وضع القراءة:

الفصل الثامن عشر:

الفصل الثامن عشر: وجه زاهر
​سار الأصدقاء الأربعة داخل الممر السفلي المعتم، حيث كانت الحجارة القديمة تنضح برطوبة خفيفة، وأصوات خطواتهم تتردد بأداء متزن. كان الممر يمتد ببطء صعودًا، ليرشدهم نحو مخرج مخفي في زاوية معزولة خلف أسوار القيروان الداخلية.
​خرجوا واحدًا تلو الآخر من بين الشجيرات الكثيفة المحيطة بركام مسجد قديم مهجور عند أطراف المدينة. كانت أضواء القيروان تلألأ تحت ستار الليل، لكن هدوء الشوارع كان يحمل توترًا غير معتاد.
​«نحن في القيروان الآن،» همست «مريم» وهي تنظر حولها بحذر: «لكن الطريق إلى القلب المذكور في السر يتطلب الوصول إلى الساحة الكبرى تحت القلعة القديمة.»
​وقبل أن يخطوا خطوة واحدة خارج الساحة المعزولة، انبعث صوت هادئ ورخيم من بين الظلال المجاورة للركام الحجري:
​«كنت أعلم أنك ستجد الطريق يا ابن سالم.. تمامًا كما كان يفعل والدك.»
​توقف الأصدقاء فورًا، وانقبضت حواسهم.
​من بين ظلال الأعمدة الحجرية المهدمة، خرج رجلٌ ذو قامة فارعة ووقار هادئ. كان يرتدي عباءة سوداء فاخرة مطرزة بالخيوط الذهبية، شعره الشائب مصفف بكتان، وعلى وجهه ملامح حادة ولكنها هادئة بشكل يدعو إلى الذهول. لم يكن يحمل سيفًا مشهورًا، ولم يكن يحفه حراس مدججون بالسلاح هذه المرة.
​كان هذا الرجل هو زاهر.
​قفز «ياسر» إلى الأمام وسحب سيف «العهد» بصلابة، بينما تراجع «حمزة» و«مريم» و«نادر» ليتخذوا مواقع دفاعية لحمايته.
​«زاهر!» قال ياسر بصوت يفيض بالحذر والشدة: «ابتعد عن طريقنا! لن تدعك تمس القيروان ولا أسرار والدي بأذى!»
​لم يرتبك زاهر، ولم تظهر على وجهه أي علامة غضب أو سخرية. بل خطا خطوات بطيئة ومحسوبة نحوهم، وتوقف على مسافة أمان، ينظر إلى ياسر بنظرة تجمع بين التأمل الحزين والتقدير الخفي.
​«أنا لا أريد إيذاء القيروان يا ياسر،» قال زاهر بصوت دافئ ومقنع بشكل عجيب، ينساب كالمياه بين الحجارة: «ولست هنا لأقاتلك أو أسلبك السيف بالقوة. أنا هنا لأتحدث إليك.. كابن لأعز أصدقائي.»
​عقد ياسر حاجبيه واستمسك بمقبض سيفه بصلابة أكثر وقال: «أنت خنت والدي! ورجالك يطاردوننا في كل مكان!»
​تنفس زاهر عميقًا ونظر نحو أفق بيوت القيروان الهادئة، ثم قال بنبرة ملؤها الإقناع والهدوء: «والدك سالم كان رجلًا نبيلاً يا بني.. لكنه كان حالمًا. كان يعتقد أن الناس قادرون على حماية أنفسهم بالخيار والحرية. وانظر ماذا حدث؟ الخوف يملأ القلوب، والأعداء يحيطون بالمدينة من كل جانب، والناس ضائعون يبحثون عن أمان لا يجدونه.»
​اقترب زاهر خطوة إضافية، ورفع كفيه الأعزلين وقال بثبات شديد: «القوة يا ياسر لم تُخلق لتخبأ في المغارات وتحت الحجارة الميتة. القوة وُجدت ليكتسبها رجل قوي يمسك بزمام الأمور، ويقرر عن الناس ما يصلح لهم، ويحميهم رغماً عن خوفهم وتشتتهم. أنا لا أريد تدمير القيروان.. أنا أريد حفظها تحت حكم صلب يمنع عنها الفوضى للأبد.»
​اهتز قلب ياسر للحظات. كان كلام زاهر يبدو منظمًا، هادئًا، ومحشوًا بظاهر من الحكمة والعطف على أهل المدينة. تذكر ياسر حديث والده عن الخوف وأهمية الحماية، وراوده شك خاطف: هل يمكن أن يكون زاهر محقًا؟ هل يحتاج الناس حقًا إلى رجل قوي يقرر عنهم بدلاً من أن يتركهم للضعف؟
​لاحظ نادر ومريم التردد الخفيف في عيني ياسر.
​صاح نادر بصرامة: «لا تصدقه يا ياسر! زاهر يغلف السيطرة بكلمات الحماية! هو لا يرى الناس إلا أدوات في يده!»
​استعاد ياسر توازنه الذهني فورًا، ونظر في عيني زاهر المباشرتين. تذكر وصية والده الراحل: "حماية الناس لا تعني السيطرة عليهم.. الفارس يخدم الناس ولا يملك إرادتهم."
​رفع ياسر نصل «العهد» بثبات، وقتا بصوت واثق لم تعد تخالطه أي ريبة: «أنت مخطئ يا زاهر.. والدي لم يكن حالمًا. الشجاعة الحقيقية هي أن تجعل الناس أقوياء بحريتهم وأمانهم، وليس أن تجعلهم يخافون منك لتتحكم بهم. العهد لن يكون أداة لسلطتك أبدًا.»
​تغيرت عينا زاهر الخاطفتان، واختفت ابتسامته الهادئة لتظهر مكانها صلابة باردة كالحجر.
​«خيار مؤسف يا ابن سالم..» همس زاهر بنبرة حادة وخافته: «كنت أظن أنك تملك من عقل والدك ما يجعلك ترى الحقيقة. ستدرك قريبًا أن طريق الحرية الذي تدافع عنه ليس إلا وهمًا لا يصمد أمام الواقع.»
​استدار زاهر واختفى بين ظلال الأعمدة المهدمة بسلاسة عجيبة، مخلفًا في نفس ياسر وعيًا جديدًا وعميقًا؛ إن مواجهة زاهر لن تكون مجرد معركة أسلحة، بل صراع فكري وعقائدي حول المعنى الحقيقي للشجاعة والبطولة.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.