وضع القراءة:

الفصل الثالث والعشرون:

الفصل الثالث والعشرون: مواجهة الظلال
​انفتحت البوابة الحجرية الضخمة لتبتلع الأصدقاء الأربعة داخل القاعة الكبرى تحت أرضية القيروان. كان المكان مهيباً؛ تتوسطه السارية الثمانية الأضلاع التي تشع بنور برتقالي دافئ يبعث الطمأنينة في القلوب، بينما كانت جدران القاعة الصخرية تنعكس عليها أطياف الضوء وكأنها تلهم حكايات القدامى.
​لكن تلك الطمأنينة لم تدُم طويلاً.
​من أعماق الظلال المتراكمة في الزوايا المظلمة للقاعة، برز «زاهر» بحلته السوداء، وتحيط به حلقة من أعتى فرسانه المدججين بالسيوف والدروس الحجرية الداكنة. كانت عينا زاهر تشعان ببرود قسري، وقد أدرك أن هذه هي الفرصة الأخيرة للسيطرة على قلب المدينة.
​«لقد نجحتم في فتح البوابة..» قال زاهر بصوت حاد يقطر بالمرارة والصرامة: «لكنكم مجرد أطفال يلهون بأمانة أثقل من كواهلهم. السيف ومصدر القوة يخصان من يستطيع حمايتهما بالفعل، لا من يحلم بالسلام.»
​أومأ زاهر لفرسانه، فانطلق ستة منهم بسرعة نحو الأصدقاء الأربعة، واستلت سيوفهم المعدنية صفيراً مرعباً في هواء القاعة الصامتة.
​«اثبتوا!» هتف «ياسر» بصوت يفيض بالثبات والرصانة، واستل «العهد» الذي أخذ نصله يتألق ببريق برتقالي هادئ.
​لم يندفع ياسر بأهوائه كما كان يفعل في البداية، ولم تسيطر عليه مشاعر الغضب أو الانتقام. أصبحت حركاته متزنة، تحركها رغبة صادقة في حماية أصدقائه ومدينته.
​في الميمنة، تقدم «حمزة» بشجاعة، مستخدماً جدار القاعة البارز وقوته البدنية ليعترض طريق اثنين من المهاجمين، يضرب دروعهم بأغصان صلبة ويدفعهم برصانة تمنعهم من تحويط المجموعات.
​وفي الميسرة، كانت «مريم» تتحرك بذكاء خاطف، تستغل الانعكاسات الضوئية للنور البرتقالي وإلقاء الحصى والدخان الخفيف الناتج عن احتكاك الحجارة لتربك رؤية الفرسان، وتوجه ياسر وحمزة نحو الشقوق الأمنية في القاعة.أما «نادر»، فكان يتحرك كالصقر، يغطي ظهر ياسر ومريم بحبله وعصاه الجبلية، يمنع أي تسلل خلفي بحركات حازمة ومحسوبة.
​عندما حاول اثنان من الفرسان الانقضاض على مريم، قفز ياسر بحركة خاطفة وجعل نصل «العهد» يعترض ضربتهما. وفي لحظة الالتحام، لم ينكسر السيف ولم يرتد، بل انبعثت منه موجة ثبات ناعمة ودافئة جردت الفرسان من سيوفهما دون أن تسفك قطرة دم واحدة!
​اندهش الفرسان وتراجعوا إلى الخلف بذهول، فشعور القوة التي واجهوها لم يكن بطشاً يثير الخوف، بل صلابة تفرض الهيبة والسكينة.
​وقف ياسر في المنتصف، وأصدقاؤه الثلاثة يحيطون به في تلاحم تام، والنور البرتقالي يحيط بهم جميعاً كدرع لا يمكن اختراقه.
​التفت ياسر نحو زاهر وقتا بصرامة وحكمة: «انظر حولك يا زاهر.. العهد لم يخترنا لأننا الأقوى بالسلاح، بل لأننا حفظنا الصداقة والأمانة. القوة الحقيقية التي تدافع عن القيروان هي قوة الاتحاد، وما تسعى إليه ليس إلا ظلاً زائفاً ستلاشيه الحقيقة.»
​تصلب زاهر في موقعه، ونظر إلى الفرسان المترددين، ثم إلى الأصدقاء الأربعة الذين وقفوا كبنيان مرصوص. شعر لأول مرة بزلزال داخلي يهدد كل ما آمن به؛ فقد أدرك أن ابن سالم لم يستعد السيف فحسب، بل استعاد الروح الحقيقية لحراس العهد
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.