غموض
غموض
جزء 31 من 31
وضع القراءة:

الفصل30:

الفصل 31:
وفي ذاتِ يوم جاءتْ تلكَ الملثمة ومعها رجلان يضعان غطاءً على وجهيهما، قاما بنقلي إلى مكانٍ غريب، وتوسلاتي لهم كان صداها يملأ المكان.
_أرجوكم، اتركوني، من أنتم، لم أفعل لكم شيئاً.
هناك حيثُ كان الكثيرُ من الناس الذينَ يخفونَ وجوهَهم، ولم أعرفْ نوعهم إن كانوا من البشر، هناك نادى عليَّ شخصٌ يبدو أنَّه قائدهم كان طويل القامة وشديد البنية، لكنه ملثم أيضاً:
_هل أنت جاهِزة يا زعيمة؟ كل شيءٍ هنا جُهِزَ لتقودي جيشنا وتحققي السَّلام لشعبنا ضِد جيش آرام الذي قاتلنا وقتل أولادنا، قولي هل أنتِ جاهزة؟
كان وجهي يتقطرُ عَرقاً وملامِح الذهولُ تكادُ تُسقطُني مجَددَاً، ما الذي يحدُث ومن هؤلاء، وعمّ يتحدث هذا؟ هذا ما كان ينقصني.
أجبته بخوف:
_أنا لا أفهمك، من أنتم، وماذا تقصدُ بكلامِك؟
_هل تتذاكين يا زعيمة، قُلت لكِ مراراً وتكراراً أنَّ الهروبَ من واجبكِ هو مجردُ غباء، قدَرُك هو الدِفاع عَنا.
_عنكم!
شغرت بانقباض في قلبي وقلت في رأسي الذي راح يتخبط:
_أي قدر هذا الذي قذف بي في أزمنة غريبة عني أكادُّ أجَن، من هؤلاءِ أيضاً، كم أحتاجُك يا أمي.
صاحَ الرجل غاضباً:
_يبدو أن التساهلَ معكِ أصبحَ أمراً أحمقاً، معك مدة يومين فقَط، فكري بشعبك، بمهمَتك، لم يعدْ لدينا وقْتٌ، العدُّو على مشارفِ الهجومِ علينا وأخوك بيلي محجوزُ لديهم.
قتلني ذلكَ الاسمُ، بيلي أخي، كيفَ هذا، صرختُ به:
_هل أنتَ جاد، هل أخي بيلي لا يزالُ حَيّاً؟ أقسِم أنّني لا أصدق، آاهٍ يا أخي.
نظر إلي الرجل وهو يرى ملامح الفرحَة والاستغرابِ تُحَلقانِ في وجهي ثمّ قالَ غاضباً:
_يبدو أنكِ بدأتِ تفقدينَ عقلك، ألسْتْ السّببَ في وقوعهِ في الأسر يا مولاتي، هل نسيتِ؟
صُعقْتُ لكلامِه ثم صرخْتُ به وقلبي ينفطر على أخي:
_أرجوك، أرجوك أنا لا أتذكر شيئاً، أخبرني أكثر، أين بيلي اين أخي أرجوكَ تكلَّمْ، كم أشتاق لرؤيته!
نفخَ الرجلُ نفخةً طويلةً تظهرُ سآمَه مِني:
_يومها كنت مصِّرةً على الخروجِ دونَ علمِ أمّك السيِّدةُ ماثا.
جنت أنفاسي وراحت تتخبط نبضاتي
_ هذا الاسم زادني صدمَةً لما يقوله إنَه يعرفُ أمِّي أيضاً، كثرتُ التساؤلاتُ في رأسي_
تابع الرجل:
_أجل يومها خرجتِ تحملين صولجانك ولحق بكِ هو ووقعَ في الأسر، كان يومها القمرُ دمويّاً.
في تلك اللحظةَ وهو يتحدّثُ ويحاولُ الشرحَ لي وسطَ ذهولي بتضارُبِ التفاصيل بين الماضي. والحاضر.
همست لنفسي:
"لكن بيلي وأمي لم يكونا معي في فترة استذئابي، كيف هذا؟
فجأة سمعت صوتاً يزأر:
_يكفي كذباً، اخرس.
وقبل أن أنظر إلى الخلف شعرتُ بقوةِ الضربة على رأسي لأسقطَ أرضاً.
وقبل أن أفقدَ توازُني سمعْتُ ذلكَ الصّوتَ يتابع:
_عليك الحصولُ على قواها بالقوَّةِ أفهمت؟
عرفتُ أنّني في مكيدة وغبتُ عن الوعي وبعد مدة ربما من الزمن، استيقظت؛ لأجدَ نفسي في غرقَة غريبةِ الشَّكل والمحتوى فيها رسوماتٌ غريبةٌ على جدرَانِها ولوحاتٍ كأنهَا تظهرُ عداءً بين المستذئبين وبينَ هؤلاءِ الأشخاصِ الغُرباء.
وعندما همَمت بالخروجِ لاحظتُ وقوفَ حارسَين على بابِ تلكَ الغرفةِ، فتراجعْتُ فوراً.
كنتُ أشعرُ بألمٍ في رأسِي بسببِ تلك الضَّربَة عليه.
"تبّاً لي، وتبّاً لما يحدثُ معي، عليَّ أن أسارعَ في فهمِ ما يحصلِ وإلا سأفقدُ عقْلِي، لقد تحدَّث ذلكَ الوغدُ عن أمِّي وأخي، ترى هل هو صادقٌ أم أنَّه كاذبٌ حقيرٌ يريدُ سرقةَ قوايَ فقط."
وفي تلكَ اللحظةِ وبينما كنتُ أثرثرُ مع نفسي دخلَ عليَّ أحدهُم برفقةِ امرأةٍ وكلاهُما يخفي نفسه بخمارٍ وضعهُ علي وجههِ.
صرخت به:
_من أنتما؟ وماذا تريدانِ مِني؟
أمسَكا بي بوحشية واقتاداني إلى المجهول وأنا أحاولُ إكثارَ الكلام لكسبِ الوقتِ، ولكنْ بعدَ بضعةٍ من الوقت، قاما برميي في حفرة عميقةٍ جداً، لم أعرف لها اتجاهاً.
رحتُ أصرخُ وأصرخُ:
أخرجوني من هنا أيها الأوغاد، من أنتم، وماذا تريدون مني؟ أمَّاه، بيلِي. أينَ أنتم؟
وانهارتْ قواي وشعرتُ أنَّني تائهةٌ في أزمنةِ الكونِ بشخصيتي أنا واختلاف الأشخاص الأخرين.
ناجيت الله:
_رباه ماهو ذنبي، ماذا فعلت لتعاقبني بهذا الشكل؟ أرجوك اغفِر لي ذنبي أرجوك.
بكيتُ وبكيتُ وبكيتُ.
وبعد أن هدأتُ قليلاً.. في تلك اللحظةِ سمعتُ صوتَ أنينٍ قريبٍ منِّي، خفتُ كثيراً، لكنها بادرة أمل فهناك أحد معي في هذه الحفرة الغريبة، قمت على ركبتيَّ المتهالكتين تعباً، بحثْتُ عن مصدرِ الصوتِ وهنا كانتِ الصّدمة الكبيرة، صرختُ وأنا أتجِهُ إليه:
_سايفن حبيبي، هل هذا أنت؟
كان سايفن فاقداً للوعي وأثار الضربِ على جسَده كثيرة.
رحت أضمه وأقبل وجهه:
_استيقظ حبيبي، هيّا أنا هنا ، أنا حبيبتُك، هيا سايفن.
لكن سايفن أنّ أنّة قوية وفتح عينيه للحظات، نطق اسمي بحشرجة:
-(سيلا)
ثم غابَ عن الوعي.
ورغم هذا وضعته في حضني وشعرتُ بالأمل:
_على الأقل لن أموتَ وحيدةً هنا، سنموتُ سويةّ أنا وحبيبي ونخلدُ إلى الأبد.
ليلتها نمتـ مطولاّ وأنا أضُمُّه، حتى استيقظت على مياهٍ سكبتْ على وجهي وصوتُ شخصٍ يضعُ خماراً:
_استيقظي هيا، حانَ الوقت.
نظرتُ حولي ولم أجد سايفن صرخت وأنا أهجم عليه وأضربه:
_أين أخذتموه، أين سايفن أيها الوغد أياً كنت؟
_من هو سايفن هذا؟
_أتتغابى أيضاً عليك اللعنة؟
_يبدو أنك أصبحتِ مجنونةً، لم يكن هناك أحد.
_أنت تكذب، أنت تكذب.
نظر إلي باستهجان وأمسكَ شيئاً غريباً لم أره من قبل وضغطَ زراً أعطى ضوءاً شديداً؛ لأجدَ نفسي معَه في مكانٍ آخَرَ، أقفُ أمام سايفن نفسه، كان مختلفاً عما رأيته، لكنني شعرت بالفرح:
_سايفن أهذا انت حبيبي؟
أجاب:
_من هو سايفن هذا؟ ما بها هذه الفتاة؟هل فقدت عقلك؟
صدمني قوله وتلاشى الأمل بالخلاص:
_أرجوك سايفن، لا تفعل بي هذا، أرجوك، لم أعد قادرةً على التحمل.
سقطت على ركبتاي منهارة أبكي وأرجوه:
_أرجوك، أرجوك لاتفعل بي هذا.
صرخ بذلك المخمر:
_جهزوها هيا، لم يعدْ هناك وقت القمرُ سيكون دموياً اليوم، والفرصةُ قليلةٌ هيا بسرعة.
نبرة صوتِه لم تجعلني أصَدِّقُ أنهُ سايفن لقد كان غريبَ الحركاتِ والنبرة.
"يستحيل إنه ليس سايفن، يا الله، يا الله."
اقتادني الرجل مع آخر إلى غرفة مجاورة وطلبوا مني ارتداء ملابسَ غريبة:
__هيا ارتديها بسرعة، فليس هناك وقت ، وإياكِ وكثرةُ الثرثرةِ والأسئلة.
بكل يأسٍ استسلمتُ لأمرِهم:
_حسناً سأفعل.
لم يكن هناك حل إلا أن أتابع معهم؛ لأفهم ما يجري، وبعد أن انتهيت اقتادوني مجدداً إلى مكان جديد وهناك كان سايفن او الشبيه يجلس على مقعدٍ ملكيٍّ كبيرٍ والجموعُ حوله تهلل:
_يعيش الملك إلى الأبد، يعيش الملك جان العظيم.
دهشت لما أسمع:
_جان! ماهذا ومن هو جان، هل هو شبيه سايفن، وهل كان ما رأيته في الحفرة مجردَ وهم، أمْ أنَّهُ سايفِن الحقيقي، وأين هو إذاً؟
عشراتُ الأسئلَة راودتني وأنا أنظُر إلى ما يحدثُ بذهولٍ وترقبٍ.
صرخَ جان ذاك:
_اقتربي إلي.
اقتربت منه بخطواتٍ متباطئةٍ وحذرةٍ، فوضع يده على رأسي وراحَ يتمتمُ بشكلٍ غريبٍ مصدراً كلماتٍ غيرَ مفهومَة، نظرتُ إلى السَّماء، لقد حلَّ الغروبُ وراحَ القمرُ يظهرُ بلونهِ المحمَّرِ الدَّموي، صرخَ الجميعُ:
_الله اكبر، الله أكبر، عاشَ الملكُ جانُ العظيمُ عاشَ الملكُ جانُ العظيمُ.
راحَ جسدي يستذئب كعادتِه، وولم يكنْ هناك من مفر إلا أن أهاجمَهُم أو أفقِد قوتي.
زأرتُ بينما كان يحاوِلُ سرِقتي، أضاءَ ضوءَاً قوياً من القمرِ واهتزَّت الأرض، وسقَطَ الرجل أرضاً، قفزتُ إلى جهةٍ أخرى وصرْتُ أزأرُ بقوةٍ وشعرتُ أنَّ الذئبَ في داخلي أقوى من الجزء البشري، رحْتُ أهاجمهم وهم يصرخون خوفاً ويهربون:
_انها اللعنة، لقد حلت اللعنة علينا، خدَعنا الملك جان.
وراحوا يهربون، ولم يبق غيري وغير جان ذاك:
_اللعنة عليك من تكون؟
تلون الرجل:
_أنا سايفن حبيبُك تعالي إلي، أحتاج قواكِ يا حبيبتي تعالي.
_كاذب حقير، لستَ هو.
هجمت عليه بقوةٍ، ارتدَّ إلى الخلف وتحول إلى شكله الحقيقي، لقد كان بشعا جداً.
_أيتها اللعينة، أعدتني إلى أصلي سأقتلك.
_تعال إذاً أيها القميء، هاجمني تعال.
زأرتُ زأرةً كبيرةً وهجمتُ عليه، اشتدَّ لون القمرِ احمراراً وشعرتُ بقوةٍ غريبةٍ تنتابني وقرارٌ مفاجئٌ بالانتقام من كلِّ شيء دونَ أن أعرف من يكونُ هذا، لكنّه فاجأني وأنا أمسِك بمخالبي وصارَ يهدِّد:
_لن تعرفي مصير سايفن حبيبك، ولا بيلي، هيا اقتليني أيَّتها الحَقيرَة.
توقفتْ مشاعري بسببِ كلماتِه الحقيرَة مثلَه وشعرتُ بضعفٍ كبيرٍ أفقَدني تلكَ القوى فجأة وتوقفَ صوتُ الاستذئابِ لدي واضطررتُ للتراجُعِ عن قتلِهِ.
وبينما أحاولُ أنْ أفهَم مِنه مغزى كلامه:
_أين هو أخي، أين هو سايفن أيها الوغد تكلم وإلا قتلتك.
_اقتليني هيا.
_حقير.
في تلك اللحظة ظهر نفس الشخص الذي قال لي سابقاً بأنني يجب أن أدافع عن شعبه قبل أن أفقد وعيي، وقام بمسك يدي وفجأةً صدرَ شعاعٌ غريبٌ كادَ أن يفقدُني بَصَري؛ لأجد نفسي في مكانٍ آخرَ ومعي ذلكَ الرجلُ
‏صرختُ به:
‏_أيها الحقير، كان يعرف مكان أخي وحبيبي، تباً لك أعدني إلى هناك فوراً.
‏نظر إليّ ببرودٍ شديد وأدار رأسه.
‏كررت صراخي:
‏_قلت لك أرجعني إليه فوراً، علي أن أعثرَ على أخي الذي ضاعَ مني بعد موتِ أمي.
فنظر إلي باستغراب وقال لي:
_أيتها الحمقاء، هل جننتي؟ أمك ليست ميتة.
_وهل تسخرُ مني، لقد توفيت أمي في القرية واختفى أخي بعدها.
_لا أصدق، يبدو أنَّه حلمٌ غريبٌ قد راودك وأنتِ نائمة، عليكِ التركيزُ في مهامك مولاتي.
صرخت بغضب:
_مولاتي، مولاتي، أوووه، من أنت ومن تكون أنا لا أعرفك.
_لقد أرسلت خلف الطبيب؛ لينظرَ في أمرك ويعالج فقدكِ للذاكرة سيلا، ارتاحي الآن.
خرج ذلك الرجل وتركتي وحيدةً في غرفةٍ تملؤها الزجاجيات، فشعرت بقوة غضب عارمة، صرخت، حطَّمْتُ كلَّ شيء في الغرفة، سقطتُ على سريرٍ كان هناك.
لاحظتُ أنّني جرحْتُ يدي وبدأتْ تنزِفُ، سمعت صوت سايفن يناديني:
"أنت حمقاء سيلا، كيف جرحت نفسك هكذا، هاتها أعالجها لكِ"
قلت لنفسي:
"يبدو أنني سأجن"
جثوت على ركبتاي ورحت أصرخ باستمرارٍ وأبكي وأبكي دون توقف.
_ربَّاه، ربَّاه ساعدني أرجوك.
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.