الفصل الثاني
الفصل الثاني:
نادى جيمُ اللئيمُ متجاهلاً مشاعرَ أمّي وأخِي:
_سيلا، سيلا، أينَ أنتِ، كيفَ تجرؤين على إعادةِ جول وتركها عندَ الباب، لِمََ، لمْ تُدخِليها إلى الإسطَبل أو على الأقل أن تخبريني حتّى.
وراحََ يحاولُ التلصصَ من وراءُ الباب؛ ليراني ظناً منه أنّني في الدّاخل.
قالتْْ أُمِّّي بصدمةٍ شديدةٍ:
_لكنَّ سيلا لم تعدْ يا سيدُ جيم، أشعرُ أنها بخطر، كيفَ عادتْ البقرةُ ولم تعدْ هي.
فاجأ كلَامها جيمُ الذي حملقَ بوجهِها قائِلاً:
_ماذا؟ لمْ تعدْ بَعدْ ! أين هي إذاً؟ ابنتك الغبيّة تلك، يبدو أنّها....
قال هذا بكل قسوةٍ ولم يكملْ ثم لملم نفسه وعادَ إلى بيتهِ، بينما راحتْ أمي تبكي خوفاً ثم تصرخُ:
_سيلا يا حبيبتي، أينَ أنتِ؟ النّجدة يا ناس، النّجدة.
في ذلكَ الوقت، كان زوجُ أمي حينها مخموراً نائماً ولم يهتم لصراخها أمّا بيل فقد خرج راكضاً؛ ليبحث عني.
"أحبّكَ. يا بيل، أعلمُ أنّكَ تحبُّني كثيراً وتشعرُ بالذَّنبْ، لاتقلقْ يا بطلي الصّغير.
اجتمع معظم الجيران على صراخ أمي، وبين محاولات التهدئة وحَثّها على الصبر من البعض، وسخرية البعض الآخر واتهامات غيرهم، كانت المسكينة أمي تكاد أن تجن خوفاً عليّ:
_يا إلهي، احفظها لي، سيلا يا حبيبتي ما الذي جرى لك؟ فليخبرني أحدكم أنها بخير، آخ يا ابنتي.
ثم راحت تتوسل لهم أن يساعدوها بالبحث عني إلا أن القليل منهم من فعل وراح يبحث معها ولكن دون جدوى، أَنا مفقودة، ولا أثر لي.
وزوج أمّي لم يكنْ يهتمُ إلّا لشربه.
وبعد أشهر مضت يئست أمي من البحث والسؤال وقررت أن تسلّم أمرها لله فقالت أخيراً لبيل:
_إن كانت على قيد الحياة ستعود إلينا، ولو ماتت سيبقى قلبي حزيناً عليها إلى الأبد، عليك أن تتابع عملها في رعي الأبقار يا بيل ليس لدينا مصدرُ رزقٍ آخر.
وفعلاً تابع بيل عملي ولكنه كان يعود في وقت مبكرٍ؛ ليتابع دراسته، وأثناء رعيه كان يحاول أن يبحث عني دائماً.
كان يتذكر كلماتي اللطيفة دائماً معه:
"أريدك أن تدرس يا بيل، وأن تصبحَ طبيباً يعالجُ أمنا، هل تسمعني يا أخي؟ سأفتخر بك دائماً."
وفي أحد الأيام كانَ يرعى وراح يكلمني في وهو يبكي:
"آهٍ يا سيلّا، كيف تركتني وطابَ لكِ بُعادي، ألا تريدين رؤيتي وأنا أحققُ حُلمكِ يا حبيبة أخيكِ، أُمُنّا يزدادُ مرضُها أكثرَ وأكثر وتحتاجُ رؤيتكِ؛ لتتعافى، أينَ أنت؟"
فجأةً وصل أحد أبناء الجيران لاهثاً إليه:
_بيل أوصلْ القطيعَ إلى القرية وأسرعْ، أمكَ ليستْ بخير، هيٌا سأساعدكْ.
تفاجأ بكلامِه وقامَ بسرعةٍ وراح يحاول جمعَ القطيع، لكنّ القطيع كانَ يبدو خائفاً حيث تجمع حول بعضهِ البعض وكأنّ قطيعاً من الذئاب سيهاجمه، ولم يفهم بيل حالته، فراح يصرخ بقلقٍ:
_هيا هيا، ما بكم، أمي تحتاجني، لا أريد ضربكم، هيا أرجوكم.
ساعده الفتى وبصعوبةٍ عادوا مع القطيع إلى البيت، أما هناك وعندما وصل، وجد أمه بحالةٍ ميؤوسٍ منها.
_أمّاه، أمّاه، ماذا بك، أرجوك أنا هنا، لا تخافي سأجلب الطبيب فوراً.
اتجه إلى زوج أمي الذي جلس كعادته مخموراً يشرب بطريقةٍ دعت بيل للقرف:
_أبي أرجوك، أمي مريضةٌ جداً، أرجوك يا أبي أرجوك.
رمى ذلك الأب السّيء زجاجةَ الشرب على الأرض، فتكسرت أشلاءًأصابت إحداها يد بيل ونزل دمه ليصرخ بيل:
_لم تكن يوماً أباً، ولم تكن زوجاً صالحاً، أنا أكرهك، أكرهك.
_فلتذهب أنت وأمك إلى الجحيم يا بيل الغبي.
وعاد لسكره، أما بيل فخرح غاضباً قلقاً، بيل ذلك الفتى الذي يقارب الثالثة عشر من عمره ركض ليبحثَ عن الطبيب مارك ليعالج أمي وفي بيتِ الطبيب..
بيل:
_أرجوك أيها الطبيب، أرجوك أمي متعبة.
_هل تمتلك مصاريفَ العلاجِة لها؟
_أرجوك ساعدها، أرجوك، أمي تحتضر، سأتدبر المال لك، لكن عليك مساعدتها.
_اخرج أيها الفتى، لست طبيباً يعمل بالدين، انقلها إلى المشفى، لديَّ عملٌ في عيادتي ومرضاي تنتظرني.
توسل بيل له،ولكن دون جدوى، فعاد مسرعاً وهو يبكي ليطرق باب السيد جيف:
_أرجوك يا سيدي أرجوك أقرضني بعض المال واقطعه من أجرتي من رعيي لجول.
فقال جيم بكلِّ لؤم:
_انصرف بيل، هل تراني مصرفاً خيرياً لك ولأمثالك.
_أرجوك يا سيدي أرجوك.
أمسكه بذراعه ورمى به على الأرض، مسكين أخي بيل لقد سقط على الأرض وهو يبكي منهاراً، لكنّه حاول وراح يطرق باب الجيران المقتدرين، إلا أنه يئس وعاد ليطمئن على أمه التي وجدها متسمِّرةً على سريرها..
_أمي، أمي، لا تخافي سأتدبر الأمر، أمي هل أنت بخير؟ أمي ردي علي.
دخلت الجارة جانا واحتضنته قائلةً:
_للأسف، أمك فارقت الحياة تمنى لها الرحمة يا بني.
نظر إليها غير مصدقٍ، دفعها عنه، أمسك أمي وهزها:
_لا لا لا، إنها نائمة يا خالة، لا، هي مريضةٌ فقط، أمّاه، أمّاه، ردّي علي، كيف ستعود سيلا وأنت لا تنتظرين عودتها يا أمي، أمي أرجوك لا.
ضمته جانا وراحت تبكي على حاله وعلى أمي رفيقة العمر التي فارقت الحياة حزناً عليَّ.
في تلك الليلة اجتمع بعض الجيران لمساندة المسكين بيل ولإتمام إجراءات الدفن، ويقال أنّه في تلك الليلة صوت عويل الذئاب لم يتوقف أبداً ما أفزع أهل القرية فكثرت بعدها الإشاعات عن عائلتي.
بعضهم قال أن أمي ماثا ساحرةٌ شريرة، وبعضهم قال أنني خرجت من البيت بسبب شابٍ عشقته فتخلّيتُ عن أمي، وأما السيد جيم فقد قال ضاحكاً وشاربه الكثيف يرتفع وينزل:
_لقد هربت سيلا خوفاً مني، لأنها تعرف بأنني سأعاقبها، أجل أنا شخص يخيف الجميع، لدي مالٌ كثير.
كل تلك الإشاعات عنّي وعن أمّي تسببت برحيلِ أخي بيل بعدَ مرورِ فترةٍ العزاء عن تلكَ القريةِ إلى الأبد.
ومضتْ أيامٌ ولم أعد، ومصيري مجهولٌ للجميع، لكنّ صوتَ عواءِ الذّئابِ كانَ يتكررُ في تلكَ القريةِ، وفي أحدِ اللّيالي الشّديدةِ الظلامِ، وبينما كانَ أحدُ رجالِ القريةِ عائداً منْ لقائهِ بمعشوقتِه الّتي كانَ يخدَعها، سمعَ صوتاً مُخيفاً قريباً جداً مِنْه وعندما التفتَ إلى الخلف صرخَ بصوتٍ مخنوقٍ، لمْ يستطع أن يتجاوزَ اللّحظةَ.
واستيقظتْ القرية على صراخِ زوجته، لتجدَ زوجَها ودماءَه قد لطّخَتْ الأرضَ
_النجدة، يا ناس،آه يا زوجي، أيّها الناسُ ساعدونَا ساعدونَا، زوجي يمُوت.
هرعَ سكانُ القريةِ خائفينَ باتجاهِ مصدرِ الصَّوتِ؛ ليجدُوا منظراً مرعِباً فالزوجُ المخادعُ قد تهشمَ وجهُه بطريقةٍ مرعبة، وتقطع لحمُ جسَده بطريقةٍ وحشية.
ارتفعت الأصواتُ والهمهماتُ، فهذا يقولُ:
_يا إلهي، ما الذي حدث للرجل.
وأخرُ يقول:
_أحضروا الطبيبَ بسرعةٍ.
وأخرى:
_ما الّذي حدثََ، ومتى؟
قالت زوجتُه بحزنٍ وخوفٍ:
_لقد خرج ليلة البارحة ولم يعدْ، قلقتُ عليه، وانتظرتُه لكنّ النومَ قد غافلَني، وفي الصَّباح لم أجدْه كعادتهِ قربي، فهرعتُأبحث عنه،؛ وأجدَ هذا المنظرِ المخيفِ، لكنّني لاحظتُ آثاراً غريبة، انظروا هناك..
فنظرَ الجميعُ؛ ومنهم جيم الذي صرخ:
_ياللهول، إنّها آثارُ أقدامِ ذئابٍ، أو ربّما..
صاح آخر:مقاطعاً:
_ربما ماذا، لقد وصلَ الطبيبُ.
هنا اقتربتْ الزوجةُ من الطّبيبِ وقدْ تعلّقَ بثوبِها منَ الخلفِ أطفالُها الصِّغارُ، يرتجفون من شده الخوف، فأمسكتْهُِ بسَاعِدِه وطلبتْ مِنه:
_أرجوك،َ أرجوكَ أنقذْ زوجِي، ساعدْهُ أيُّها الطِبيب، لدينا أطفالٌ صغارٌ ولا معيلَ لنا سواهُ.
ارتفعتْ الهمهماتُ ثانيةً فصرخَ جيمُ بهم:
_فليهدأَْ الجميعُ، واتركوا الطّّبيب يقومُ بعملِه.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!