الفصل26:
الفصل26:
حيث أنني سمعت صوت ارتطامٍ قوي وصوتاً يشتمُ ويتوعّدُ، دققْتُ أكثرَ في الصوت وهمهمتُ بانزعاج:
_تباً هل هذا هو مجدداً، هل استطاعَ اللحاقَ بي، سأحطمُ رأسكَ يا سايفن.
قمتُ لأرَ إن كانَ سايفن، لكنّني لم أجدْ أحداً..
"هل بُتُّ أفكرُ فيه لدرجة أنني أسمَع صوتَه"
قلت هذا لنفسي ساخرةً لكن قلبي منعني بنبصاتٍ غريبة لَم أفهمها.
منعتـه هامسةً:
"تباً لك أيّها الأحمق النّابض، إيّاك، إنّه عدّوي، هل نسيت أنه قاتلٌ لعين."
وفجأةً سمعتُ وقعَ ركضِ أقدامٍ، حاولت أن أنظر لكنني ما رأيتُ شيئاً، تابعتُ البحثَ عبثاً وقرّرْتُ العودة إلى قطيعي للإطمئنانُ عليه.
تذكرتُ تلك الأحداثِ الَّتِي شاهدتُها، هل كانت مناماً، أمْ وهماً، أمْ حقيقةً، هل كانت جينيفي كذلك أيضاً، وإن كانت حقيقة لماذا اختفت، وهل اختفت بمحضُ إرادتها أم أن سايفن وراءَ هذا كُلَّهُ.
وبينما أنا أسيرُ رأيتُ مجرى مياه فاقتربتُ لأشربَ، وهناك فوجئت بشخص لم يدرْ ظهرَه يشرب أيضاً.
ناديته:
_من تكون يا هذا؟ أصديقٌ أم عدوٌّ؟
تلثم فوراً دون أنْ أرى وجهه، والتفَت إلي، حملَق بعينيه المكشوفتين ثمَّ قال:
_ابتعدي عن طريقي أيَّتها الفتاة، وإلا قتلتك.
_إذاً أنت عدو.
_قلتُ ارحلي.
ثم راح يقفز ويتسلق الأشجار بسرعة لم أرها من قبل واختفى، فرحتُ أصرخـ:
_يا هذا، انتظرْ عرُّف عن نفسكَ أيُّها الجَبان..
"ترى من هذا، ولماذا هرب، هل هو منهم؟ أم أنَّه خائف؟
رحتُ أشربُ حتَّى ارتويت، وضعتُ يدِي على صولجَاني، الذي راحَ يشعُّ مثله مثل قلادتي وكأنَّهُما ينبئاني بالخطر.
وفجأة دفعني ذلك الملثم من الخلف في الماء، خفت كثيراً فأنا لا أعرفُ السباحة، وبدأتُ أرتفع وأنخفض وأطلُب المساعدة.
راح يضحك الملثم ويقول:
_أيتُها الحمقاءُ المستذئبة، موتي غرقاً.
شعرت بالغضَبِ الشَّديد، وفجأة غِصْتُ تحتَ الماء إلّا أنّ المفاجأة أنّني لم أغرق بل إنني كنتُ أتنفس ولمْ أمُتْ.
"يا إلهي هل أنا أحلم، أم أنّ هذا خيال، أنا لا أفهمُ شيئاً، يبدو أنها صفَةٌ جديدةٌ لقواي."
فرُحتُ أجذِّف وأجذِّف حتى وصلتُ إلى الضِّفة، وهناك رأيت ذلك الأحمقَ الحقيرَ يبتعدُ وقد أزالَ لثامه.
جززتُ أسناني غضباً:
_سايفن أيها الحقير، سأقتلك، لقد كنت أنت ثانيةً.
خرجتُ وخلعتُ ملابسي في أقرب كهف وجدتهُ حتى تجِفّ ملابسي وانتظرت حتى يحل الظلام.
وتمددت على صخرة حتى يتم هذا فأحصل على بعض الهدوء والراحة، لكن وبعد أن غفوتُ فجأةّ، سمعتُ صوتاً قريباً مني.
هلعتُ بخوفٍ، وحاولتُ أن أستتر، لكنّه أمسكَ بي.
_ابتعد أيها الحقير.
_لم أكن أعرفُ أنكِ جميلة هكذا.
دفعتهُ بقوة، وركضتُ باتجاه ملابسي، وحاولتُ أن أستتر بهابسرعة.
_هل انت خائفة، تعالي إلي، ولننسى العداوة الآن، ما هذا الجمال.
_اخرس أيها السّافل، خسئت.
_هيا ارتدي ملابسك، لن ألمسَك لا تخافي سيلا.
وفجأة بدأ يُتأتأ قائلاً:
_ولكن، لكن، أقسمُ،أنني، أنني ياسيلا، ق. قد وقعتُ بحبك، ولا تسأليني كيف، صحيح أنني أسقطتك بالنهر، واننا أعداء، لكنني في كل مرة أشعرُ بقوةٍ غريبةٌ تجذبني لك ٠جداً، صدِّقيني.
رحت أرتدي ملابسي بسرعة وأصرخُ:
_كاذِب غادر، أنا لا أصدقك.
_صدقينيٌ، لمعلوماتك لقد تركت كل شيء، وأنا الآن حر، لا أريد إلا العيش بأمان، مللتهم، مللت حروبهم.
_كيف لي ان أصدقك، وقد.غدرت بي ألاف المرات، وفي كل مرة أحاول تصديقك أجدك كاذبا تستخدمها طريقة لقتلي.
_راقبيني، سأثبت لك حبي.
_قلت لك أن تخرس سايفن، أكاد أستفرغ أحشائي.
_معك حق، لو كنت مكانك لما صدَّقت.
اللعين كاد أن يوقع بي، لا أدري لم شعرت بالضعف في تلك الليلة حيث بتنا في نفس الكهف معاً.
اقتربَ مني ووضَع يده على خدي بحنان واقترب من وجهي وحاول تقبيلي، وقبل أن أستسلم له ابتعدت عنه، لكنه شدَّني إليه بقوة وراحت نبضات قلبي تخفقُ بقوة.
صرخت بمشاعري:
"إياكِ سيلا، لا تضعفي إنها خطةٌ حقيرٌة منه، يريد أن يسرق قواكي."
لكن وفجاة سمعت صوت أفكاره:
_صدقيني سيلا أنا أحبك فعلاً، تباً لتلك الحرب اللعينة التي ملأتنا حقداً وكرهاً.
همست:
"لا أصدق هل ما يقوله حقيقة أم وهم وخيال، انتبهي سيلا."
ضعفت جداً وكانت تلك الليلة الأغرب في حياتي، أنا وألد أعدائي معاً بضعفٍ شديد، لقد نسينا من نحنُ وعشنا أجمَل اللحظات.
وفي الصباح عندما استيقظت وجدت نفسي أنام على صدره، فقفزتُ هلعةً.
سايفن:
_كانت أجمل الليالي سيلا، لقد ارتبطتْ روحينا وقلبينا معاً، فلننسى كلّ شيء ونرتبط سوياً.
قلت له بنرفزة:
_كيف حدث هذا؟ لا أصدق ما جرى، وقتلانا وقتلاكم، هل سينسى قطيعي خيانتي له
_هل تسمين ما جرى خيانة، إنه الوقوعُ بالحب.
_أي حبّ.ٍ بعد عداوة، لقد كان ضعفاً وعلينا أن نفترق.
_لا أصدقك، فنبضات قلبك ترفض هذا.
_ارحل سايفن، وإياك أن تقابلني ثانية، علي الذهاب إلى قطيعي لأطمئن عليهم، هل لا زالوا أحياء.
ابتعدتُ عنه وقلبي ينتفض ضعفاً، واستدرت وأنا أقول:
_لو كان ما جرى صادقاً، سنلتقي ثانية ونحن نصلح بين أقوامنا، وإن كان ضعفاً، سننساه إلى الأبد.
صاح بلهفة لم أدرك صدقها:
_سأنتظرك سيلا، سأنتظرك.
ابتعدت وأنا أشعر بأنني خائنة لجاك وحبي له، ولقطيع المستذئبين، وأنّني غبيةٌ هزء بي سايفن.
سمعتُ صوتَ أفكارِ سايفن وهو يقول لنفسه:
"أحببتُك، وأعلم أنّه وهم، لكنني سأنتظرُ تحوُّل هذا الوهم إلى حقيقة، أحبُّك سيلا."
التفت عندها إلى الخلف ونظرت إليه بحب ورفعت له يدي ملوحةً وتابعتُ طريقي ودموعي تملأُ خَدِّي.
_تباً للحرب، وتباً لي، وتباً لما حدث معي.
سقط سايفن خلفي وهو منهار:
_تباً للحروب وتباً لزوجة أبي، تبا لقطيعي الخائن، تباً لما جرى.
مشيت ومشيت ومشيت، وأنا أسأل نفسي:
"هل يعقل ما جرى، هل حقاً كان ذلك حقيقة، سايفن الذي أوقعني بمئات المشاكل وقتل قطيعي، يسقطُ الآنَ في حُبُّي، هناك شيءٌ غريب، عليَّ أنْ أفهَمه."
لم أكُن أعلَم يومها أنَّها روحُ أمّي ماثا تحركه لتنقذنا من الحرب، ولم أكنْ اعلمُ أن جينيفي كانت تراقبني أيضاً.
وبعد ساعات طويلة من المشي وصلتُ إلى قومي لأجدَ ما صدمني هناك، لم يعرفني أحدٌ منهم
سألتني إحداهن:
_من تكونين؟ وما طلبكِ مُنَّا؟
صعَقني سؤالها:
_عفواً، ماذا سألتني؟
_أسألكِ من تكونين، وما حاجتك أيتهَا الغريبة.
اتجهت لأخرى وأخرى وأخرين غيرها، نفس الأمر، لم يتعَرف إليّ أحدٌ منهم .
رحت أصرخ بحزن:
_أنا سيلا، هل نسيتموني، كيف هذا؟ أنا قائدتكم.
راحوا ينظرون إلي باستغراب، وكأنني مجنونة.
_يا إلهي، ما الذي يحصل؟ ماسبب هذا؟
نادت علي إحداهن وهي ترفع طفلها إلى حضنها:
_ارحلي أيتها الغريبة، لا ينقصنا الغرباء، نريدُ أن نعيشَ بسلام.
_ولكنْ، ولكنْ..
هنا نظرتُ إليهم بحزن، لقد نسوني تماماً، ويعيشون بشكلْ عادي وكأنهم لم يروني سابقاً.
تراجعت وانا مصدومة ، لكنني قررت أن أتجه إلى قائد القطيع، وأن أدخل غرفتي، هناك قد يذكرهم هذا بي، لكن الصدمة الأكبر، أن القائد كان يرتدي ملابس غريبة ويجلس مع بعض الأطفال، ونظر إلي نفس النظرة، لم يعرفني.
_سيدي القائد، أنا سيلا ألم تتذكرني
فقال بصوت غريب:
_من أنت يا بنيتي، وما حاجتك، ولم تناديني بالقائد.
قال أحد الأطفال مستغرباً:
_إنه جدي، لماذا تناديه بالقائد، هل أنتِ مجنونة.
ركضت إلى غرفتي، لأجد فيها رجلاً مستذئباً وزوجته المريضة.
_يا إلهي ماذا يحدث، هل أنا أحلم، أم أنني سقطُت ثانية في حفرة.
تراجعت إلى الخلف والرجل وزوجته يحملقان باستغراب بي..
صاحت الزوجةباستهجان:
_من تكون هذه المتطفلة يا زوجي.
_لا أعلم يا زوجتي ،اطرديها.
خرجت أركض وأركض وأنا لا أفهم شيئاً، ماذا حدث وكيف حدث؟
_رباه أعدني إلى سيلا راعية البقر اشتقت لها كثيراً، لا أريدُ كل هذا الضياع.
وفجأة ولا أدري كيف رحت أنادي:
_سايفن، سايفن، أرجوك خذني من هنا.
وبينما أنا أركض بخوف وهلع ارتطم جسدي بأحدهم حيث ضمني إليه بشدة، لقد كان سايفن.
رحت أبكي وأتوسلّ إليه:
_خذني معك، لا أريد البقاء هنا.
_ما الذي حصل سيلا؟
_لا أريد حتى التذكر، فقط أخرجني من هنا.
نظر إلي بغرابةٍ وراح ينظرُ حوله
_أنا لا أرى أحداً هنا، هذا المكان مهجور.
فتحت فمي ووضعت كفي على رأسه ثم نظرت إلى الخلف:
_هل أنت بخير سايفن؟
_يبدو أنك أنت لست بخير، تعالي معي، سأجد مكاناً آمناً يجمعنا بعيداً عن قومينا، تعالي.
_ما الذي يحدث ياربي؟ أشعر بأنني تائهة، هل انا أحلم أم أن عدوي وأنا عاشقان فعلاً، أكاد أجن.
رافقني سايفن إلى مكان آمن حوله بعض الأشجار المثمرة ومجرىً للماء، نظم سريراً من القش وطلب مني أخذ قسطٍ من الراحة.
قلت له:
_بت أخشى الاستيقاظ لأجد نفسي في مكانٍ آخر وأنني في حلم جديد، لم أعد قادرة على تحمل كل ما شاهدت.
_ارتاحي سنكون بخير.
أشعت قلادتي وشعرت بارتياح من هذا فكأنها تنبؤني بالأمان.
غفوت فوراً بعد أن كان سايفن يهدهد لي، تذكرت أمي ماثا عندما كانت تفعل هذا لي ولأخي، آه يا أخي كم اشتقت لك.
وعندما استيقظت وجدت سايفن قد وضع لي بعض الثمار لأتناولها.
سايفن:
_أخيراً لقد استيقظت، لقد نمتي طويلاً.
_حقاً، لهذا أشعر بأنني متكسرة الأضلاع.
_هيا تعالي، وتناولي طعامك، فأمامنا مسير طويل.
_ماذا تقصد؟
_هل سنبقى هنا؟ علينا الابتعاد عن الجميع.
_معك حق.
رحت أتناول الثمار بشراهة لأنني كنت جائعة جداً، وسايفن ينظر إلي فسألته:
_هل تصدقني القول لو سألتك؟
_بالطبع؟
_لماءا لم تقتلني، وانت تعرف الآن أنني ضعيفة بلا قوم، لقد حصلت على أكثر من فرصة لفعل هذا، أتذكر عندما وقعنا في الحفرة؟
_لم أفهم، عن اي فرصة واي حفرة، ولماذا علي ان أقتلك حبيبتي، هل جننتي؟
صعقني بجوابه، قلت لنفسي:
"لا بد أنه يسخر مني"
وكررتُ التساؤل:
_هل تمزح معي سايفن، نحن كنا ألد أعداء، كم مرة تعاركنا معاً، وكان هدفك النيل مني ومن قطيع المستذئبين.
حملق بي متفاجئاً:
_يبدو أن الضربة أثرت على دماغك سيلا، تعالي إلي لأرى إن كنت محمومة.
ارتعشت قدماي، وشحب لوني، هنا ضمني سايفن إلى صدره بعد أن تأكد بأني لست محمومة، وراح يربت لي بكفه على كتفي، وأنا شبه مصدومة..
"رباه ما الذي يحدث، هل أنا مجنونة، أم أن هناك أمرٌ غريب، وعليّٕ اكتشافه، لكنَّ سايفن يبدو حنوناً جداً، ولا يشبه ذاك العدوَّ الشرس.
قام سايفن وأمسك بي ورحنا نمشي ونمشي بطريق مجهول وهو يحاول اقناعي وتذكيري بماضينا المشترك.
أما أنا فلم أكنْ أصدق ما يحدث وبدأت أفقد توازني:
"ما كل هذا؟ هل هذا حلم أم أن ما عشته سابقا كان هو الحلم؟ أقسم أن رأسي يكاد ينفجر.
وبينما نحن نمشي وأنا في حالةٍ ضياعٍ تامٍ، مررنا بعجوز تشبه تلك التي كنت أصادفها سابقاً ، وهنا حاول سايفن منعها من الاقتراب مني، لكنها تمتمتْ بقولها:
_ليس كل مانراه حقيقة، احذري أيتها الذئبة البشرية.
ثم رحلت غير مستمعة لطلبي بالتبربر لِما قالتْ.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!