الفصل27:
الفصل 27:
صرت أصرخ:
_توقفي يا خالة توقفي، أجيبي عن أسئلتي.
لكنها كانت تمشي بسرعة ثم اختفت تماماً، وكأنها شبح، فنظرتُ إلى سايفن، وبدأت أصرخ عليه:
_ماذا كانت تقصد؟ هيا سايفن أجبني، ولماذا لم تتوقف، هل تخفي عني شيئاً تكلم، أنا لست مجنونة، أقسم أني لست مجنونة.
سقطت على ركبتي في حالة انهيار، فجثا على ركبتيه مقترباً مني ووضع يديه على كتفاي، ثم همَّ بايقافي وقال:
_لم أفهم قصدها عزيزتي، هيا تعالي، لا تأخذي بكلامها إنها عجوزٌ خَرِفة.
شعرت بألم في رأسي، وكدت أن أسقط من شدة الألم، فحملني سايفن وتابع المسير، وهنا غفوت لأرى في منامي وحشاً مخيفاً له رأسين بشعين أحدهما يشبه رأس الأفعى، كان يهاجمني بشراسة، وفجأة رحت أرى أشكال الأشخاص الذين قتلتهم انتقاماً لأمي.
السيد جيم، الطبيب، وغيرهم... سمعت صوت أمي تستغيث بي، وأخي كان يركض؛ ليعيد البقرة جول، جول التي هجمت علي وهي تتكلم:
_سيلا أنقذيني، أنقذيني أنا خائفة.
فاستيقظت هلعةً لأجد نفسي ممددةّ على سريرٍ وامرأةً أمامي ترتدي ثوباً أبيضاً وهي مستديرةٌ للخلف، تمسك أدواتٍ غريبةٍ، فسألتها:
_من أنت، وأين أنا؟
التفتت هنا وهي تقول؛ لتصعقني الصدمة:
_أنا الممرضة جينيفي، وأنت الآن في المشفى للعلاج.
شعرت بالفرح:
_جينيفي، أجل أنت جينيفي، أين كنت كل هذا الوقت، كم كنت بحاجتك! وما هذا اللباس الذي ترتدينه.
نظرت إلي باستغراب، ثم اقتربت لتفحص حرارتي:
_أنت لست محمومة، لكن ما سبب هذا الهذيان.
عرفت أنها لم تذكرني هي الأخرى، فسألتها:
_أين سايفن؟
_الدكتور سايفن، إنه يعالج مريضاً وبعد قليل سيمر؛ ليطمئن على حالتك.
تمتمت لها:
_ما، ما، ماذا تقولين، الدكتور سايفن، هل تمزحين معي؟
بدأت أرتجف، وأشعر بالتوتر مما يحدث معي، ورحت أقرص نفسي فقد يكون حلماً وأنا نائمة، لكنني تألمت، وهنا نظرات جينفي كانت تراقبني بغرابة، فأمسكت شيئاً غريباً له مقبضٌ أو شيءٌ كهذا، راحت تتكلم فيه بعد أن وضعته على أذنها.
قلت لنفسي:
"لااا، هذا حلم، أين أنا، وما هذا؟ هل هناك أشباح هنا؟ أماه ماذا يحصل؟"
رحت أصرخ وأصابتني حالة هيستيرية لتقترب الفتاة مني وتضع لي شيئاً في جلدي، وخذني كوخز الإبر وما هي إلا ثوان حتى فقدت وعيي.
كل ما أتذكره بعدها أنني استيقظت ثانيةً لأجدها قربي وهي تمسك بيدي وتقول:
_هاقد استعدتِ وعيك أخيراً، ها، هيا الآن أخبريني ما هو اسمك؟
حملقت بها وسألتها بغضب:
_هل نسيتِ اسمي يا جين؟
_وكيف لي أن أعرف اسمك وأنت هنا فاقدة للوعي منذ يومين فقط.
_أقسم أنك تكذبين.
_هيا اهدأي، ما هو اسمك؟ أريد معلومات عنك؛ لأسجلها في سجلك المرضي، هيا.
قررت بأنه عليَّ أن أحاول مجاراتها؛ لأفهم مراوغتها..
_اسمي سيلا.
_عمرك.
_أتعلمين لم أعد أتذكر عمري، فقد مرت علي تفاصيلٌ كثيرة، أنستني كل شيء.
_سأضعه ٢٤عاما إذاً.
وبينما كانت تكلمني وتأخذ عني التفاصيل، دخلت امرأة تكاد تموت من قوة الألم وتصرخ بشدة:
_النجدة ساعدوني، أرجوكم، سأموت من شدة الألم.
اتجهت جينيفي؛ لتفهم حالتها، والمفاجأة الأكبر عندما رأيت وجه تلك السيدة فصرخت بخوف:
_من؟! كايا؟ كيف حصل هذا، ألست ميتة؟!
نظرت المرأة إي باستغراب رغم كل ألمها وقالت:
_عفواً هل تعرفيني؟ ولمَ تقولين أني ميتة ألا تخجلين من نفسك، وقحة.
والتفتت بوجهها الغاضب إلى جهة أخرى، فقلت لها:
_سيلا.
نظرت إلي باستغراب أكبر، وعاودتُ الكلام:
_سيلا اسمي ألا يعني لك هذا شيئا.
نظرت بغرابة وقالت وهي تبعد نظرها دون اهتمام:
_أرجوكِ لا وقت للفوازير لست بحالةٍ تستدعي العبث، الألم يقتلني.
تدخلت جينيفي:
_لطفاً أيتها المريضة دعيني أرى حالة السيدة دون ثرثرة.
وراحت تسألها عدة أسئلة لتكتشف أنها في حالة ولادة مبكرة، وفوراً طلبت نقلها إلى ما أسمته غرفة العمليات بعد اتصالها بالطبيب.
تركوني وحدي مذهولةً في تلك الغرفة فوق ذاك السرير، تائهة بما رأيت وماسمعت.
"هل أصبت بالجنون، أم أن هناك لعبة جديدة سأعمل على اكتشافها، ثم ماذا حصل لجسدي المستذئب لقد اختفى تماماً وأين هو صولجاني، ولماذا أشعر أن قواي مختفية"
بعد فترة ليست ببعيدة من الزمن وصل رجل يرتدي اللباس الأبيض ونفس المرأة التي تشبه جينيفي يدفعان بسرير وعليه تلك المراة الشبيهة لكايا ويظهر عليها أنها نائمة.
سمعتها تقول له:
_هيا ساعدني لنضعها على سريرها.
فقال لها:
_هيا 1,2,3.
وقذفا بها برفق على ذلك السرير وهي تقول له:
_لقد كانت ولادتها متعثرة فعلاً.
_لقد تمت الولادة وأنجبت طفلاً ذكراً.
تذكرتُ أنَّ كايا قد فقدت حملها وكانت رغبة سيد في الانتقام لهذا كبيرةً جداً
"ما الذي يحدث معي، أكاد أجن."
نظرتُ إلى جينيفي أو شبيهتها وقالت للآخر كلاماً صدمني أكثر:
_جهزها؛ لنفحص حملها ونعرف متى سيكون موعد إنجابها لطفلها.
صعقت وقلت لها:
_هيييه، ماذا تقولين، أنا لست حاملاً كيف سأنجب طفلاً.
ضحكت وهمست للآخر:
_يبدو أن الحرارة جعلتها تهذي أعطها حقنة مهدئة؛ لتنام.
صرت أصرخ وهما يحاولان تثبيتي ثم غرز تلك الحقنة وماهي إلا ثواني وفقدت توازني.
علمت فيما بعد أن هذه تسمى حقنة مهدئة تجعل الشخص ينام.
وفي اليوم الآخر عادت تلك الممرضة إلي وطلبت مني :
_تناولي الطعام الذي وضع أمامك؛ لتستطيعي تناول الدواء الذي ذكره لك الطبيب سايفن.
صرخت بها:
_أجل، سايفن، لن آكل لقمة إن لم يحضر سايفن، أريد أن أحدثه.
_الطبيب سايفن لن يأتي اليوم.
شعرت بالحزن والقلق:
_لماذا؟
_لأنه يقوم بعمليات جراحية في مشفاه الخاص.
_أرجوك أرجوك جينيفي، أخبريه بأنني أريد رؤيته بسرعة.
كانت نظرات الاستغراب الواضحة في عينيها تقتلني،كم أردتُ أن أهجمَ عليها وأضمَّها فأنا أحتاجها فعلاً.
استيقظت كايا بعد ساعات وكانت تئن من الألم، فسألتها الممرضة:
_دعيني أرى جرحك، حمداً لله على السلامة.
كايا:
_أين طفلي؟ هل أستطيع رؤيته؟
_بالطبع، الممرضات يجهزْنَه وسيحضرْنَه إليكِ لا تقلقي.
وبعد قليل كانت الصاعقة الأكبر، لقد وصلت سيدة أخرى يدّعون أنها أمُّ زوجِ كايا.
"يا إلهي إنها تلك الساحرة التي كانت تحدثني دائماً."
العجوز:
_ما شاء الله، وحمداً لله على السلامة يا كايا.
كايا:
_شكرا يا أمي.
_كم هو جميل هذا الطفل! إنه يشبهك تماما
وفي تلك اللحظة تبعها (سِيد)، على أنه زوجها، اقترب منها، وقبلها وراح يقول:
_حبيبتي حمداً لله على السلامة، طفلنا جميلٌ مثلك.
تبسمت كايا وردت بلطف لم أعتده بها من قبل:
_حبيبي، أحبك.
وفي خضم تلك التهاني والمباركات لكايا وسيد، رمقتني تلك العجوز بنظرة لم أفهمها ثم رافقت كايا وسيد وطفلهما وخرجوا جميعاً، أما أنا فأصابني ألم شديد في رأسي، عقبه ألم في بطني.
جينيفي:
_هل أنت بخير؟
_لا لست كذلك، أشعر أنني بعالم ليس عالمي.
حاولت ان أشرح لها لكنها طلبت مني أن أرتاح وقالت وهي تبتسم:
_انتهى يوم عملي اليوم، أراكِ غداً.
وعندما وصلت إلى الباب التفتت ثانيةً وقالت بلطف:
_أشعر أنني أعرفك منذ زمن بعيد، لا أنكر بأنني أشعر بأنك قريبةٌ مني.
لقد خرجتْْ، وخرجَ قلبي معها، لكنها تركتني تائهة ولا أعرف ما هي الحقيقة، نمت وأنا أفكر بالهرب، لكن في كل مرة كنت أتراجع وأحدث نفسي:
_ليس هناك حل إلا رؤية سايفن، هو الوحيد الذي سيعرفني، ومؤكدٌ أنه سيساعدني.
ورحتُ أتذكر ذلك العالم الذي عشت فيه، وأفكاري لم تكن تهدأ، هل أنا في حلم أم كابوس لم أستيقظ بعد منه.
وفي صباح اليوم التالي وبينما كنت لا أزال أرفض الاستيقاظ، خوفاً من عودة ذلك الكابوس، سمعت صوتاً لم يكن غريباً عني يحدث جينيفي أو تلك الممرضة حسب زعمها.
جينيفي:
ـصباح الخير يا دكتور، أتيت مبكراً على غير عادتك.
ـصباح الخير عزيزتي، لا أدري شعورٌ غريبٌ دفعني للمجيء الآن، لا أدري ما هو.
تذكرت الصوت وصرخت في داخلي:
ـإنه هو، إنه سايفن وأخيراً.
استيقظت فوراً وعدلت جلوسي وإذا به هو:
-سايفن، هل أتيت أخيراً.
قلت هذا دون تخطيط مسبق لكلماتي، لكنه نظر إلي وقد وضع نظارات طبيةـ( هذا ما فهمته منهم لاحقاً)ـ وقال بكل لطفٍ مع ابتسامةٍ مشرقة على وجهه أدت إلى رسم ابتسامة مماثلة على وجهي:
ـصباح الخير، يبدو أنك استعدت وعيك، صباح الخير، هاتِ أخبريني ما اسمك؟
تحولت الابتسامة إلى جمودٍ وتأتأة:
ـأنا، أنا، ألم تعرفني حقاً سايفن.
كان ينظر إلى أوراقٍ بيده فرفع رأسه:
ـ عفواً أيتها المريضة، هل التقينا من قبل.
صدمني بقوله فقررت الصمت وهززت له:
ـلا، لا أعتقد ذلك.
لكن فلبي بدأ ينتفض وشراييني راحت تسعر من التوعر والخوف والغضب معاً.
"أية مصيبة جديدة تزورني"
هنا اقترب مني وتفحص حرارة جسدي وعاين حلقي وما إلى ذلك، وأنا مشدوهة التفكير، ودموعي راحت تنهمر بصمت، وهو يحاول التخفيف عني:
ـ لا، لا تبكي، ستتعافين بسرعة، أنت بخير ووضعك ووضع الحنين بخير.
"جنين! وضعي رباه ما الذي يحدث، أين أنا ومن هؤلاء أهو كابوس"
ثم نظر سايفن إلى الممرضة قائلاً:
ـانتبهي لها، وأعطها الدواء في مواعيده، انا في غرفتي إن احتجتم أي شيء.
وبينما همّ للخروج، شعرتُ أن قلبي ينفطر، ودون أن أشعر أمسكت بيده وقلت له:
ـأرجوك، لا تتخلى عني.
نظر إلي من تحت النظارات التي لم أعتدها له من قبل:
ـلا تخافي، انا هنا.
تبسم وانصرف وهو يهامس جينيفي الممرضة، وأنا أحاول التركيز:
ـرباه، ما الذي يحدث لي، أرجوك أعدني إلى عالمي السابق حيث أمي، واخي وبقراتي، أريد أنْ أنسى كلّ شيء.
سمعت جينفي تقول له :
ـ هل تعرفها من قبل د. سايفن.
فأجابها:
ـشعورٌ غريبٌ تسلل قلبي تجاهها، لا أعلم سببه، لكنني شعرت بأني أعرفها من قبل.
هنا شعرت بارتياحٍ كبير وأمل متجدد:
"عساه يتذكرني لاحقاً."
وعاودت الاستلقاء على سريري وعدت للنوم.
وهكذا مرت الأيام، وجميع الموجودين هناك يهتمون بي وبعلاجي وشيئاً فشيئاً، بدأ سايفن يهتم بي من جديد.
وفي أحد الأيام تشافيت وجاء سايفن وجينيفي إلي..
سايفن:
ـ هل أنت جاهزة؟
ـ لأي شيء؟
ـ أنت الآن بخير، وعليك الخروج من المشفى إلى عائلتك.
التفتت إلي جينيفي وسألتني:
ـ صحيح، لمَ، لم يأت أحدٌ من عائلتك لزيارتك طيلة تلك المدة؟
قلت لها بحزن:
ـ ليس لي عائلة، أمي متوفاة وأخي تاه عني منذ زمن، ولا أدري إلى أين سأذهب.
نظر سايفن بكلّ ود:
ـ لا تقلقي، خالتي تعيش وحيدةً وستفرح لو قبلتِ العيش معها، لطالما قلقت عليها فأنا أتغيب عن المنزل لساعاتٍ طويلة بسبب عملي، وهي مريضةٌ جداّ، فهل تمانعين؟
شعرت بالفرحة وقلت دون تخطيط:
ـ لا إطلاقاً، سأهتم بها وسأحاول أن أكون لها ابنة، أعدك سايفن، أقصد د. سايفن.
ـ لا عليكِ، نادني سايفن.
تبسمت له، ولكنني للحظة شعرت بأن جينيفي شعرت بالغيرة، فملامح وجهها قد كشفتها عندما قالت لسايفن:
ـ سأغادر الآن، هل تريد مني شيئاً.
ـ لا شكرا تفضلي إلى عملك.
وعاود الكلام معي:
ـ هيا جهزي نفسك، سأرافقك إلى خالتي، سأغيب نصف ساعة لأتفقد بقية المرضى، استعدي ريثما أعود.
قال هذا وانصرف، وبعد لحظات عادت جينيفي متقلبة الملامح، وقالت:
ـ عجيبٌ أمرُك، وكأنّكِ ساحرة.
صدمتني بقولها فسألتها:
ـ ما قصدك جينيفي؟ لم أفهم.
ـ لم نعتد من الدكتور سايفن إلا الجدية بتعامله مع المرضى، لكنه كان يهتم بك بطريقةٍ مختلفةٍ.
لم تكن تعلم أنها أفرحت قلبي بهذا الكلام، لكنني تظاهرت بالغباء وقلت لها:
ـ لم انتبه لهذا، لا بد أنك تعلمين صفاته أكثر مني.
فنظرت إلي بغضب:
ـ تجهزي للرحيل معه، لكن لا تفرحي كثيراً، ما هي إلا فترةٌ قصيرة.
أشعرتني بالقلق وانصرفت.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!