غموض
غموض
جزء 9 من 21
وضع القراءة:

الفصل التاسع

الفصل التاسع:
بعد انتهاء التدريب عدتُ إلى غرفتي واستلقيتُ على السرير، منظر الغروب جعلني أتذكّرُ عالمي السابق، أمي وأخي اشتقتُ لهما كثيراً، تذكرت قطيع الأبقار التي كنت أرعاها، اشتقتُ له، لقد كان ينتابني مرةً إحساسُ الرغبة بالهروب، ومرةً شعورُ الرغبةِ بالانتقام.
كلُّ المشاعرِ تخبطّت لكن الانتقامََ كان أقوى
وما هي إلا لحظاتٌ قليلةٌ، تسللتْ خارجَ المكان، وبينما رحتُ أسيرُ بحذرٍ، فجأة.. وُضِعَتْ يدٌ على ظهري فهلِعْتُ وقلبي سقطَ بينَ ركبتَي.
نظرتُ بحذرٍ وقد وضعتُ يدِي على سِلاحي:
_أهذا أنتَ جاك، لِمَ تتصرفُ هكذا؟
جاك:
_كم أنتِ عنيدةٌ! كيفَ تخرجينَ وحدكِ ليلاً، أنسيتِ ما حلَّ بكِ سابقاً، ألا تعلمين أن جواسيسَ العدوِّ تتربصُ بنا دائماً.
_لكنّكَ تعلمُ أنَّ في الحسابِ بقيَّة لمْ أنْهِها بعد.
_أعلمُ، لكنَّك تحتاجينني، أفهمتِ؟
تململتُ وحاولتُ التهرب من حشْرِيته لكنّهُ عاودَ السؤال:
_أفهمتِ سيلا، قائدَةُ الذئابِ المتهوِّرة والتِي يفترض بها أن تكونَ أكثرَ وعياً؛ لتنجوَ بقطيعهِا الذي يثقُ بها.
خجلتُ من نفسي ثم قلتُ له:
_حسناً، ألنْ تساعِدني في الانتقامِ لأمي؟
_بالطبعِ حبيبتي.
احمَّرت وجنتايَ عندما سَمعتُ ما قالَه، لكنَّني لا أنكر انني سعدتُ بتلكَ الكلمَة، وما لبثَ أن اعتذر:
_آسف لما تفوهتُ سيلا، لا أدري كيف خرجتْ من جوفِي.
_جوفُكْ؟!
أطرقَ رأسه وقال:
_أجلْ من جوفي، لا أستطيعُ الإنكار، سيلّا أنا، أنا..
_أنتَ ماذا؟
_لا، لا شيء، هيا بنا لنكمِلَ فطريقُنا طويلةٌ إلى قريتك.
نظرتُ بعينيِه فرأيتُ حُبَّاً يخصُني فيهما، لكنني تجاهلتُ الأمر حتى لا يكشُف عاطفتي التي تحركَتْ نحوه.
وبينما نحنُ نتجهُ نحو القرية سمعنا صوتَ بومةٍ أخافتني كثيراً ولم أدرِ بنفسي إلا وأنا أعانقُ جاكَ مرتجفةً.
وضع جاك يديه على ظهري وضمني بشدةَ وقال:
_أيةُ قائدةٍ جبانةٍ، لا تخافي، أنا معكِ هنا سأحميكِ طالما حييت، أتفهمينْ؟
انتبهْتُ إلى نفسي ونظرتُ في عينيه فابتعدت عَنه واعتذرْتُ:
_اعذرني جاك، أنا أخاف البومَ، منذ كنتُ صغيرة.
_أعلم، لا عليكِ، هلا نظرتِ إلى جسدك الذي استذأبَ بسببِ الخوفِ.
_أقلت بأنك تعلَم؟
_وهل نسيتِ أننا كنا نراقبُك منذ زمنٍ ونعرف عنكِ كلّ شيء.
فأطلقتُ ضحكةً عالية، ومن ثم صمتْتُ ثمّ هدأتُ واحمرتْ وجنتايَ.
أمّا هو فنظرَ إليَّ بخجلٍ وبعدها أمسكَ بيدي فأخفضتُ رأسي
وشعرت بشعورٍ غريب، وكأنَّ ضرباتِ قلبينا كانت تتعاركُ كِلانَا، لكنَّنا تابعْنَا المسيرَ حتى وصلنا إلى القرية، وهناكَ تَسللنا إلى حديقةِ بيت السَّيد جيم الذي ظهَر لنا وهو يشربُ الخمرَ من شباكِ منزله.
طلبت من جاك:
_إيَّاك أنْ تتدخل، أنا المعنيةُ بانتقامي، جاك.
_ولكنْ.
_انتَ لا تعرفُ كم تراودني أفكارٌ عن أمِّي، وعن تخاذُلِ الجميعِ معها، عنْ أخي، عنْ اختفائِه، أجلْ عن انتقامي، أنا لم أعدْ تلكَ الغبيَّة سيلا، أتقهمني جاك؟
_أجل بالطبع، ثقي بأنني سأكونُ معكِ متى شئتِ، لذلك سأنتظرُك هنا، هيا اذهبي أتمَنَّى لكِ التوفيق.
_شكراً، فقط عندما أطلقُ العويلَ تتدخلُ أنتَ، سأكونُ حينها بخطرٍ.
كدْتُ أن أتلفظَّ بكلمةِ حبيبي لكنّني تراجعتُ فوراً، وركضتُ مسرعةً إلى بيتِ جيم..
قلت لنفسي:
"ما بك سيلا، انتبهي لنفسك، إياكِ أن تضعفي، لا مكان للعواطف في حياتِك بعد الآن."
وبعد حوالي الثلث ساعَة خرجت والدماء تملأ يداي ومخالبي، فنظرتُ إليه وقلت:
_كان أمره سهلاً جداً
_ماذا؟! يبدو أن سيلا راعية البقر لم تعدْ موجودة!
رفعتُ له حاجبايَ وملامحُ وجهي تعبِّرُ عن القسوة:
_هيَّا بنا فقد تمَّ الأمرُ يا جاك، لدي الرقم القادم، كما أنه لدينا قطيعٌ علينا التخطيط لنصرهِ.
_لقد بدأتِ تتقدمينَ بسرعةٍة، أحسنتِ سيلَّا، لقد حققت الهدف الأول وهو القلْبُ القويُّ الذي لا يُحَكمُ بالعاطفة أبداً، من هو القادم؟
_لااا، لازال الأمر مبكراً على التحديد، هيا بنا لدينا مهام أكثَرَ أهميّة.
_أحسنت، سيلا لقد تقدمت بسرعة كبيرة.
حتى أنا لم أعرِف كيف حدثَ هذا، وما هي القوة التي تتملكني، وأنا راعية البقرِ التي كانت تعيشُ بهدوءٍ وسلام.
وفي اليومِ التالي استيقظت القرية على صراخ زوجةِ جيم وأولاده، وانتشرَ الرعبُ في القرية عندما وجدوا نفس العلامة موشومةً على جبينه.
إحدى النساء:
_سأرحل ُبأبنائي ولن أبقَ في هذهِ القريةِ المرعبة.
قالت أخرى:
_روحُ ماثا تراقبُ الجميع، وستنتقمُ منَّا جميعاً.
قال آخر:
_ألا تلاحظون أن الذين يموتون هم أشخاص كانوا يؤذون ماثا وأولادها.
صمتَ الجميعُ ووجوهم تنذِرُ بالخوفِ، لكنْ وفجأة سُمِعَ صوتُ ذئابٍ تعوي بقوة، وكأنها تنذرهم بالقادم وتطلبُ منهم الخوفَ ثم الخوف.
.
.
عودة إلى مكان العدو...
هناك كانت خلافاتُ كايا وسايفن قد كثرت لدرجةِ أنّ كايا أعلنتْ انسلاخَها التامَ عن فريقها وأعلنَت التَّمرد مع جيشها الذي كونَتْهُ.
صاحت مخاطبةً الجميع:
_ستأتون إلي لطلبِ المساعدة يوماً ما_ وخصوصاً أنتَ سايفن_ وأتمنى أن لا يكون الوقتُ قد فاتَ حينها.
صرخ سايفن:
_كم أنتُ مغرورةٌ حمقاء!
كايا:
_انتظر القادمَ أيها الغبِي، إلى اللقاء، أعدكُ لن تنتظرَ كثيراً.
وبينما كان سايفن متوتراً يريد التهجمَّ عليها لكن قائده الأعلى قد مَنعهعندما هز له برأسه وكأنه يخبره:
_اترُكْها تذهب.
ثم عاد لمخاطبةِ الفريق:
_نحن في حربٍ والخلافاتُ تنهكُ عزيمتنا، علينا التركيزَ والتخطيطَ فالمعركةُ القادمةُ ستكونُ خلالَ يومين، وهذه المرة لا مجالَ للكرِّ والفرِّ إما النَّصرُ وإما الهزيمَة، أفهمتُمْ؟
صرخ الجميع:
_النصرُ لنا، النصرُ لنا.
وتفرقوا لمتابعة تدريباتهم، أما سايفن فلم يستطع نزعَ كلماتِ كايا من رأسِهِ، فأرسلَ خلفَ سيد وقال له:
_أريد منك أن تتبع كايا، فأنا أعلم أنها توهِمُك بحبِها؛ لتنجزَ خطتها أيها الغبي.
تأتأ سِيدُ وقال:
_ماذا، ماذا؟
_اسمعني، ستلحَقُ بها على أنكَّ تابعٌ لها، ولا تستطيع البقاء هنا، وإياك أن تخبرْهَا بما قُلْتُ لك، لأنك ستنهي حياتك بيديك، انتبه أنا أُحَذِّركَ، عليك التلاعبُ معها وإيصالُ المعلوماتِ عن كل تحركاتها.
_حسناً، وماذا لو كشفتني؟
_هنا سيكون غباؤك هو سببُ موتك.
_إذاً ومتى التنفيذ.
_فوراً، واحذر الخيانة فالخائِن لي ميِّت، وهو حي.
فهم سيد بأن عقاب سايفن لن يكون الموت بل تمنِي الموتَ بطريقتِه الخاصةِ، فقال في نفسه:
"علي كسبُ الوقتِ معهما كلاهما، فأنا سيد ومن غيري أنا، سنرى يا أحمقان."
ونظر إلى كايا وهي تجمَع شتَاتها المتبقي ثمَّ قالَ لسايفن:
_انظر لقد رأتني أكلِّمُك وسوف تسألُني عما دارَ بيننا.
_قُل لها طردنِي سايفن بعدَ أن عرفَ بخيانتي لهُ معَك.
اتجه سيد باتجاهها، وهو لا يعلمُ ما سيفعلـ هل يخبرها بما قالَه سايفن فيموتُ هو، أم أنه يؤجل هذا إلى وقتٍ آخر.
عاد إلينا من هناك الجاسوسُ ليخبرَنا بأن سايفن وكايا على خلاف.
الجاسوس:
_سيدي جاك، هناك خلاف قائم بين كايا وسايفن.
_أخبارٌ جيدة، تعالَ وأخبِرْنا ما الأمر.
شرحَ لنا الأسبابَ التي أُعلنت بين الجميع.
قلت لجاك:
_جيد جداً، يبدو أنه يوم النصر، أين هو ديف؟ يجبُ أن نحتفلَ.
فجاة سمعت صوت ديف يقول:
_ها أنا ذا، وجاهزٌ للاحتفال هيا بنا.
اتجهنا جميعاً إلى بارٍ للمشروبات، قادنا إليه جاكُ وبينما كنا نتحدثُ بفرحٍ ونشوة دخل أحد الأشخاصِ مرتدياً زيَّاً أسوداً ويحملُ سلاحاً غريباً ومعه زجاجَةً غريبةَ الشكلِ وهناك حدثَتِ المفاجأةُ عندما دخلنا.
تقدم الرجل منّا بغرابة ونظر إلي بتلكَ العينين الغريبتين المجعدتين، فشعرتُ بدوار شديد وضعت يدي على رأسي وفقدتُ توازني.
وكل ما أتذكره أن ديف وجاك قاما بسرعة وحملا سلاحهما؛ لأستيقظَ على فراشي والطبيبُ قربي مع القائدِ الأكبر لنا ومعه جاك وديف.
سألتهم:
_ماذا حدثَ لي؟ ومن كان ذلك الرجلُ الغريبُ يا جاك؟
مسَّد لي جاكُ على رأسي وقال:
_ارتاحي الآن، ستعرفين كل شيءٍ في وقته.
54 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.