الفصل25
الفصل25:
في ذلك اليوم قررَّ الناسُ قبولَ ما يقولُه توماس لهُم وتخلَّوا عن مجوهراتِ نسائهم جميعها.ووعدهم توماس بأنه سيتقذهم، وراح الناس يهتفون باسمه:
_عاش الشيخ توماس، عاش، عاش.
سيطرَ توماس على عقولِ النَّاسِ و أموالهم وراح يَسِنُّ ويشرِّعُ كما يريدُ وانتشَرَ الظَّلام في تلك البلدة وتغيرَتْ نفوسُ النَّاسِ.
أما بالعودة إليّ ولسايفن، لم أكن أعلمُ لماذا شعرتُ بالقلقِ الكبيرِ، بعدَ أنْ رأيتُ في منامي بأنَّ أمِّي بخَطَرٍ وتستغيثُ وتنادي عليّ، فاستيقظتُ هلعَةً.
سايفن:
_ما بكْ؟
_لقد رأيتُ كابوساً.
_ الكابوسُ ما نعيشُه الآن، تبَّاً لما يحْصُل.
_أتعلمْ، علينا الخروجُ من هنا قبْلَ أنْ نموتَ جُوعاً وعطَشاً أَقلُّها.
_اللعنَة، كيفَ سنخرُجُ؟
_أشعرُ بالبردِ ولا غطاءَ هُنا، ترى هل سنموتُ هنا؟
_هل ستنتهي قصةُ سايفن وعدّوته سيلا هكذا في حفرة لا مفرَّ منها؟
_لكنّ الحربَ مستمرةٌ بين قطيعي وجيشِك.
صمتْنا كِلانا ونحنُ ننظُر في عيني بعضِنا، حتّى عاودتُ السؤال:
_لو مُتنَا هنا، هل سينتهي الخلافُ بينهم؟
غضِب سايفن وراحَ يصرخُ بقوة:
_لاااااا، لاااااا لنْ أموتَ في حفرةٍ، أنا سايفن، هل يسمعني أحد، هيييه يا ناس، هل من أحدٍ هناك.
حاول أن يجرِّب قِواه، لكنّه باء بالفشل، فزجرْتُه قائلةً:
_اجلسْ سايفن ، واهدأْ يجب أن نفكر بطريقةٍ للخروج.
_أمرٌ مضحِكٌٌ جداً، كيف هذا؟ أنا وعدوتي معاً، ونخطِطُ للنجاة من هذه الحفرة الغريبة حيث لا سماءَ ولا طريقَ يظهر فيها، ماذا يعني كل هذا، أكادُ أجن.
_تخيل أن أحدنا يستطيع قتل الأخر وينتصر عليه الآن، لكنه سيبقى حبيس هذا المكان وربما يلحق بعدوه، أمرٌ مضحكٌ جدا.
راح سايفن يصرخ ويحاول طلب النجدة، وأنا إنظر إليه، لا أدري لماذا شعرت للمرة الأولى أنه يمتلك قلب انسان، فهو خائفٌ، متوترٌ يطلب المساعدة، ولم يعد ذلك السّافل الذي قتل قطيعي بحيلهِ الماكرة.
التفت إلي ثم قال:
_أي شخصٍ أنتِ، افعلي شيئاً، علينا أن نخرجَ من هنا.
_ وماذا بيدي؟ لقد فقدت قواي مثلك، ولا أدري ما السبب.
فجأة نادى عليَّ سايفن:
_هييه، انظري هناك مصدرٌ ضوء هناك، تعالي.
تسلل الأمل إلى قلبي فجأة، ولكن هناك شيء أوقفني فقلت لسايفن:
_هل أنت متأكد؟ ربما يوقعنا التسرع إلى المجهول.
_أفضل من أن نبقى هنا لنموت ببطء.
_ربما أنت على حق، هيا بنا.
توجهنا بحذرٍ وقلق وكلانا لا يثق بالآخر والخوف متسلل إلى قلبينا، لكننا نرفض أن نظهره لبعضنا، حتى وصلنا إلى فتحة الضوء، شعرت بقوة ويبدو أننا فقدنا الوعي بعد ذلك فوراً.
سايفن:
_استيقظي، لقد خرجنا من الحفرة.
فتحت عيناي ونظرت بصعوبة:
_حقاً، ولكن كيف وصلنا إلى هنا؟
_لا أعلم، لكننا خرجنا، لنفترق هنا.
_نعم أجل.
افترقنا ومشى كل منا باتجاه مخالف للأخر، لكن الغريب أنّه كلما ابتعدنا مسافة من الزمن نعود لنلتقي في نفس المكان.
اعتقدته يحاول اللعب معي فسألته:
_هل تسخر مني؟ لمَ تلاحقني.
_تباً لك، ولما سأفعل هذا سيلا، لمْ أعرف كيف تخلصت منك.
_أقسم أننا تورطنا أكثر، ما الذي يحدث؟
_أنا لا أجد أيّ تفسير لما يحصل.
_سأقترح بقائنا معاً رغم عدم رضانا بهذا.
_تباً لما يحصل، سأضطر للبقاء مع ألد أعدائي.
_لا تظن أني سعيدة بوجودي معك لكن لا خيار لي حتى نخرج من هنا.
جلسنا في مكاننا محتاريَن، ننتظر وقوع معجزةٍ تخرجنا من هنا أو قدوم حتفنا معاً.
حالتنا النفسية بدأت تخرج عن السيطرة، لدرجة أنني اكتشفت أن سايفن بدون قوى عاد كالطفل الصغير الذي ضاعت أمه..
سايفن:
_سأقتل نفسي، أرفض أن أضيع في اللاشيء.
_ما هذا الضعف؟ علينا أن نصبر.
فجأة ارتجفت يداه، وجلس وبدأ يتحدث بطريقة فاجأتني:
_كنت صبياً مدللاً، يحب الحياة، لا دخل لي في الحرب ولا مآربها.
نظرت إليه بغرابةٍ ثم قلت له:
_لقد كنت أنا صبيّةً صغيرةً، راعيةً للبقر، لا دخل لي بأي حروب، كنت أحب أبقاري وأعتني بها، كنت أحبُّ الحياة.
_أنا، أنا....
_ تحدث.
_لقد تزوج أبي بسيدة من مصاصي الذئاب، أحبها بشدة وخان حبَّ أمي، فتحولت حياتنا إلى دمار.
_كيف هذا؟!
_لقد قَتَلَتْ أمي، عضّتْ أبي وحولتْه إلى مصاصِ دماء، ثم حبستني، وبدأتْ تقوم بتعذيبي وتحريضي حتى فهمت من تكونٌ وماذا تريد، ومع الزمن حولتنِي لرجُلِ حربٍ يسمع أوامرها، جعلتني أنضم لمجموعات قاتلة تعادي المستذئبين.
_نحن؟ ولكنْ لماذا؟
_هي تحقد عليكم لأن أحدكم أحبته بجنون، لكنه تخلى عنها.
_ما اسمه؟ ومن يكون؟
_لا أتذكر، لكنه مستذئب بشري.
_غريبة قصتك، لم أتخيل يوماً أن تجمعنا الصدفة حتى ببعض التفاصيل، لنكون ضحية مجتمع غريب فرضته الأيام علينا.
حدّٕثته عن أمي ماثا، وعن أخي الذي فقدته، وعن زجِّي بعالمِ المستذئبين، لكنني لم أخاطر بالحديث عني أكثر، فهو لا يزال عدوي.
عاودَ السرد:
_كبرت على الحقد والكره والحرب، جعلتني قائداً لهم، وليس لديهِ همٌّ إلا قتلكُم جميعاً.
_تباً لكم.
_ لقد كنتم سبب خرابِ حياتي.
_أيّـها الغبيُّ، لقد قلت زوجة أبيك منذ قليل، أم أنك تهذي؟
هجمَ عليَّ وراحَ يضرِب فصرْت أردُّ الضرباتِ عني..
_حقيرةٌ دمَّرتي كلَّ شيء.
_أيُّهَا الوغد ستندم، حقاً من يثقُ بعدُوه أحمقٌ كبير.
ضربنَا بعضَنا حتى هلَكنا وسقطنا على الأرضِ، حتى وجدتُ نفسي قد هدأتُ فقلت له:
_أتعلمْ؟ ربما وُضِعْنا هنا لغايةٍ ربانِيّة، ربما يريدنا الّله أنْ نفهمَ أن الحربَ نهايَتها الضياعُ لكلّ الأطراف.
نظر إلي باقتتاعٍ:
_رُبما.
_عنادُك وغروركَ ضعهُ هنا في هذا المكان، وتعال نصلحُ ما فعلناه بشعبينا.
_هل تعتقدين أنني سأضحي بكرامةِ قومي من أجلِ حفرة، أيُّ غباءٍ تتلفظين به؟
_اللعنَةُ عليكَ.
راح يتخبطُ مرةً ثمَّ يسردُ لي عن حياتِه وهو طفل وعن أمِّه، وعن حياته بعد مقتلها ففهمت أنه كانَ طيِّباً ولكنَّ الظروف هي من أوصَلتْه هنا كما حصَل معي.
بعد أنْ أكلنا من أوراقِ الشَّجر التي كانت تحيط المكان شعرتُ بالنعاس وفقدتُ الوعي فجأة.
وعندما استيقظت وجدتُه يحاول أن يسرقَ قلادتي، فدفعتُه إلى الخلف وصرخت:
_أيهَا الوغٍدُ الخائن، لقد صدقْت أنَّك لن تغدرَ بي لأنّنا بنفسِ الورطة، ولكن يبدو أنَّك لنْ تُبَدِلَ جِلدَك.
ضحكَ بصوتٍ عالٍ:
_حمقاءٌ ساذجة، كيف تصدقين أن سايفن سيقبل بك صديقة أو رفيقة درب، هيا هاتي القلادة هي التي ستخرجنا من هنا.
_خسئت، لنْ تستطيعَ نزعها.
_هجم عليَّ؛ لينزعها بالقوة ولكنْ وفجأة أشعَّت بقوةٍ وملأ الضوء المكان؛ لأصحوَ فأجدَ نفسي ملقاة على الأرض ورأسي يؤلمني وسايفن ملقىً بعيداً عنِّي وفاقداً لوعيه..
"يا إلهي ما الذي يحدث إننا في نفس المكان الذي، هل يعقل، هل كان حلماً، ولم تكن هناك أية حفرة، رباه ما الذي يحدث."
وبعد وقت قصير اهتز سايفن وراح يئن وهو يصرخ:
_أيتها الحقيرة سيلا، سوف أقتلك تجهزي.
تأكدت أنني كنت أحلم حلماً غريباً وطويلاً، وخاصةً بعد أن شعرت بأن قوانا لا تزال ملكنا.
وبينما أحاولُ الوقوف وقع ناظري على سايفن وهو يتواصل مع أحدهم ويقول له:
_تباً لها، لم أستطع الحصولَ على قلادتها، إنها معلقة بطريقةٍ غريبة برقبتها، رغم كل ما أوهمتها به من سقوطِنا بالحفرة وورطتنا المشتركة إلا أنها كانت ذكيَّةً جداً.
صمَتَ قليلاً وأنا رُحت أمثلُّ أنني نائمةٌ مجدداً، لكنّهُ عاودَ الكلام:
_قلت لك دعني أقتلها فوراً لكنك لم توافق، حسناً الآن خطتنا لم تنجح في أخذ تلك القوة، أنت تعلم أنَّنَا بحاجتُها وجِداً.
تسللتُ بسرعةٍ دون أنْ ينتبه، وقرَّرْت الفرارَ والعودة لاحقاً، ولكنني سمعتُ صوته ينادي:
_توقفي، توقفي.
نظرتُ إليه وأنا أحاولُ الهربَ:.
_وغدٌ سافِل، ستندم.
ضحكَ بصوتٍ عالٍ وراح يتمتمُ:
_ربما لم أحصلْ على القلادَة لكننَي حصلتُ على قلبكُ يا مسكينة.
لمْ أفهمْ ما يقصدْ لكنّ طاقة غريبَة تسللتْ إلى داخلي.
"ما الَّذي يحدثُ لي، عليّ أن أعودَ إلى قطيعِ المستذئبين، حتى أتطمَئنَ عليهم، أخشى أن يكونوا في مأزق، وأتمنى أن يسامحوني."
وصلت إلى كهف ودخلته، رجوت أن أجد الراحة والأمان لعدة ساعاتٍ قبل أن أواصلَ السير إلى قطيعي، فقد أحصُل على قسطٍ من النوم، لكن أفكاري بدأت تتضارب:
"هل حقا جينيفي كانت مجردُ وهم، ولكنْ لماذا، ولماذا لم يقتلني ذلكَ الوغد، ولماذا أشعرُ بتلك المشاعرِ الهادئة وأنا مَعه رغمَ أنَّه عَدوي، عليَّ أن أجِد تفسيراً لكلِّ ما يجري."
أمّا سايفن فقد عادَ إلى منطقته وهو يفكر:
"رغم كل الكره الذي في داخلي لها وكل المقالب التي حاولت أن أنظِّمَها من أجلِ خداعها، لكن ما هذا الشعور، لم أشعر بأنني أرغب برؤيتها ثانيةً، لم لا يفارقني وجهها، ولون عينيها، أكادُ أجن "
وفي لحظة دخوله المقر وجد قائدَه غاضباً:
_لم أعتقد أنني وضعتُ أحمقاً في مكانٍ مثلِ مكانكَ، سايفن، يبدو أنَّه حان إيجادُ البديل.
صرخَ سايفن:
_يبدو أنك جننِتَ يا سيدي، أبعْدَ كلِّ ما فعلته لكم، تحاول النيل من كل ما قدمتُه، تباً لكم.
_اخرس سايفن، وانصرف من أمامي فأنا غاضبٌ منك، انتظرْ أوامري.
خرج سايفن بعد أن ضربَ الباب بقبضة يده وجرحها.
ناداهُ قائده:
_ألم أقل لك أنكَ أحمق.
لكنه لم يلتفت إليه وتابع إلى غرفته ليدخلها ويتمدد على سريره، وراح يتحرك يمينا وشمالاً، وأفكارٌ لا تفارقُ مخيلته البغيضة.
وفي اليوم التالي استيقَظ سايفِن على مراسِمَ لمْ يُدعَ عليها إطلاقاً، وعندما وصلَ إلى التجمع سألَ قائده:
_ما الذي يحدث هنا، سيدي.
_تنحى جانباً أيها الجندي وقف في الصَّف كبقيةِ رفاقك
حملقَ سايفن وقالَ متفاجئاً:
_ماذا، ماذا، بم تتفوه أيها ال...
_اخرس وإلا وضعتُك في السجن .
_تبا لكم، ماذا يحدث فليشرحْ لي أحدُكم.
نظر إليه القائد بكلِّ استهتار له:
_أيها الجندي الغبي، نحن الآن نقوم بمراسم تعيين قائدٍ بديلٍ لك، لأننا استغنينا عنك بصراحة فأنت لا تنفع لشيء، هل فهمت الآن؟
_ ويحٌ لكم، ومن هو قائدكم الجديد؟
ناداه صوت من جهة أخرى:
_أنا يا سايفن، هل من اعتراض؟
ناداه القائد:
_توقف أيها الجندي، وإلا اعتُبرْتَ فاراً من خدمَتك.
رفعَ سايفن يده دونَ أن ينظُر خلفَه وهو يضحك ويقول:
_فلنرَ، ماذا ستفعلون أيها الخونة.
التفت سايفن لجهة الصوت وقال بصدمة:
_سيد، هل هذا أنت.؟
وبدأ يقهقه بصوت عالٍ، وراح يمشي مبتعداً عنهم، وهو يضحَكُ ويضحكُ ويحدِّث نفسه:
"هكذا إذاً، تخليتم عني، سوف نرى يا سيد ماذا ستصنعُ لوحدِك أَيُّهَا القائدُ الغبي."
وانطلقَ بسرعةٍ ولملَمَ أشياءهُ وقررَ الرحيلَ وفكرةُ الانتقامِ تسيطرُ على عقلِه، كانَ يرتجف غاضباً، ويؤنبُ نفسَه:
"لقد كنتُ غبياً جداً عندما أعطيتُهم ثقتي، وهاهم الآن يكلفون غيري، سوفَ نرى يا سيد كيف سأضعُ رأسكَ في التراب."
راح الجنود يطلقونَ النارَ عليه، لكنه استخْدمَ قواه في صَدهِم ثُم الاختفاءَ، والصدفَة الأكبر كانت في المكانِ الذي سقط فيه بسببِ قواه.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!