الفصل التاسع و الثلاثين
خفض وليام رأسه.
كان الأمر واضحًا...
كايل هو المختار.
الإمبراطور.
القوة التي تعادل الفوضى، والقادرة على محوها، هو نفسه من اختار الفوضى في العصر الأول.
لكن الآن عاد إلى المملكة، وأصبح قادرًا على تدمير كلا العالمين.
فكر وليام بذلك وهو يحدق في ظهر أخيه الواقف على الشرفة، بينما كان أسفلها معظم سكان المملكة ينظرون إليه.
من بينهم من أصيب بجروح، ومن تدمر عمله، ومن فقد كل ما يملك.
رفع كايل صوته وقال:
"أنا نداءكم لإيقاف هذه الحرب. من أراد مواصلتها فلن أمنعه، لكن لن يكون تحت رايتي أو حمايتي.
أنا كايل، الإمبراطور الثاني، وأعلن ولادة عصر جديد."
وما إن سمع الجميع كلماته، حتى علت أصوات الهتاف باسمه.
ففي الحقيقة، لم يكن معظمهم يسعى إلى الحرب.
لكن كان هناك آخرون...
أولئك الصامتون الذين يحدقون به بحسرة، أولئك الذين ما زالوا يحملون رغبة الانتقام.
شعر بهم وبطاقاتهم.
وكيف لا؟
فهو الآن متصل بأصل كل فرد من عرقه.
كان ذلك الإحساس بالمسؤولية يثقل كتفيه، وكأن مصيرهم جميعًا أصبح بين يديه.
"إلى جميع مصاصي الدماء المقاتلين الذين لا يزالون في عالم البشر... الإمبراطور يتحدث إليكم شخصيًا.
انسحبوا إلى مافيستا، إلى مملكتنا.
ومن أراد الثأر، فليثأر وحده. لكن لا يلومنّ إلا نفسه بعد هذا التحذير."
لم يسمع هذا الحديث سوى مصاصي الدماء المنتشرين في ممالك البشر الخمس، المختبئين من الشمس، منتظرين حلول الليل لمواصلة القتال.
وبالطبع، لم يكن كايل سيترك الأمور تنتهي بهذه السهولة...
فالبشر لا يملكون أي ضمان.
"سنعيد صياغة ما يجب إصلاحه... سنعيد بناء مافيستا."
قال كايل ذلك وهو يحدق في وليام، الذي كان يقف خلفه.
…
"سيدي، مؤشراتها الحيوية بخير. إنها المرة الثالثة آلاف ومئة التي نتفقد حالتها خلالها في الأشهر الستة الماضية."
قال الطبيب ذلك لفيقاس، الذي كان يحدق في شاشة العرض بعد أن أغلق كتابًا قديمًا بين يديه.
أطلق فيقاس تنهيدة طويلة، ثم أشار للطبيب بالرحيل.
لا أفهم...
ما زالت تحمل الوشم، وهذا يعني أنها لا تزال الفارسة المقدسة.
فلماذا لم تستيقظ حتى الآن؟
مرر يده على شاربه، ثم أعاد فتح الكتاب.
كان مكتوبًا بلغة غريبة، مستخدمًا الدم بدلًا من الحبر.
أزار لم يسبق له تجربة قوته...
مجرد فكرة عودته إلى الماضي تقتل كل ذرة أمان واطمئنان داخلي.
ماذا لو عبث بالماضي بدلًا من إنقاذ ابنته؟
هز فيقاس رأسه محاولًا طرد هذه الأفكار.
لقد حان موعد اجتماعه بحكام الممالك الخمس للبشر...
أو بالأحرى، بما تبقى من حكام تلك الممالك ليحكموا ما تبقى منها.
أول ما فعلته عندما فتحت عينيها كان البحث في أرجاء القصر عن "مينا"، لكنها صُدمت عندما علمت أنها كانت في غيبوبة استمرت عامًا كاملًا.
وحتى هذه اللحظة، لا أثر لأزار أو لابنته، وحتى ديفيد لم يعد.
كانت تجلس على كرسي وثير في غرفتها، تضع يدها على رأسها، وتحدّق في شاشة حاسبها اللوحي.
كانت ترى حجم الدمار الذي خلفته قوى الفوضى، وتشاهد أعداد القتلى من البشر الذين ذُبحوا بوحشية على يد جنود مصاصي الدماء.
حتى بعد مرور عام على اندلاع الحرب، لا تزال وتيرة الهجمات على ممالك البشر متقطعة. ورغم أنها لم تعد بشراسة بدايتها، فإن الموت لا يزال حاضرًا...
بصورة مروعة وبشعة.
"أكثر من خمسة مليارات نسمة لقوا حتفهم منذ بداية الحرب وحتى الآن."
خرجت الكلمات من فمها بصوت خافت، قبل أن تنهار دموعها كسيل من الألم، تحرق وجنتيها.
كان قلبها يعتصر ألمًا، وكأن دمًا مسمومًا يجري داخله، ينتشر في جسدها محاولًا إخماده وإنهاء كل شيء.
لا خبر عن كايل.
رغم بحثها المستمر عنه، لم تجد له أي أثر في الممالك البشرية الخمس.
أما والدها، فقد بذل كل ما يستطيع لحماية ما تبقى من البشر في مملكته. وكانت لا تزال تتابع تصريحات حكام الممالك الأربع الأخرى، وتقارير أوضاع كل مملكة، وحزنهم على شهدائهم.
في تلك اللحظة، دخل والدها الغرفة.
انحنى على ركبتيه أمامها.
لم تره منذ استيقاظها. كانت الممرضة قد أخبرتها أنه يراقب حالتها الصحية على مدار الساعة، لا ينام ولا يأكل قبل أن يتأكد من استقرار مؤشراتها الحيوية.
مسحت دموعها بسرعة.
كانت تريده أن ينهض، أن يحتضنها بدلًا من هذا المشهد الذي يؤلمها.
"أبي..."
لكن صوته المتقطع قاطعها، وهو يمسك بيدها متوسلًا:
"أنتِ الأمل الوحيد لممالك البشر... لإيقاف عدوان مصاصي الدماء.
بسببنا، لقيت أرواح بريئة لا علاقة لها بهذه الحرب حتفها.
نابيلار... الملك الجديد لمصاصي الدماء، وضع شرطًا لتحقيق السلام: تقديم تضحية بشرية واحدة."
تنهد، وكأنه أخرج أثقل ما يحمله في صدره، ثم تركها تواجه صدمة كلماته.
"أنتِ الفارسة المقدسة. الأنثى الوحيدة القادرة على تحمّل البقاء بينهم.
لن تكون لكِ عودة إلى عالم البشر.
لقد اتخذ حكام الممالك الأربع قرارهم...
وقع الاختيار عليكِ يا نابيلار."
عندما نطق اسمها في نهاية الجملة، شعرت وكأن صفيرًا حادًا ملأ أذنيها.
أصبحت رؤيتها ضبابية، وظلت عيناها المرتجفتان معلقتين بملامح والدها.
"في طلب الملك... كان شرطه أن تتزوجي منه."
تلك الجملة...
حطمت قلبها الذي ظل يبحث عن ظل كايل في كل زاوية.
ربما كانت حمقاء حين سمحت لمشاعرها بأن تتعلق بمجرم في نظر الآخرين، لكنه كان النور الوحيد في حياتها.
الضوء الذي ظهر وسط ظلامها.
لاحظ والدها شرودها وذهولها، فهز كتفيها بلطف.
"الجميع كان ينتظر استيقاظك. أنتِ أملنا يا نابيلار."
لم تستطع تحمّل رؤية والدها وهو يتوسل بهذا الشكل.
أخمدي نيرانكِ أيتها الروح...
فمصير العالم أهم من لوعة حب لم تكتمل فصوله.
"سأفعل ما يقتضيه الأمر من أجل نشر السلام.
سأتحمل مسؤولية التكفير عن أخطاء الجميع.
سأكون القربان، سأكون زوجة لملك مصاصي الدماء، سأكون أي شيء يريدونه...
فقط، لا مزيد من الألم."
قالت كلماتها بعدما جفت دموعها.
كانت تشعر بأنها الخاسرة الوحيدة في هذه الحرب.
نهض والدها، وقد تغيرت ملامحه إلى الفرح، ثم غادر الغرفة دون أن ينظر إليها مرة أخرى.
وكأن كل ما فعله قبل قليل لم يكن سوى محاولة مقصودة لدفعها إلى الموافقة.
"ما الجديد في هذا يا نابيلار؟
حياتكِ لم تكن طبيعية منذ ولادة أمك، والآن جاء هذا الزواج...
ها هي الرحمة."
أعادت رأسها إلى الخلف بإرهاق جسدي.
لقد أعادها ذلك الحلم من جديد...
الحلم الذي لا يزال يتكرر في مخيلتها بين حين وآخر.
رأت فيه مباني شاهقة، وسماءً مظلمة خانقة، وعالمًا تسيطر عليه قوى الفوضى.
عالمًا لا وجود فيه للبشر ولا لمصاصي الدماء.
فقط...
أنقاض.
كان تكرار تلك المشاهد يجعل كل شعرة في جسدها ترتجف.
مهما كان الشيء الذي رأته، فقد كان الشر متجسدًا في هيئة كابوس.
لم تكن تريد حتى أن تتذكره.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!