الفصل السابع عشر:
الفصل السابع عشر: اختيار نادر
واصل الأصدقاء الأربعة طريقهم في عتمة الليل الشاحبة نحو «وادي النخل». كانت الرياح الخفيفة تهب محمّلة برائحة السدر والتراب الندى، بينما كانت نجوم السماء تتلألأ بنقاء يفضح دقة الطريق الجبلي الضيق.
وصلوا إلى مدخل الوادي حيث تتزاحم أشجار النخيل القديمة الملتوية كحراس صامتين. في منتصف الوادي، برز بناء حجري مربع يشبه ضريحًا أثريًا قديمًا، تُغطيه النقوش والرموز المتعلقة بـ حراس العهد.
توقف «نادر» عند المدخل، ونظر نحو حلقة صخرية بارزة فوق الجدار الشرقي للبناء. كانت تحوي تجويفًا دقيقًا يسع قلادة صغيرة يحملها نادر حول عنقه تحت عباءته.
«هنا الموضع الخامس،» قال نادر بصوت خفيض ينبض بالتردد والحيرة: «هذه القلادة.. هي الأمانة الأخيرة التي تركها لي والدي قبل أن يرحل. إنها اللبنة الأساسية التي تفتح الباب السرّي في هذا البناء وتكشف الموقع الدقيق لقلب القيروان.»
اقتربت «مريم» وقالت بنبرة حذرة: «ولكن القلادة تحمي سر عائلتك يا نادر.. هل أنت متأكد من وضعها هنا؟»
أطرق نادر رأسه، وغرق في صمت ثقيل. كان صراع حاد ينهش قلبه؛ والده أوصاه قبل موته أن يحفظ هذه القلادة بدمه، وألا يسلمها لأحد خوفًا من أن تقع في يد «زاهر» أو من لا يثق به. ظل نادر لسنوات يرى في هذه القلادة كل ما تبقى له من ذكريات أهله وحمايتهم.
وفجأة، تعالت أصوات حوافر أحصنة تقترب بجموح من مدخل الوادي!
خرج من بين أشجار النخيل «طاهر» ومعه ستة من فرسان زاهر المسلحين. حاصروا البناء الحجري بسرعة خاطفة، وسحبوا سيوفهم التي لمعت تحت ضوء القمر.أعطنا القلادة يا نادر!» صاح طاهر بصوت جاف وهو يتقدم حصانه: «زاهر يعلم أنك تحمل السر الأخير. سلمها ولن نؤذي أحداً منكم.. الخريطة التي أخذناها لا تكتمل إلا بقلادتك!»
انقبض قلب «ياسر»، وسحب سيف «العهد» ليقف حائلاً بين نادر ورجال طاهر. وقف «حمزة» ومريم بجانبه، ممسكين بأغصان صلبة وحصى حاد، مستعدين للدفاع عن صديقهم حتى النهاية.
«لن تلمسوا نادر ولا قلادته!» هتف ياسر بثبات لا يتزعزع.
تأمل نادر ظهر ياسر والموقف الشجاع لأصدقائه الأثلاثة. لم يفكروا في الهرب أو ترك القلادة لإنقاذ أنفسهم، بل وقفوا بصودهم لحمايته وحماية سر عائلته، رغم علمهم بمدى خطورة الفرسان المحاصرين لهم.
في تلك اللحظة بالذات، انكسر جدار الشك في قلب نادر، وأدرك أن الأمانة ليست مجرد قطعة معدنية يُحتفظ بها في الظلام، بل هي أمانة أرواح صادقة تعاهدت على حماية بعضها البعض وحماية القيروان.
«ياسر!» صاح نادر بنبرة ملؤها اليقين.
التفت ياسر، ليرى نادر ينزع القلادة من عنقه ويلقي بها بنجاح مذهل نحو التجويف الحجري في البناء!
استقرت القلادة في موضعها، وسمع الجميع صوت انزلاق حجري مدوٍ داخل الضريح، لتفتح البوابة الجانبية السرية التي كشفت عن ممر سفلي ضيق يهرب عبره الأبطال من وادي النخل نحو القيروان!
«إلى الممر! أسرعوا!» هتف نادر وهو يسحب مريم وحمزة.
قفز ياسر خلفهم، ودفع العارضة الحجرية الثقيلة لتغلق البوابة خلفهم في وجه فرسان طاهر الذين تعالت صيحات غضبهم وهم يضربون الحجارة الصلبة دون جدوى.
في عتمة الممر السفلي، وقف الأصدقاء يلتقطون أنفاسهم.
اقترب ياسر من نادر ونظر إليه بتقدير وامتنان عميقين: «لقد ضحيت بأسرار عائلتك لإنقاذنا يا نادر..»
ابتسم نادر ابتسامة صادقة للمرة الأولى منذ لقائهم، ووضع يده على كتف ياسر وقال بثبات: «والدي لم يوصني بحفظ القلادة لأجل معدنها يا ياسر.. بل لأجل اليوم الذي أجد فيه فرسانًا صادقين يحمون القيروان بقلوبهم. أنتم عائلتي الآن، وعهدنا واحد.»
تعانقت أيدي الأصدقاء الأربعة في عتمة الممر، وتكونت بينهم القوة الحقيقية التي لا تُهزم؛ قوة الثقة والصداقة التي ستقودهم لمواجهة زاهر في قلب المدينة.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!