وضع القراءة:

الفصل التاسع عشر:

الفصل التاسع عشر: الطريق إلى القلب
​انسحب «زاهر» إلى الظلال كما ينسحب الطيف، متراكاً في هواء الساحة المهجورة أثراً ثقيلاً من التوتر والترقب. وقف الأصدقاء الأربعة في مكانهم متأهبين، والأنفاس تتصاعد من صدورهم باضطراب، بينما ظل «ياسر» ممسكاً بسيف «العهد»، وقد انطبعت في ذهنه كل كلمة قالها زاهر.
​«لقد اختفى..» قال «حمزة» وهو يتفقد الزوايا العتمة بحذر شديد: «لكنه لن يبتعد كثيراً. رجاله يملأون شوارع القيروان الآن بكل تأكيد.»
​اقتربت «مريم» وفتحت الجزء المتبقي من الرقعة الجلدية، ثم رفعتها نحو ضوء النجوم الظاهر بين ركام السقف المهدم. وقالت بنبرة حازمة تعيد التركيز إلى المجموعة: «زاهر يعلم أين يقع القلب، لكنه لا يستطيع الدخول إليه بدون سيف «العهد» وبدون الفهم الصحيح للنجمة الثمانية. الممر السفلي الأخير يبدأ من هنا بالضبط.. من تحت قاعدة هذا الركام الحجري.»
​تقدم «نادر» ومسح الأتربة عن حجارة ضخمة مصفوفة على أرضية الساحة المهجورة. كانت تحوي ثماني شقوق صغيرة تشكل دائرة حول بلاطة مركزية عريضة.
​«هنا يلتقي السر يا ياسر،» قال نادر وهو يتطلع إلى صديقه بتقدير وثقة: «كل المقتنيات، والمواضع، والدروس التي مررت بها في هذه الرحلة.. كانت لتعدك لهذه اللحظة.»
​جثا ياسر على ركبتيه أمام البلاطة المركزية. لم يستعجل هذه المرة، ولم يدفع سيفه بغضب أو انفعال كما فعل في الأودية السابقة. تنفس عميقاً، واستحضر في عقله صوَر أصدقائه، ووجوه أهل القيروان البسيطين في الأسواق، ووصية والده الراحل «سالم».
​أغمض عينيه وقتا في سرّه: "هذا السيف ليس لي.. بل للقيروان وأهلها."
​وضع ياسر نصل سيف «العهد» ببطء ورفق داخل الشق المركزي للبلاطة الحجرية.في تلك اللحظة، حدث ما لم يحدث من قبل!
​انبعث من الرمز المنقوش على مقبض السيف بريقٌ برتقالي دافئ وساطع، امتد بانسجام عجيب عبر الشقوق الثمانية الممتدة على الأرضية الحجرية. اهتزت الساحة اهتزازاً خفيفاً، وانزلقت البلاطة المركزية الثقيلة نحو الأسفل بنعومة وهدوء، كاشفة عن سلم حجري دائر يهبط إلى عمق الأرض!
​صاح حمزة بابتسامة يملؤها الذهول: «لقد عمل السيف! لقد فتح الباب!»
​ابتسمت مريم وربطت الخريطة في حزامها: «لأن قلبه كان صادقاً هذه المرة.. القوة أجابت النية الحقيقية.»
​نظر ياسر إلى أصدقائه الثلاثة، فرأى في أعينهم أمانة وشجاعة لا تتزعزع. لم يعد يشعر أنه فتى يحمل عبء ذكرى والده بمفرده، بل فارس يحاط بإخوة صادقين يسيرون معه في نفس الطريق.
​«هيا بنا،» قال ياسر بصوت قوي وواثق: «زاهر ينتظرنا في الأسفل.. وحان الوقت لنضع حداً لهذا الصراع.»
​هبط الأصدقاء الأربعة السلم الحجري الدائري بخطوات متزنة وواثقة. كان الهواء في الأسفل يحمل دفئاً غريباً ونقاءً يختلف عن رطوبة الممرات السابقة. ومع كل خطوة ينزلونها، كان ضوء السيف يزداد توهجاً لينير لهم طريقهم نحو القلب العميق للقيروان، حيث تحسم الأسرار وتتحدد أقدار الفرسان.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.