وضع القراءة:

الفصل الخامس:

الفصل الخامس: بعد الرحيل
​انبلق الفجر بخيوط باهتة رمادية، لتكشف عن «ياسر» وهو يجلس في الزاوية ذاتها، مسندًا ظهره إلى الجدار البارد. لم تغمض له عين طول الليل. كان يتطلع إلى جسد والده الساكن بذهول وصمت تام، كأنه ينتظر في أية لحظة أن يستيقظ «سالم» ويمسح على شعره ويقول إن كل ما حدث كان مجرد كابوس زائل.
​لكن البرودة التي سرت في الدار أثبتت له الواقع القاسي؛ لقد رحل البطل، وأصبح الفتى وحيدًا.
​في الصباح الباكر، حضر بضعة من فرسان القيروان وأصدقاء سالم القدامى بعد أن ساورهم الشك لتأخره. شُيعت جنازة سالم في موكب هادئ يليق بفارس أدى واجبه بحماية المدينة لسنوات. وقف ياسر بين الرجال يتقبل العزاء، وجهاً شاحباً وعينين جافتين من كثرة ما ذرف من دموع في الليل. كان حزن الطفل يسكن عميقاً في صدره، يخالطه شعور غريب بضرورة الصمود كما علمه أبوه.
​قبل أن يغادر المعزون الدار، وضع الحارس العجوز «عمر» —صديق سالم القديم— يده على كتف ياسر وقتا بنبرة حنونة: «والدك كان رجلاً عظيماً يا ياسر. إن احتجت لأي شيء، فبيتي مفتوح لك في كل وقت.»
​أومأ ياسر برأسه صامتاً، وشكره بصوت خافت.
​عندما أُغلق باب الدار الخارجي وعاد الهدوء الثقيل يخيم على الأرجاء، دخل ياسر إلى غرفة والده. أخذ نفساً عميقاً، متذكراً الوصية والأمانة التي باتت ترقد بين يديه. نظر إلى السجادة المزاحة والآجر المقتلع من الجدار حيث كان الصندوق السري مخبأً.
​وفجأة، لاحظ ياسر شيئاً لم ينتقل إليه ذهنه في زحمة أحداث الليل الأليم.
​كان الصندوق الخشبي الذي أخرج منه أبوه «العهد» ملقى على جانبه بالقرب من نافذة الغرفة المفتوحة قليلاً، أغطيتها مخلوعة وعلامات العبث واضحة عليه.
​اقترب ياسر بحذر. كانت أوراق والده القديمة مبعثرة على الأرض، وبعض الكتب العتيقة ملتقطة ومفحوصة بعناية. لقد دخل أحد ما إلى البيت أثناء خروجه في موكب الجنازة!
​جثا ياسر على ركبتيه وبدأ يجمع الأوراق بثرة اضطراب. وبينما كان يلمح الوثائق المبعثرة، حطت عيناه على قطعة قماش صغيرة سوداء، سقطت على الأرجح من الدخيل أثناء تفتيشه الخاطف للدار.
​رفع ياسر قطعة القماش، وفحصها بدقة under الضوء المتسلل من النافذة. كان مطرزاً عليها بختم خيطي أصفر رمزٌ دقيق: عين تحيط بها نجمة ثمانية الأطراف، لكن النجمة كانت مقطوعة من إحدى زواياها.
​اتسعت عينا ياسر وهو يسترجع شريط الأحداث؛ الظل الغريب في الساحة بالأمس، اضطراب والده عند عودته من البساتين، وهذا البحث المحموم في أغراض والده الراحل.
​استقر اليقين في قلب الفتى: لم يمت والده بسبب تعب مفاجئ أو علة عابرة.. هناك سر خطير يرتبط بسيف «العهد»، وهناك أعداء يتربصون بآثار سالم ومستعدون للقيام بأي شيء للحصول على ما كان يحميه.
​قبض ياسر بكفه الصغير على قطعة القماش المطرزة، ونظر نحو سيف «العهد» الملفوف بعناية داخل عباءته في خزانة خشبية مجاورة. شعر بخوف خفيف يتسلل إلى أركانه، لكنه سرعان ما تلاشى ليحل محله إصرار جديد.
​لم يعد ياسر مجرد صبي يتدرب بالسيف الخشبي في ساحة البيت؛ لقد أصبحت حماية السر وتتبع خطى أبيه واجبه الأول والوحيد.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.