غموض
غموض
جزء 1 من 21
وضع القراءة:

الفصل الأول

رواية غموض:
-الفصل الأول -
_سأقتلك.
_لنرَ قدرتكَ على هذا، هيّا بنا.
أمسَكني من يدي وأنا أحاولَ الهربَ وقرّبَ وجهَهُ منْ وجهي وضرباتُ قلبي بدأت تتزايد.
لم أكن أعلم لماذا، لم يكن حبَّاً فأنا لا أؤمنـ بالحبِ، لكنني كلما اقتربت منهـ أشعرُ بعاطفةٍ تكادُ تودي بكلِِ قوتي.
حدثتُا نفسي:
"اهدأي لاتضعفي، إنه خبيثٌ يحاولُ المراوغة لينالَ منكِ ياغبية."
صرخَ بي:
_منْ أنتِ؟ ما قصَّتُكِ؟
سألني هذا وأنا أشيحُ وجهي عنْه؛ لأنزعَ يدي بقوة فضربتُ الأرضَ بصولجاني، ما جعلهُ يرتدُّ إلى الخلفِ وراحَ يردُّ عليَّ بقواهِ التي لم أعرفْ كيفَ حصلَ عليها فتىً بهذا العمرِ أصلاً.
وجه يديه باتجاهي وصرخ:
_نااار، لن تستطيعي تحملَّ ناري يا فاتنة.
قفزتُ ووجهتُ مخالبي نحوهُ وأجبته:
_أنتَ مغرورٌ جداً، سأحطمكْ.
_سنرى كيف ستُرغَمين على الرضوخ.
_ تبدو أنْفُكَ أطولَ من عنقكََ أيُّها الأخرقُ.
_بل يبدو لسانُكِ أطولَ من جسمكِ أيتها الذئبة المستشرسةُ، سأقتلك وجميعُ قطيعك، فتهيأي.
_حلمُكَ أحمقٌ.
قلت هذا وقفزتُ لأهجمَ عليه وبدأتُ معَهـ عرَاكاً قويّاً تخلّلته مبارزةٌ شديدةٌ، وبين ارتفاعٍ وانخفاضٍ، تقدّمٍ وتراجعٍ، كانَ قويّاً جِداً.
لكنّ عينينا كانتا أشدَّ مبارزةً منَّا، فكلانا كان يخفي مشاعرُه عن الأخر، لكنّني تجاهلتُ مشاعري، وصرختُ به:
_توقَّف، هيا قبل أنْ تنتهِ في سجني.
قلت بثقةٍ كبيرةٍ، ولم أكنْ أعلمُ معنىً لتلك المشاعرِ المتقدةِ والمتضاربةِ في داخلي:
_ سأحطّمُ رأسَكِ الغبي، وغُرورَكِ الأحمق.
فارتفع فجأةً إلى أعلى وراحَ يمد يديه لينفث ناراً قوية كادتْ أنْ تحرِقني.
قاومتُه لكنَّه ضربني ضربةً قويةً أسقطتني، لدرجةٍ شعرتُ بأنني سأغيبُ عنِ الوعي، تلكَ الضربةُ أعادتني إلى واقعي السّابق، فمرَّت بيَ الذكرياتُ سريعاً، تذكرتُ كلَّ شيء...
والغريبُ أنّه نزل إلي وأنا ألهثُ بشدةٍ. وافترضتُ أنه سيقتُلني ولكنه بدلاّ من ذلك راحَ ينظرُ إليّ بحبٍ سرقتُه من عينيهِ قبلَ أن أفقدَ وعيي وراحَ يقول:
_من أنتِ؟ عليَّ قتلكِ الآنَ ولا أستطيع، أنتِ عدوَّتي، لكنْ ما الذي يحدثُ لي، أنا لا أفهمْ شيئاً، لماذا أشعرُ بأنّه عليَّ مساعدتَك؟
كانت تلك كلماتُه عندما أعادني ذلك الارتطامُ وتلك الضربةُ القويّةُ على رأسي إلى الوراء.. ذكرياتي... حياتي السّابقة، لمْ أعُدْ أسمعُ صوتَهُ إلا كحفيفِ الأشجارِ الّذي حركتُه نسماتٌ عليلةٌ.
.
.
.
.
كانَ ذلكَ في أحدِ الأيامِ وأنا أتجهُ باتجاهِ البيتِ، بعد أن قررتُ العودة وقد كانت شمسُ المغيبِ تودِّعُ تفاصيلَ ذلكَ اليومِ.
رحتُ أمشي وأمشي وأهشُّ بعصاي التي كنت أشعرُ دوماً أنّها أطولُ منِي، وأنادي على تلكَ الأبقارِ وأغنّي أغنيةً اعتدتُ ترديدها، حينذاك قررتُ أن أحصي تلك الأبقار، فوجدت أن عددها قد نَقُصَ واحدةً.
صرختُ ورحتـ أتكلم مع نفسي بقلقٍ:
"يا إلهي! البقرةُ جول قدٰ تاهتْ عنِ القطيعِ علي العثورُ عليها، فصاحبُها سيوبِخُني وقد يتسببُ بإنهاءِ عملي في رعيِ أبقارِ القريةِ، عليَّ أن أُسرعَ، فهذا مصدرُ رزقي الوحيد كي أساعدَ أمّي في شراءِ دوائها."
صَفرَتُ مُستخدمةً يدي وشفتي التي ضممتُها وشهقت لإعلانِ تلك الصّفرة التي ملأتٰ المكانََ ضجيجاً، ليسمعَني أخي الأصغرَ بيل فيركضََ باتجاهِ الصوتِ، حسبَ اتفاقٍ سابقٍ بيننا.
وعندما وصلَ بيل لاهثاً سألني:
_ماذا هناكَ يا أختي؟ هلْ من خطبٍ؟
_أهلاً حبيبي بيلْ، قُدْ القطيع وأوصله إلى أصحابِه وما هي إلا لحظاتٍ وسألحقُ بكَ مع جول.
_لا بأسْ، لكنْ هل أساعدكِ؟
_لا، لا، توجَّه بسرعةٍ إلى القريةِ حتّى لا يقلق أصحابُ الأبقارِ، أعتمدُ عليكَ بيلي، أخبرْ السيدَ جيم بأنَّ جول ستكونـ بخير، اتفقنا.
_حسناً، اعتمدي عليٌَ، إلى اللقاء.
_بأمانِ الله وحفظِه، انتبه لنفسكَ وللأبقارِ يا بيل أرجوكْ، أعتمدُ عليكَ_ يا بطلي.
_لا تقلقي سِيلّا.
ودعتُّهُ واتجهتُ وسطَ الظلامِ الذي بدأ يزدادُ بعد أن ابتعدتُ عنه ورحتـ أصرخُ مناديةً:
_جول، جول، أين أنتُ أيتها البقرة الشقية، تعالي هنا، أن أعلمُ أنَّكِ قريبةٌ، لقد تأخرَ الوقتـ، هيا جول.
ضحكتُ وقلتُ بغباءٍ: -هاهي البقرةُ جول تركضُ نحوي وتقولُ بعد إصدارٍ صوتِها:
_أنا أسفة سيلا، لقد شعرتـ بالعطشِ فرحتُ أبحثُ عن نبعِ ماءٍ، فتهت عنكم، سامحيني.
_حسناً لا تكرري ذلك مرةً أخرى.
وبينما توقفَ خيالي، رحتُ أبحثُ وأحدثُ نفسي تارةً، أنادي على جول تارةً أخرى، كما رحتُ أنظرُ بدهشةٍ إلى منظرِ ذلكَ القمرِ الّذي بدا في تلكَ اللحظةِ غريبَ الشكلِ، وراحَ يتغيرُ لونُه مائلاً للإحمرار شيئاً فشيئاً، وتلبدّتْ حولهُ بعضُ الغيومِ.
وفجأةً شعرتُ بأنَّ يداً وُضِعَتْ على كتفي، فتوقفتُ متجمدةً من شدةِ الخوفِ وقلتُ:
"هل هذا أنت بيل؟ هل عدتَ؛ لتصحبنَي بهذهِ السرعة، هل شعرت بتأخري أم ماذا."
وبينما رحت ألتفتُ إلى الوراءِ، شهقْتُ شهقةً كبيرةً ممزوجةً بدهشةٍ أكبر.
أما هناكَ في القرية، كان السيدُ جيم يقفُ غاضباً برفقةِ بيل وأمي التي راحتٰ تعتذرُ له نيابةً عني:
_لا تقلقْ يا سيدي، لابدَّ أنّ جولَ قد تاهت عنُ القطيع، ستعودُ حتماً بعد أن تجدَها ابنتي سيلا، أنتَ تعلمُ أنّ سيلا تحرصُ على القطيعِ أكثرَ مِنْ أصحابُهِ حتّى.
_اصمتي ماثا، تأخرها يعني أنّها لم تجدْ جول حتّى الآن،ْ سأصبرها لمدةِ ساعة، وإن لم تجدها سيكون لي تصرفٌ آخرَ معكما ومعها، هيا انصرُفَا.
حاولتْ أمي ضبطَ نفسِها قائلةً:
_حسناً سيدي، أمرك، كما تريد.
وبينما كانتْ تغادرُ مع أخي راحتْ تحدِثه بقلق:
_تباً له، يقلقُ لأمرِ ِبقرته أما أنا فقد وقعَ قلبي من شدةِ الخوفُ، لتأخرُ أختكَ.
أخشى أن يكون قد حدث لها أمرٌ ما، لماذا تأخرتْ حتى الآن، يا إلهي احفظْها لي.
بيل:
_لا تخافي يا أمي، سوفَ تعود.
_يكاد قلبي يسقط من مكانه يابيل.
مرت ساعاتٌ طويلةٌ جداً، ولم أعدَ وكان الأمر مقلقاً جداً لعائلتي.
أمي بقلقٍ عندما رآت زوجها:
_لم تعدْ ابنتي بعدُ وقلبي لم يعدْ يتحملُ هذا، ترى ماذا حصلَ لها؟ عليك أن تبحثَ عنها يا زوجي العزيز، أرجوك.
لم يكنْ زوجَ أمّي هو والدُنا الحقيقي، ولم يهتمَ بنَا يوماً، ولم يكنْ يهمه إلا المشروب، حتى أنّ أمرَ تأخرّي لم يحركٰ بهِ شعوراً، حيث قالَ لها باستهتارٍ لأمي:
_أين ستذهبُ، كعادتها حشريةٌ، ستعودُ بعدَ أن تنتهيَ من قصتها الجديدة، هيا أحضري لي زجاجةَ المشروب.
_تباً لقلبك الأسود، أريدُ ابنتي، أريدُ ابتتي.
وراحتْ تبكي بقهرٍ أقلق بيل الذي لم يكن يستطع فعلَ شيءٍ إلا لومَ نفسِه:
_أنا من فعلَ هذا يا أمي، أنا السّبب، كيف تركتها وحيدةً وسطَ ذلكَ الظلامِ، كم أنا غبيٌّ! سأبحثُ عنها في الصباحِ الباكرِ ولن أعودَ بدونها.
_لا يا ولدي، ليسَ لك ذنب، إهدأ حبيبي.
_لا أدري لماذا أشعر بالخوف هذه المرة.
_وأنا أيضاً.
احتضنته وراحتْ تبكي، وتنظرُ بازدراءٍ لزوجها الذي نام على سريرهِ بملابسهِ، وزجاجةُ المشروبِ التي لا زالت بيدهِ وكذلكَ حذاؤُه المتسخُ بالوحلِ.
ورغم كل القلقِ والخوفِ والسهرِ إلّّا أنّ النومَ قد غافلَ أمي من شدةِ التعب والبكاء.
وفي الصباحِ، استيقَظتْٰ على صوتِ السيدِ جيم، ذلك الشخصُ اللئيمُ البخيلُ، وهو يطرقُ البابَ غاضباً منادياً عليَّ:
_أين أنت سيلا الحمقاء، سيكون عقابُك مضاعفاً.
هلعت أمي وبيل بسرعةٍ إلى الباب وهي تنادي:
_لا أدري كيف غفوت، يبدو أنّ أختك قد عادت ، الشّـكرـ لله يابيلي.
ورَكَضَا؛ لفتحُ البابِ فتفاجأا بجيم، وهو يهددُ بغضبٍ أظهرَ تلك التجاعيدَ ما بين حاجبيه بوضوحٍ:
_أين هي تلك الحمقاءـ سيلا، لماذا لمْ تخرجْْ؛ لتكلمني.
73 قراءة
2 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.