وضعه على الأرض بأيدي ترتجف خفيفًا، واستخرج مفتاحًا حديديًا صغيرًا كان يخبئه تحت حزامه.
وضع سالم المفتاح في القفل، وسمع ياسر صوت تكّة مكتومة.
فتح والده الغطاء ببطء، ليعكس الضوء الضعيف للسراج شلالاً خفيفًا من بريق نصل معدني خفي داخل الصندوق. أغمض سالم عينيه للحظة، وهمس بكلام لم يستطع ياسر سماعه، قبل أن يمتد كفه ليمسح على مقبض الشيء المختبئ داخل الصندوق بشغف وحزن عميقين.
حبس ياسر أنفاسه في الظلام، وعيناه متسعتان على وسعيهما، متسائلاً في سريرة نفسه: "ما الذي يخفيه أبي في ذلك الصندوق؟ وما السر الذي غيره في يوم واحد؟"
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!