غموض
غموض
جزء 22 من 21
وضع القراءة:

الفصل21

شعرتُ بشجاعَتها وعدم خوفِها رغمَ أنَّ صوت ذلكَ الحيوانِ المفترسِ كان مرعباً، واستعَديْنا للمواجهةِ، والغريبُ أن ذاك النمر فاجأنا بأنه كان يحاولُ أنْ يحمينا وليس أن يهجمَ علينا.
جينفي:
_انظري سِيلا، هناك كائنٌ غريبٌ يقفُ خلفَنا.
_أجل يا إلهي إنه مخيفٌ جداً، انظري إلى النَّمر، إنه يهاجمه.
لكنها صاحت بتعجب:
_لا أصدق النمر يساعدنا، هل هذا معقول؟
_فلنختبئ خلف الشجرة ونراقب، بسرعة.
فعلنا ورحنا نراقب المشهد..
جينفي:
_إنها معركة فريدة، كلاهما قويٌّ جداً.
_انظري إلى الكائن المخيف، إنه يحاول البحث عنا.
_ما سرُّ هذا النمر؟
_أتعلمين؟ ابقي أنت هنا وأنا سأساند ذلك النمر
_لا لا تفعلي ستعرضينَ نفسكِ للخطر.
أشحتُ لها بيدي وانطلقت إليهما بسرعة، ورحت أقفز هنا وهناك ولكنْ وفجأةً، أصاب الكائن المخيفُ النمر على وجهه لدرجةِ أنّه صرخَ بألم، فهجمتُ عليه بصولجاني وقفزتُ لأعلى ثم ضربْتُه على رأسهِ، ولكنّه ردّ الضربةَ بقوةٍ؛ فسقطتُ على الأرض، وجرحتُ قدمي ونزفتُ دماً.
ناديتُ وأنا أتألم:
_جين، جينفي.
خرجت جينفي بسرعةٍ وركضت إليّ ثم خاطبتني بقسوة:
_أرأيت ِ عنادكِ وغباءكِ، لماذا لم تسمتعي لكلامي؟
ثم سحبتني وأنا أحاولُ الرفضَ حتّى شعّتِ القلادَةُ فجأةً لدرجةِ أنّ شُعاعها أصابَ ذلك الكائن وسقط مغمىً عليه وكذلك جينيفي.
اقترب مني النمر وراح يلعَق وجهي وكأنَّه يشكرُني، ثُمّ حاولَ أن يلعق وجه جينفي التي استيقظت فجأةً وقفزت إلى الخلف وصرخت:
_ابتعد عني، أمرٌ مقرفٌ جداً، ابتعد.
قلت لها:
_ظننتكِ ميتة.
ثمّ رحتُ أضحكُ عليها بشدّة، لتقول:
_لا تعبثي معي سيلا، أنا أكره الحيوانات.
_حسناً، حسناً.
لكنّ النَّمرَ اتجهَ إلى خلفِ شجرةٍ عالية وراح ينظرُ إلينا وكأنه يطلب مساعدتنا، اتجهنا إليه، حيث فوجئنا بصغارهِ مسجونين بقفصٍ حديدي.
سألتها:
_جينفي ماذا سنفعل؟ كيف سنساعدهم؟
_لا تخافي، فكُ الأقفاصِ هو عملي.
استغربتُ كلامها ورحتُ أراقِبها وهي تقومُ بإخراج الصغارِ من القفص، والمحزن أنّ تلك الفراخُ هرعت إلى النمر وراحت تلعقُه بحبٌّ وشوق.
نظرت إليها وقلت:
_أنتِ شخصٌٌ غامضٌ جداً.
_ دعكِ من هذا وساعديني لنكَبِّلَ هذا الوحشَ ونضعهُ في القفص بسرعةٍ.
تبسمْتُ لها بإعجابٍ:
_هيّا بسرعة.
قمنا بهذا وودَّعْنا النَّمر وصغارَه وهو ينظرُ إلينا بكلِّ ودٍّ وكأنّني تخيلتُ أنه يقول:
_لن أنسَ معروفكما ما حييتْ.
وفجأة التفتُ إلى جينيفي لأرى دموعَها تملأُ خدَّها فسألتها:
_ما بك؟ ألم تقولي أنّك تكرهين الحيوانات؟
فمسحت دموعها وهربَت كعادتها منَ الإجابة وقالت:
_منظَرُه مع صغارِه أثّر بي وذكّرني بوجعٍ قديم.
_عن أي وجعٍ تتحدثين؟
_انسيْ الآن، فحربكِ أهم، لا تشغلي نفسَك.
نظرتُ إليها بحزنٍ وتأثُّر:
_أشعرُ أن وراءك قصةٌ، ولابدّ أن تحكيها لي يوماً، لكنْ يبدو الآن، ربما لم أحظَ بالثقَة المطلقةِ لدى جين الفتاةُ الغريبة.
تبسَّمت ولكنّها لم تستطع إخفاءَ الحزن الواضِح في قلبها وعينيها ثمّ قالت:
_اصمتي أيتًُها الثرثارةَ، لا أدري كيف اختارتك النبوءةُ لتكوني قائدةً وأنتِ لا تجيدين إلّا كثرةَ الكلام.
ضَربتها على كتفها وشبَكْتُ ذراعيَ بذراعِها وانطلقنا إلى المجهول.
.
.
أما سَايفن فقَد كانَ هناك مع كايا وباقي الفريق يمرون على جرحاهم في المعركة الأخيرة بيننا.
سايفن للمسؤول الطبي:
_لا أريد أي تقصير او تهاون في علاجهم، فحربنا ليسَت سهلةً وعلى الجميعِ الالتحاق بها وبسرعة.
_حسنا سيدي.
كايا لسايفن:
_لن ننتظرَ حتى يتم شفاؤهم، لأنَّ العدوَّ لنْ ينتظر، هل جننْتَ سايفن؟
_اخرسي أيَّتها المتذاكيَة، أنا من يقرِّرُ موعدَ الحرب.
_لن تتغيرَ، غروركَ سيقتُلك.
_بالنسبة للفتى الذي أسرناه منذ فترة، ماذا عنه؟
_لقد استعادَ وعيه وهو بوضعٍ جيد.
_إياكِ كايا أن يستطيعَ الهرب، إنه ورقتنا الرابحةُ ضِدَّ سيلا.
_أعلمْ فعاطفتها تلكَ هي نقطَة ضعفِها.
_باشري تنفيذَ المهام فسيلا لنْ تسكُت عن ما حدث لفريقها مؤخراً.
_تلك الحمقاءُ لا تزالُ تتصرف بسذاجة وطيبة.
_احذري إذاً تلك السَّاذجة لأنها ستقتلنا جميعاً.
ضحكتْ كايا بسخريَة:
_جبانٌ يخافُ من فتاةٍ راعيةٍ للبقر.
أمسك بأقربِ كأسٍ زجاجي وضربها به ليتكَسَّر أشلاءً كثيرةً قبل أن تقفزَ بسرعة وتتعلقَ بالسماء وهي تصرخ:
_أعدكَ أنْ أقتلَكَ يوماً أيُّها الحقير.
أما رجالُ الماسة الناريَّة فقد كانوا يخطِطُون لأمرٍ ما، حيث اجتمع الجميع وأشعلوا ناراً كبيرة وراحوا يدورون حولها ويقومون بتلك الطُّقوسِ الغريبة.
هذا ما أخبرني به الجاسوس الذي التقيت به ليحدثني بقلق عنهم:
_أتعلمينَ سيدتِي، رأيتهمْ يتهامسون ويخططُون ولكنْ هذه المرة لم يعلنوا هذا أمامَ الجميع وكأنَّهم يشكونَ بوجودِ جواسيسَ بينهم، وهذا ما جعلنِي أخافُ على نفسي.
_اهدأ واشرَح لي سببَ خوفك.
_لا أدري لكنني أمتلِك عائلةً وأطفالاً وأخافُ عليهم بدوني.
_حماهم الّله لَك ولكن هذا لا يعني أن تتخلى عنا الآن في منتصفِ الطَريق.
_لن أفعل ولكن أرجوك عديني بأن تهتمي بعائلتي لو وقعَ لي مكروه.
جين:
_اهدأ يا رجل، لن يحدث لكَ شيء.
فقال لها بما آثار فجاءتي:
_أنتِ أكثر من يعرفُ وجع الفراق للأحبة، أليس كذلك سيدة جينيفي.
فشهقتْ جينفي وتلعثمَتْ وتظاهرتْ بعدمِ الفهم:
_ماذا؟ أنا لا أفهم عمّ تتحدَّث يا هذا، امضِ إلى حالك.
كان الغموضُ يحيطُهمَا رغمَ كل محاولاتي التي فشلتْ؛ لأفهمَ منهما، لكِنَّهُما تصَرفَا بكل دهاءٍ فطلبْت مِنه:
_امضِ إلى عملك وتأكَّد، لن أتخلى عن عائلتك مهما حدث، ركِز في مهمتك.
فانطلقَ الرجُلُ وتابعتُ مع جينيفي باتجاهِ موقعِ سايفن والعَدُّو، ولكنَّ جينيفي كانت هادئةً كلَّ الطّريق ولمْ تتفوَّهْ بأيَّة كلمة حتى مللتها وسألتها:
_هلّا حدثتني بقصتك يا هذه؟ لم كُلُ هذا الغموض.
_عن أي قصةٍ تريدين الاستماع، هل أقص عليكِ قِصة ليلى والذئب.
ثم ضحكَت جينيفي بصوتٍ عالٍ ولكنني رأيت في ضحكتها هروباً من الإجابَةِ، لمْ أفهم لماذا ولكنني اضطررتُ للسُّكوت.
ولما اقتربنا مِن العدُّو توقفنا بحذرٍ واتفقتُ معها قائلةً:
_سأدخل وحدي متنكرةً إلى هناك ولو تأخرت في الرجوع حاولي أن تنقذيني.
_ما هذا الذكاء وكيف لي ان أمكث هنا وحيدةً، ربما يقبضونّ عليَّ.
ضربتُها على كتِفها وهزءْتُ منها:
_كم أنتِ حمقاء! انتظريني أسبوعاً واحداً فقط وانتبهي لنفَسك، إياكِ الدخولُ دون تخطيط، هل تفهمين؟
_حسنا حسنا، تباً لرفقتِك.
ربتْتُ لها على كتِفهَا ثم حملتُ صولجاني وانطلقْتُ بهدوءٍ بعد أن وضعْتُ وشاحاً على رأسي وأخفيتُ ملامِحي.
قلت في نفسي:
"يا إلهي ساعدني؛ لأنتقمَ ممن قتلَ أحبتي، أعتمدُ عليك يارب."
ودخلت في معسكرِ الأعداءِ على أنّنِي متسولٌ يتسوَّلُ؛ ليقيت نفسه ببعضِ الطعامِ، وأول وجهٍ رأيته كانَ كايا المغرورة.
كايا:
_من أنتَ أيها المتَسللُ الغريب؟
وقفْت واستجمعْت قوايَ وقلت لها:
_جائع يا سيدتي الجميلة، لم آكل من عدَّةِ أيام.
_ارحلْ أيها الغبِي ومن قالَ لَكَ أنه يوجد هنا مطعم لإطعامِ أمثالكَ، ارحلْ قبل ان أطلب من الجنودِ احتجازَك.
_الرحمة يا ذات العيونِ الجميلة.
ضحكت بغرورٍ وقالت مستهزئة:
_متسولٌ وتجيدُ الغزَل.
_لو تعلمين من أوصَلني إلى هذا الحَال.
_مَن؟
_إنهمْ المُستذئِبون.
ردَّتْ بتفاجُؤ:
_ماذا؟ هيا تعال سأجعلهم يُطعموك وتقصَّ علي حكايتك.
هنا بدأ العدُّ التنازلي للمغرورة كايا، حيث طلبتْ من رجالها الاهتمام بي وإطعامي ووعدتني بالرجوعِ إلي بعد أن تقابلَ سايفن.
أكلت بطريقةٍ أشعرتْهم بجوعي وتسّولي، وفي تلك الأثناء أطلَّ سايفن من بعيدٍ وهو يغني بصوتٍ عالٍ:
النصرُ لنا، النصرُ لنا، سأقطعُ رؤوس المستذئبين وأعلقُها على بابِ قريتي.
شعرتُ بالغضَبِ الشَّديدِ وخشيتُ أن يتحولَ جسدي، فحاولتُ أن أختبأ بسرعَة قبل أن يراني لكنني فشلتُ لأنَه صرخَ علي قائلاً:
_هيه، أنتْ يا هذا توقّف، من تكونْ؟
فتوقَف الدَّم في عروقي ولكنَّني تماسكْتُ ثمَّ التفَتَ بعد أن أخفيتُ ملامح وجهي تماماً وقلتُ:
_السيدة كايا هي من طلبتْ منهم إطعامي يا سيدي، أنا مجردُ عابر سبيل عاري الحظ.
ضحك بوقاحة ورد علي:
_كايا، ما أكرمها كايا، اعلمْ أنني سأقطعُ رأسها قريباً.
كلماته جعلتني أعلمُ أن هناكَ خلافٌ بينهما، فقررتُ أن أستَغِله لإنهاءِ مهمَتي بينهم.
وهنا نادتْ عليه كايا:
_إن غرورك هذا لا يجعلُك تميِّزُ إلَّا ما يعجبكَ أيها المغرور.
_ساقطَة يبدو أن سِيد لم يكنْ على قدرِ المسؤوليَة معك.
جزَّت كايا على أصابِعها وصرخَت:
_الزمْ حدَّك، ولا تنسَ أنني مثلك قدراً وقيمة هُنا أيُّها الوقِح.
هنا فكَّرْتُ ملياً بطريقَةٍ تنهيهما معاً إن توخيتُ الحذر، وفجأة رفعتْ كايا يَدها إلي وأشارتْ لي:
_تعال يا هذا.
_حاضِر سيدتي.
وأسرعت باتجاهها وأنا أراقب سايفن الذي كان يثرثرُ بوقاحَة:
_كُن معها على قدرِ المسؤوليَّةِ، فالساقطات تحتجَن المتسولين.
وراح يضحَكُ بقلةِ أدبٍ ،لدرجة تمنَيتُ أنْ أقتطعَ لسانه.ُ
قالتْ كايا:
_دعْكَ منْهُ إنّه مجردُ معتوهٍ، تعال؛ لتقُصَّ عليَّ قصتَك.
_أمْركِ سيدتي الجميلةُ.
نظرت إلي باستغراب وجلستْ على كرسي عالٍ، وأشارت إلي:
_إبدأ هيا، أنا أصغي.
هنا فكرْتُ بما سأقولُ وقرَّرْتُ أنْ أحاولَ إقناعَها بكلامي؛ لتثقَ بي، ورحت أقصُّ لها قصةٍ من خيالي:
_لقد كان أبي أسيراً لدى المُستذئبين، وقد كنتُ في سِن اليافعين، ثم حاولَ أبي الهرب، ولكنَّ قائدَهم قامَ بقتْلهِ وسلَخ جلْده أمامَ الجميعِ في السَّاحة.
صمتُ قليلاً ثم تابعت أكذوبتي:
_وكنت أراقب هذا ونارُ الحقدِ تشتعِلُ في داخل ذلك الطّفل، وقررت أنْ أنتقمَ منهم، ثم قتلوا عمي وأخي وأبناء عمومتي، وأنا قد سمعت عن كايا سيدة قومها عدوة المستذئبين الأكبر، فقلت لنفسي:
"لم لا تطلبُ منها المساعدة"
أجابت كايا:
"قصتكَ محزنة أيها الرجل، حتى أتأكد من أمرك ستبقى في حمايتي ولكنْ إيَّاكَ أن تكونَ كاذباً."
_لست كاذباً يا سيِّدتي.
هنا تذكرْتُ اتفاقي مع جينِفي التي تنتظِرنِي في الخارج متنكرةً بزيِّ عجوزٍ شمطاء، حيث اتفقنا أن تؤكِد كلامي لهم.
وقررتُ أن أبدأ بالمراقبةِ بعد أن أحصلَ على ثقتِهم، وركزتُ على سايفنَ وكَايا فبدأتُ أعملُ على الايقاعِ بين كايا وسايفن بطريقة لا أُكتَشَفُ بها .
وشيئاً فشيئاً صرتُ المقربَة منها على أنَّني الرجلَ الذي يشاركُها كرْهَ المستذئبين.
في تلْكَ الليلة تقررَّ موعدُ الهجومِ على المستذئبين بقيادةِ كايا وجيشَها أما سايفن فقد أصابَه التوعكُ بعد أن وضَعْتُ له العشبة في طعامه فأصابَه التخَبُط المعوَّي.
استغليْتُ وضع سايفن الذي كانَ يصرخُ من الألم ودخلتُ إليه.
_سيدي دعني أساعِدك، لدي دواءٌ سيشفيكَ.
صرَخ من شدَّة الألم:
_تعالَ بسرعةٍ.
فأعطيْتُه عشبةٌ منومَةٌ وبعد عدّة دقائق نامَ بعمقٍ، فاتجهَتُ إلى كايا..
_سيدتي هل لي بالدخول.
_أجل تعال.
_غداً معركتُك أو دعيني أسميها معركتنا، وعليكِ إثباتُ قدراتِك لتصبحِي القائِدة الأعلى، وتهزمِي ذلكَ المغرورَ سايفن.
_تعجبني أيّـها الرجُلُ الأمينُ، غداً سينتهي سايفن.
_أجل سيدتي الجميلة، غدا ستنتقمين لي ولكلِّو قومك، وأعدُك أن أبقى الخادُم الأمين طوالَ حياتي.
تبسمَّت كايا وتناولت مني كأسَ النبيذِ؛ لنحتفلَ بصحَتها، لم تكُن تلكَ الغبيةُ تعلمُ ماذا ينتظِرها.
شربتْهُ وهي تتلوى وترقصُ سكْرى حتّى سقطَت على الأرض مغشِّياً عليها.
أطلقت إشارتي لجينيفي التي دخلت لمساعدتي بإتمام مهمتي قبلَ أنْ ينبلجَ الفجرُ. يكشف أمرُنا.
9 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.