الفصل الثالث
الفصل الثالث:
تقدّمَ الطبيبُ ماركُ، وتفحصّه وهو يلفظُ أنفاثَه الأخيرة، ويشيرُ إلى بيتِ ماثا بأنفاسٍ متقطعةٍ وسطَ ذهولِ الجميعِ ثمّ شرحَ الطّبيبّ وعويلُ الزوجةٍ يملأُ المكانَ ونساءـ الحي تحاولنَ تهدئتها دونَ جدوى:
_يبدو أنّه قد تعرضَ لهجومِ كائنٍ يمتلك مخالب، ربما هو وحشٌ بريٌٌ، الحالة التي يبدو عليها، تظهر أن من هاجمه ليس إنساناً.
عاودَ الرجُل الإشارةَ بإصبعهِ إلى بيتِ أمٌي ثمَ شهقَ بقوةٍ ولفظ أنفَاسَهُ الأخيرة، ثم فارق الحياة.
جن جنون الزوجة، ربما لو علمت أين كان ذلك الزوج لما فعلت ما فعلته من صراخ ونواح..
وما زادَ قلقَ الجميعِ تلكَ الإشارةُ الَّتي وضعتْ على جبينه وهي شكل آثار مخالب ذئب مرسوم بالدم، فصرخت الزوجة مكلومةً:
_يا ويلي، لقد قتلته، لقد كان يشير إلى بيت ماثا، لابد أن روحها الشِّريرةَ هي الَّتي هاجمتْهُ..
قالتْ هذا، وبدأتْ تصرخُ وتصرخُ مفجوعةً بموتِ زوجِها، فهجمَ الناسُ على بيتِنا وقاموا برمي الحجارةُ عليه، والمضحكُ أنّ زوجََ أمي لم يحركْ ساكناً، لابدَّ أنَّه كعادتِهِ نائمٌ مخمور.
لكنَّ الإشاعاتِ راحتْ تنتشرُ عَنْ مَاثا وعائلتها، وعواءُ الذئابِ يزدادُ ويزدادُ والناسُ بدأتْ تخافُ الخروجَ بعدَ الغروبِ وخاصةً وقتَ اكتمالُ القمرِ.
ثرثرتْ نساءُ الحيِّ ورجَالُه وألًفْوا الحَكايا..
"ماثا السَّاحرةُ الشِّريرةُ تنتقمُ لضياعِ ابنتها، وموتِها.
"علينا طردُ ذلكَ اللعينِ زوجِها فوراً.
"لابدَّ أنَّهُ يعرفُ شيئا عمَّا يحدث.
"اختفاءُ ابنها يعني هروبهِ حتّى لا نكتشَفَ حقيقةَ السِّحرِ والشَّعوذةِ الَّتي وصَلْوا إليها.
زادتْ الأقاويلُ والأشاعاتُ ودبَّ الرُّعبُ في نفوسِ البشرِ في قريتي رغمَ أنَّهمْ لم يعلَموا حقيقةًَ اختفائي.
كَثُرَ الخوفُ في قلوبهم وخاصةً ضعاف النفوسِ منهم، فقد كثرتْ أصواتِ الذئابِ حول القريةِ وزادتْ حالاتُ القتلِ الغامضة الأسباب ودبَّ الرُّعب.
في تلكَ الأثناءِ، كنتُ أنا سَجينةَ قفصٍ حديديٍّ بعد أن اختطفَنِي ذلكَ الشَّاب المستذئبُ االّذي فاجأني عندمَا التفتُ ورأيتُه، كانَ منظرُه مرْعِباً جِدّاً.
يومها أمسَكَني بيدي وشعرتُ بمخالبهِ تغْرِزُ في يديَّ:
رحت أسألُه بخوفٍ:
_منْ أنتَ وماذا تريدُ مني؟
كان يلهثُ كذئبٍ مسعورٍ، عندما قال بكلِّ ثقةٍ:
_جئتُ لأخذكِ معي.
عندها ارتجفتٍ مفاصِلي من شدةِ الخوفِ:
_ماذا ماذا، إلى أين ستأخذني ولماذا؟ أرجوك لديّ أمي المريضة وأخي الصّغير بحاجة لي.
_كفِّي، ليسَ لدي إجابةٌ الآنَ، ستعرفينَ كلَّ شيءٍ لاحقاً.
_أتوسلُ إليكَ، ماذا تريد مني؟
_كنا نراقبك منذُ مدة، وتوضحَّ لنا أنك الشّخصُ المناسبُ للمهمةِ.
_تراقبونني أنا! وعنْ أيَّة مهمةٍ تتَحدَّث؟
كنتـ أحدِّثهُ وقلبي يرتَجفُ وعينايَ تحاولان الابتعاد عن شكله المخيف، لقد كان شبيه الذئب تقريباً.
_مهمة استلامِ القطيع.
_ماذا؟ قطيع! أي قطيع، ماذا، ماذا تقولُ؟ أنا لا أفهمُك أبداً.
_سيشرحُ لكِ القائدو جاك كل شيء.
_ومَنُ هو جاكٌُ هذا؟
كنتُ أنظرُ إليهِ باستغرابٍ وخوفٍ، وفي نفسِ الوقت، كنت أشعرُ بارتياحٍ لمْ أفهمْ سبَبَه.
نظرَ إليَّ واقتربَ منِّي ثمَّ قامَ بعَضِّي مِنْ رقبَتِي فصرختُ بعلوِّ صَوتِي وأغميَ عليَّ ولم أصحوَ إلَّا هُنا في هَذا القفصِ، خائفةً وحيدةً.
ذلكَ الشابُ كانَ اسمهُ (ديف) تعرَّفْتُ على إسمهِ فيما بعدْ عندما صَحوتُ على كلماتِه:
ديف:
_بماذا تشعرينَ الآن؟
نظرت إليه وأنا أشعُرـ بشيءٍ غريبٍ في جِسمِي، تغيراتٌ لم أعرفْ لماذا تحدُثُ معي، فقلت له:
_ما الَّذي فعلتْه بيَ، ماذا يحدثُ لي؟
_من الطبيعيٌِ ما يحدثُ معَكِ، أنتِ الآنَ في طورِ التَّحولِ.
_تحَوُّلْ! ماذا تقصدْ ومنْ أنتَ؟ وماذا تريدُ منِّي؟ أرجوكَ دعني أذهب إلى عائلتي، أمي مريضةٌ جداً وتحتاجُ الدَّواء.
_للأسفْ، أمرُكِ الآن لم يعدْ مِلكُكِ.
صرتُ أصرخُ وأنا أمسِكُ القضبانَ الحديديَّةَ وأضربُ عليها:
_النّجدَة، النّجدة، أرجوكمْ ساعدونِي يا ناس، ياناس، هل يسمعني أحدكم؟
كانَ يبتسمُ _وهو يراقِبُ تصرُفاتي_ رحتُ ألهثُ وألهثـ كما لو أنّني ذئبةٌ، لمْ أكنْ أعرفُ ما يحدثُ لي؛ لأكتشفَ لاحقاً أن الغضبَ يعجِّلُ في تحَوُّلِي إلى مستذئبةٍ مثلهم، ومع الوقتِ نَمتْ مخالِبي، وكبرتْ أُذنَاي وطالَ شعرُ وجهي فأصبحتُ أشبه الذئاب.
لا أعلم حتى صوتِي أصبحَ مختلفاً، فرحتُ أصرخُ وحتى.صوتِي أصبحَ يشبهُ العِواءَ.
_أرجوكَ يا هذا، أريدُ أن أعودَ كما كُنتْ.
_للأسف لم يعد هذا ممكناً، وغداً مساءً موعدُ اكتمالُ القمرِ، كوني جاهزة سيتِمُّ تتويجَكِ كرئيسةِ لقطيعِ المستذئبين.
_يا إلهي، لماذا؟ لماذا أنا، لماذا؟ أخرجْنِي منْ هُنا أخرجنْي.
رحتُ أبكي وأصرخُ وأشتُمُ، لكنّ ديفِ تركني واتجَهَ مُبتعِداً عنِّي.
ناديته:
_هيه، هيه، تعالَ واشرحْ لي، متى سأعودُ كما كنت، أريدُ أنْ أفهم.
أشاحَ بيدهِ إلى أعلَى مُستَهزِءاً بمشاعري،
فسقطتُ على الأرضِ وأنا منهارةٌ تماماً وفاقدةٌ لأيِّ قدرةٍ على التَّحمُّل.
كانتْ أسوأ ليلةٍ قضيتُها على الإطلاقِ، ولم تمضِ عليَّّ بسهولةٍ، وفي اليومِ التالي وصلَ أحدُهمْ وشكلُه يشبهُ الأخرَ نصفهُ بشرٌ ونصفهُ ذئبٌ، سمعتُ ديف الذي تبعه فوراً يكلمه:
_سيد جاك، انتظرْ، هناك أمرٌ عليكَ الاهتمام به.
_حسناً ستخبرُنِي بهِ بعدَ أنْ أحدِّثَ الفتاةَ.
_حسَناً.
اقتربَ مني ونظرَ إليَّ وطلبَ مني الوقوف:
_قفي وتصرفي كما كنا نراكِ عليهِ سابقاً، قويّةً جريئةٌ، أنتِ الآن رئيستُنا وسيتمٌُ اليومَ تتويجُكِ، ومسؤوليتك ليستْ سَهلةً أبداً.
_لكن،ْ لكنْ، من أنتم ، ماذا فعلتُ لكم؟ أقسمُ أنَّني لمْ أؤذِ أحداً، لماذا، لماذا أنا؟
_لقد ولدتك أمُّك في ليلةِ ظهورِ القمرِ الدَّمويِ، وتحققتِ النبوءةُ بولادةِ الطِّفلةِ الّتي ستصبحُ منقذةَ الذئابِ، المحاربةُ الأعظمُ في كلِّ العالمِ، مَهمْتُها هي إنقاذُ المستذئبينَ مِنْ أعدَائِهم.
_ماذا؟ هل تقصدني أنا؟ ومنْ هم أعدَائـكم؟
_اهدأي ستعلمينَ كل شيءٍ بالتفصيل بعدَ تتويجكُ، وستكونُ هذهِ مَهَمتي أنا.
لا أدري لما شعرتُ للحظةٍ بالإطمئنان، وبعدَ قليلٍ أخرجنِي ديفُ مِنَ القفصِ وقالَ لجاك::
_لقد حانتِ السَّاعة، هيَّا بِنا.
_جيدٌ ، علينَا أن لا نتأخرَ.
وتوجها بي سيراً على الأقدامِ بمرافقةِ مجموعةٍ أخرى منهم إلى ما أسموهُ بمكانِ التتويجِ، وفي الطريقِ إلى هناكَ رحتـ أتوسل إليهما:
_أرجوكُما، دعوني وشَأني، لدي أمٌ مريضة وأخ يحتاجني، أرجوكما.
فقال ديف:
_اهدأي، لا تصدري أيّة أصوات، ستجعلينَ القطيعَ يغضب.
عندما سمعتُ كلمةَ قطيعٍ، شعرتُ بالخوفِ من كلامهِ وخاصةً عندَما نظرَ إليّ جاك وهو يهزُّ رأسَه مؤكِداً.
وما هي إلا دقائقٌ قليلةٌ حتّى وصلنا المكان غايتَهم، لقد كانَت المنطقةُ جبلية، اجتمع فيها العشراتُ منهم، كان منظرَهم مرعِباً.
قالَ جاكُ وهو ينظرُ إلي مشجِعاً:
_جهِّطزي نفسك.
توسلتُ له:
_لو سمحتْ توُّجْ غيري، لستُ مناسبةً لهذه المهمة.
_لقد خرج الأمرُ من يدك ويدنا، إنهُ قدرك.
حاولتُ أنْ أغافلَهم عندَما فكَّ ديفُ قيودِيَ، لكنّّ جاك لحقَ بي وكان يركضُ كما لو كانَ ذئبٌ على أربعٍ ثم أمسكَ بي، وقام بحقني وهو يهمِسُ لي:
_آسِفٌ، لكنّها الآوامرُ، حسبَ النبوءةِ.
فقدتُ تركيزي ثم غبتُ عنِ الوعي؛ لأستيقظَ وقد تحولَّ شكلي إلى شخصٍ يُشبهُهم تماماً.
وقد نسيتُ كل شيءٍ، ووجدتُ نفسي أقف بين ديف وجاك وهما يمسكانِ بي من يدي؛ ليمنَعا هروبي.
لكنّوني رحتُ أنظرُ إلى الرجلِ العجوزِ بينهم والذي وقفَ أمامي وكان يمسكُ صولجاناً بيدٍ وتاجاً بيدٍ آخرى، وفجأةً ارتفعتْ تلك القلادة التي وُضِعتْ في عنقي منذ الصِّغَر واتجهتْ باتجاهِ القمرِ وراحتْ تُشعُّ بقوةٍ غريبةٍ.
فسألتُ ديفَ بخوف:
_ماذا يحصل؟ مابها قلادتي، لقد حملتها منذ صِغري، أُمِّي هي من أهدتْنِي إيَّاها، إنّها تخصُ أمّي دعُوهَا وشَأنَها.
_إنه وقتُ تتويجِك، مباركٌ، نعلمُ بأنَّكِ قوية، وعلى قدرِ المسؤولية.
_مسؤوليّة!
_أجل سأشرحُ لكِ في الوقتِ المناسبِ يا مَولاتِي.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!