غموض
غموض
جزء 18 من 24
وضع القراءة:

الفصل17

الفصل١٧:
مررتُ بفترةٍ عصِيبةٍ، تخليتُ فيها عنْ كلِّ مهامي تجاهَ القطيعِ، صارَتْ صورُ جاكَ تتراءى لي في صَحوي وخيالِي ونومِي، كنتُ أشتاقُه كثيراً، قرَّرتُ كثيراً العودةَ إلى بيتِ أمي، والتَّخلي عن كلِّ شيء حَتى دخلَ علي القائد في تلكَ الليلة وأنا جدُّ منهارة.
القائد بغضبٍ:
_يبدو أنَّك نسيتِ جاكَ وثأره.
نظرت إليه ودموعي تملأ عيناي، ووجهي شاحب، وقلت له:
_دعني وشأني، ماذا فعلت لكم حتى تفعلوا بي هذا، لقد كنتُ مجردَ راعية بقرٍ بسيطةٍ، أوقعتمونِي بما ليسَ لي.
_جبانةٌ ضعيفةٌ هشَّة، مجردُ متخاذلة، يبدو أن النبوءةَ أخطأتْ في اختيارِك، يبدو أنكِ نسيْتِ أنَّ حبيبكِ جاك قد قُتِلَ غدراً وهو يبحثُ عنك، لقد ضحَّى بنفسهِ من أجلك، وها أنتِ تجلسينَ ضعيفةً هُنا يائسةً، لتضَّيعِي كلّ ما خطَّطَ له.
شعرتُ بصدقِ كلامُه وقلتِ له:
_كيف تحولَ ديف إلى شخصٍ خائن، ماذا حدثَ له.
_يبدو أن ماتيلدا سرَقت التعويذةَ الخاصّةَ بجاك واستخدمَتها بطريقةٍ خاطئةٍ ضِّد ديف، ديفُ ليسَ خائناً لكنَّه الآن مُسيطَرٌ عليه بواسطةِ تلكَ التَعويذة.
_تعويذة لجاك! لمَ؟ لم يكن يخبرني بشيء، أتعلم سيدي في الفترة الأولى لم أكنْ أثقُ بهِ كثيراً، لأنه لطالما أخفى عني، لكنّني أحبَبتُه كثيراً، وحلمْتُ بإتمامِ حياتي وتحقيقِ أهدافي معه، لكنَّه أيضاً كذَبَ عليَّ وتركني.
_ثقي أنَّ جاك سيسانِدك حتى بعدَ موتِه.
_ماذا؟ لم أفهم.
_ستفهمين كل شيء في وقته، لا تكوني لجوجةً سيلا، هيا قومي، انتقمِي لقطيعك، وجاك، لأمِّك وأبيكِ، حانَ الوقْتـ.
_حسناً سوف أفعل ما تقوله، لكنني لن أتحملَ أي خسارةٍ أخرى، إما النَّصر أو النِّهاية.
_اتفقنا.
شعرْتُ بقوةٍ غريبةٍ تَخلَّلتْ جسدي وفجأة أشعَّت قلَادتي وأحْسَسْتُ أنَّ طاقتي ازدادتْ جِداً، ووقفْتُ على قدمَيي المُستَذئِبَتين، علماً أنني لاحظتُ أن جسدي بعد موتِ جاك لم يعدْ إلى شكلهِ البشري أبداً، ولم أهتمَ لهذا..
صرختُ للحراس:
_أعطونِي صولجاني، أريدُ اجتماعاً طارئاً للقطيع في السَّاحة خلالَ نصفِ ساعة.
طرقَ القائدُ على كتفِي ووجهَهُ ممتلئٌ بالتفاؤل وقال:
_هيا سيلا، إنه الوقتُ الصحيحِ حسبَ النبوءة، هيّا.
شَعرتُ بقوةٍ رهيبةٍثمّ رفعْتُ صولجاني إلى أعلى وأصدرْت عواءً قويَاً شَعرتُ بِه يخرجُ من أعماقي.
أما بما يخصُّ العدُّو فقد كانَ سايفنُ والبقيّة يحتفلون بنصرِهم على جاك، ومعهُم الخائنةُ ماتيلدا وديف الذي كانَ مغيياً تماماً وكأنه جسدٌ بلا روح بينهم.
ماتيلدا:
_ها قد حققَتُ اتفاقي معك يا سيدُ سايفن، وأوصلتُك لجاك.
سايفن:
_لا، لم ينتهِ الاتفاقُ بعد.
ماتيلدا:
_عفواً، لم أفهمْ قصدك.
سايفن:
_لم تسلميني قواهُ بعد، هل نسيتِ أنهُ كان أشدَّ خطراً علينا من سيلا.
تأتأتْ ماتيلدا ثم قالت:
_لا أعرف عمَّ تتحدثُ، الاتفاق كان أن أنتهِ من جاك، وأن تضمني لجيشك وترفعَ من مكانتي بينكم، إضافةً إلى طاقَة الماسَة النارية.
قهقهَ سايفن وقال:
_كم أنت غبيةٌ! لقد وثقتِ بالشَّخصِ الخطأ، سايفن لايثقُ بالأعداء وأنتِ خائنة والخائنُ لا يؤتمن، انظري إلى صديقِك المسْكِين وهو يشبهُ الخروفَ المريضَ.
جحظتْ ماتيلدا بعينيها بكلِّ غضَبٍ وهجمَت على سايفن لكنَّهُ ردَّها باستخدامِ قواه السِّحرية وزأرَ بحراسه:
_انقلوها إلى السِّجن واقذفوا بصديقُها خارج أسوارنا، هيّا.
صرخت ماتيلدا:
_ستندمُ أيها الحقير، تذَكر أنني لازلتُ أملكـ سرَّ قوى جاك.
نظر إليها سايفن وأشاحَ بوجهه واستدارَ إلى الخلف ثم خاطبها:
_ستعترفينَ بها رغمَ أنفِك العَفِن، هيا خذُوها أيُّها الحراس وإيَّاكم أنْ تُطعِموها أو تُشربُوها حتى تعترفَ أو تموتَ.
أخذها الحراسُ وراحتْ تصرُخ:
_حَقيِر، حَقِير، سأقتلُك.
وُقذِفَ بديف في الخارِج، وراحَ يمشي كمنْ شربَ الخمرةَ دونَ توازـن، لا يعلمُ أينَ يتجِه.
وفي تلك الأثناء دخلت كايا إلى سايفن وراحتْ تناقِشُه في أمرِ ماتيلدا:
_لا أدري مدى هذا التَّهور، غرورُك يجعلكَ تبقي على حياةُ هذه الخائنةِ لقطيعها، وفوق هذا ترمي ذلكَ المعتُوهَ منهُم خارِجاً، ألا تخشى أنْ يُخبرهم بما شَاهد هنا.
_هل أنت بلهاءُ كايا، لن أقتلها قبلَ الحصولِ على المعلوماتِ الهامَّةِ الَّتي عنْدَها، أمّا الأخر فهو تحتَ تأثير السِّحر والآن عليكِ مراقَبتَه.
_ماذا؟ أنا لن أفعل، ألستَ العقلُ المدَّبرُ، افعلْ انت.
_كم أنتِ ساقطة! يومَاً ما سأجتّثُ لسانك، هيّا انصرفي مِن أمامي.
_سافلٌ حقيرٌ ومغْرُور.
تابع ديف مشيَه متهاويَ الحرَكة، وهو أَشبَه بالمجنونِ، حتَّى سقطَ أمامَ شجرةٍ قريبةٍ من ديارنا، وهناك تمَّ العثوْرُ عليهِ من قبل أحَدِ الجنودِ فقامَ بربطِهِ وقادهُ إلينا، وفي تلْك الأثناءِ كنْتُ أنا والقائِدُ نجتمعُ بالفريق في السّاحة، أتفقُ معَهم على تفاصيلِ الهجومِ على الأعداء للانتقامِ لجاك ولهم، لكن وصول ذلك الجندي مع ديف أوقف كلامي وجعلني أركض باتجاه ديف لأمسكه بعنقه وأنهال عليه ضرباً.
وبخته:
_هل أتيت أيها الخائن، سوف أعلمك درساً لن تنساه أيها الحقير.
لكن ديف نظر إلي نظرة التائه وسقط مغمياً عليه، رفعت صولجاني إلى أعلى وكدت أن أضربه به حتى صرخ القائد ليمنعني:
_توقفي سيلا، ماذا دهاكِ؟ ألا تلاحظين أنه ليس بوعيه، انتظري حتى يسترجعَ قوته وتتأكدّي من خيانَته.
_حسناً، إذن فلتتِمَ مراقبته كي لا يهربَ، وإيَّاكم أنْ تلهُو عيونُكم عن مراقبتِهِ، وإلّا...
هنا صمتتُ وأُخِذ ديفُ بأمرٍ مني إلى السِّجن، لينظُر في أمرِهِ لاحقاً، لا أدري لماذا كنت أشعر بانقباض في قلبي تِجَاهه، لقد كُنتُ أثقُ به كثيراً، لكِنّه خانَ حبيبي جاك وأبعدني عنهُ.
تابعتُ شرحَ التعليماتِ للقطيعِ والخطَّة التي سنتبعها للهجومِ على العَدُّو، ثمَّ طلبتُ منهم الانصرافَ بعدَ تحديدِ موعدِ الهجُومِ، وذهبتْ إلى غرفتي أمَّا ديفُ وشكلهُ لم يرحلا من ذهني.
تمددتُ على السّرير وبعد جهدٍ منْ مصارعةِ الأفكارِ غفَوتُ، وفي نومي زارني جاك؛ ليخبرني:
_سيلا، لقد اشتقْتُ لك، لا تتهاوني في انتقامِك، ولا تَنسيْ أنَّني قـتلتُ غدراً.
اقتربت منه، مددت يدي لألمس وجهه لكنه تحولَ إلى زبَدٍ واختفى، فشهَقت واستيقظْت، ولهاثي يصدرُ من صدْري بقوة قطيعٍ كامل من الذئاب، اتجهت بسرعة إلى المغسلة وسكبت الماءَ على رأسي ورحت أنظر إلى المرآة وأحدث نفسي بعضب:
"سأقتل كُلَّ الخونة، لن أرحمَ أحداً، قتلوا أمّي وشرَّدُوا أخي، وحبيبي جاك، لن أرحم
أحدا، سوف أقتلُك سايفن وسأقضي على كلِّ جيشك، سترى."
في تلك الأثناء كان سايفن نائما واستيقظ ملهوفاً، لا يعرفُ لماذا.
سأل نفسه:
"ماذا هناك، كأنني أشعرُ بالقلق من أمر ما، تباً للنومِ في فترةِ الظَّهيرة، إنه مزعج جدا؟"
وفي تلك اللحظة طرق باب غرفته:
_سيدي, سيد سايفن هناك مشكلة.
امسك سايفن عندما فتحَ البابَ بعنقِه وقال:
_أيَّة مصيبةٌ أيها البومُ، تكلّمْ بسرعة.
_سيدي، سيد الماسة النارية هنا وهو غاضب جداً، وقد أمسَك بالسيدة كايا ومارس عليها سحْرهُ وهي الآن معلقةٌ لا تستطيعْالنزول وليس منها إلا لفظَ الشتائمِ عليه، وإن لم تتدخل سيقتلها.
_فلتذهبْ أنت وكايا إلى الجحيم، انصرفْ أنا قادمٌ فوراً.
ذهبَ سايفن بسرعة؛ ليفاجَأَ بمنظرِ كايا، فراحَ يضحكُ ولم يستطعْ ضبطَ نفسِه، فنادتْه بغضبٍ:
_أتضحَكُ أيُّها الحقيرُ، سأقتلكُم جميعاً، سوفَ ترَون.
فرد سايفن:
_حتى وأنتِ معلقَة لا تنقصُكِ سلاطَة اللِسان أيتها الغبية.
والتفت إلى رجُل الماسَة النّارية وقالَ له:
_اتركهَا سَيدي، هل نسيْتَ الاتفاقيَّة التي بيننا، نحنُ حلفاء، لو كان الأمرُ بيدي لطلبتُ منك قتلهَا، لكنّني مضطَّرٌ أن أجعلَك تهدَأ وتشرحَ لي.
أجابه الرجل بعد أن أوقفَ سحرَهُ عليها فسقطتْ على الأرضِ وصرختْ منَ الألمِ ثمَّ فقدتْ الوعيَ فوراً:
_حسناً ها قد هدأت.
سايفن:
_تعالَ معي.
وطلبَ من الجنود:
_احملوها إلى غرفتِها، بسرعةٍ وعندَما تستيقظُ سيكونُ لي معها شأنٌ آخر.
هنا اقترب سِيد ونظر إلى سايفن نظرة السَّخطِ وساعَدَ في حملِها إلى غرفَتها.
وقال في نفسه:
"انتظرْ أيها المغرور، لم يحِن الوقْتُ بعد، كايا ستلقِنك درْسَاً لنْ تنسَاه أبداً."
33 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.