نصفي الدموي
نصفي الدموي
جزء 36 من 41
وضع القراءة:

الفصل الخامس و الثلاثون

بدا الأمر سخيفًا حين فكر فيه، لكنه لم يستطع إنكار ما يشعر به.
إن أراد يومًا أن يلفت انتباهها...
فعليه أولًا أن يصبح رجلًا يستحق الوقوف إلى جانبها.
رفع رأسه نحو السماء وهمس:
"لن تكتمل سعادة نابيلار إن استمرت هذه الحرب."
شد قبضته.
"لذلك... سأجعلها تنتهي."
وما إن نهض من مكانه، حتى شعر بشيء غريب.
بدأ الحاجز السماوي الذي كان يحجب أشعة الشمس عن مصاصي الدماء يتداعى تدريجيًا.
توقفت أنفاسه.
كان ذلك نذير شؤم.
فهذا لا يعني سوى أمر واحد...
أن وليام فشل في السيطرة على عرش المملكة.
رفض كايل تصديق الفكرة.
وليام...
ذلك الذي كرّس حياته كلها ليكون وريثًا لوالدته.
الجميع كان يؤمن بأنه الأجدر بالحكم.
حتى هو.
لكن الصرخات التي بدأت تتردد في كل مكان، صرخات مصاصي الدماء وهم يحترقون تحت أشعة الشمس، أكدت له أن الكارثة قد وقعت بالفعل.
أطبق على قبضته بقوة.
واشتعلت داخله رغبة جارفة في التحرك.
ليس لأن أحدًا طلب منه ذلك...
بل لأنه هو من أراد التدخل.
وفي خضم أفكاره، ظهر الفارس المقدس أمامه.
كانت ملامحه شاحبة، وفي يده بلورة زجاجية شفافة.
انحنى باحترام وقال:
"سيدي... لقد حل الخراب بمملكة مافيستا."
رفع البلورة أمامه.
"لقد فشل الأمير وليام في السيطرة على طاقة الأصل."
بدأت الصور تتحرك داخل البلورة.
ظهر وليام وهو يحاول الوقوف مرة بعد أخرى، لكن طاقة الأصل كانت تقذفه بعيدًا في كل محاولة، وكأنها ترفض الاعتراف به.
انقبض قلب كايل.
لم يكن وليام يستحق هذه النهاية.
وربما...
لم يكن ذلك العرش مقدرًا له منذ البداية.
تبدلت الصورة.
ظهرت شوارع مافيستا غارقة في الفوضى، والسكان يفرون في كل اتجاه، بينما كانت كائنات الكيتو تطاردهم بلا رحمة.
ساد الصمت للحظة.
ثم قبض كايل على يده بقوة.
"أقسم أنني سأعود من أجلك يا نابيلار."
ارتفع صوته شيئًا فشيئًا.
"وأقسم أنني سأصلح كل هذه الفوضى!"
في اللحظة التي نطق فيها بتلك الكلمات...
تحررت قيود قوته دفعة واحدة.
انفجرت هالته، واتسع مجالها حتى تجاوز كل حدوده السابقة.
ارتفع جسده في الهواء دون أن يشعر.
وفجأة...
أصبح يسمع أنفاس أضعف المصابين تحت الأنقاض.
ويشعر بنبضاتهم.
ويحدد مواقعهم جميعًا.
ابتسم الفارس المقدس براحة وهو يراقب حقل الطاقة يتوسع باستمرار.
ثم قال بهدوء:
"لقد حان الوقت... ليتحرك الإمبراطور."
واصلت طاقة كايل انتشارها، حتى غطت ممالك البشر الخمس كاملة، ثم امتدت إلى مملكة مافيستا أيضًا.
لكن شيئًا لم يكن على ما يرام.
فكلما محا كايل مجموعة من كائنات الكيتو...
ظهرت الأسهم الزرقاء من العدم.
تعيد نشر الدمار من جديد.
وكأن كل ما فعله لم يغير شيئًا.
...
وفي مكان آخر...
كان السيد فيقاس يتابع ما يحدث داخل مملكته.
تغيرت ملامحه فجأة، ثم انفجر غضبًا.
"إن لم أتحرك الآن..."
اشتدت قبضته.
"فسيتبدد حلم زوجتي الراحلة."
أغمض عينيه للحظة.
"وسيضيع كل ما ضحت من أجله."
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم التفت إلى الجنرال الواقف خلفه.
وأشار إليه بإشارة حاسمة.
"نفّذ الضربة."
ساد الصمت.
لكن فيقاس كان يعلم جيدًا ثمن ذلك القرار.
حتى وإن كان الثمن... أزار.
راقب الصواريخ والمدافع وهي تستعد لقصف المنطقة التي كان أزار يجري فيها تجاربه.
شعر بقلبه ينقبض.
فأزار...
كان ابنه الأكبر.
وأذكى أبنائه.
لكنه فشل في أن يجعله رجلًا صالحًا.
أطرق رأسه، ثم همس وكأنه يقنع نفسه:
"ربما... سيكون موته خيرًا للبشرية."
أو هكذا حاول أن يخفف وطأة القرار الذي اتخذه.
...
"أريد رؤية نابيلار... لماذا لا يفهم أحد؟ دعوني أدخل!"
صرخت ماليسا وهي تمسح وجهها المحروق.
كان نصف وجهها مشوهًا، وكأنها خرجت للتو من معركة مع أشباه الموتى.
لكنها لم تهتم.
كل ما كان يشغل عقلها هو شيء واحد...
هي الوحيدة التي تعرف مكان ابنتها مينا.
كاد قلبها يتوقف عندما ألقاها الحراس خارج بوابة القصر دون أي اهتمام برجائها.
لقد استغرق وصولها إلى هنا وقتًا بدا وكأنه عمر كامل.
منذ أن سمعت أن نابيلار شوهدت داخل القصر، لم تفكر في شيء سوى الوصول إليها.
"لماذا لا يفهم أحد؟!"
صرخت مجددًا، وصوتها يحمل اليأس أكثر من الغضب.
"كل ما أريده هو رؤية ابنتي الوحيدة! العالم ينهار من حولنا، وأنا حتى الآن لا أعرف أين هي!"
ارتجف صوتها.
"والدها لا يهتم بها..."
ثم نظرت إلى الحراس بغضب.
"اللعنة عليكم! أنتم لستم بشرًا... أنتم وحوش!"
نزعت فردة حذائها ورمتها نحوهم، ثم استدارت مبتعدة عن القصر.
لكن خطواتها كانت بطيئة.
كانت خائفة.
خائفة من أن ينتهي كل شيء قبل أن ترى ابنتها مرة أخرى.
خائفة من أن تموت قبل أن تحتضن مينا.
وفجأة...
ظهر شخص أمامها.
تجمدت في مكانها، ثم تراجعت حتى سقطت على الأرض.
كان ديفيد.
"بحق الله... هل أنت مجنون؟!"
نظرت إليه بصدمة.
إنه الشخص نفسه الذي تجاهل مكالماتها عندما كانت بأمس الحاجة إليه.
والآن يظهر أمامها فجأة...
لكن ليس كما اعتادته.
كان مختلفًا.
تفوح منه طاقة غريبة، وتحيط به هالة جعلتها عاجزة عن فهمه.
ارتجف قلبها.
هل أصبح عدوًا؟
أم أنه ما زال في صفها؟
"سآخذك إلى ابنتك."
قالها ديفيد بهدوء.
اشتعل الغضب داخلها.
كانت تريد صفعه.
أن تسأله أين كان طوال هذا الوقت.
لكنها توقفت.
لأن الشيء الوحيد الذي يهمها الآن هو مينا.
مد يده إليها.
ترددت للحظة، ثم أمسكت بها.
ساعدها على النهوض، وبعدها رفع سيفه وشق به الهواء.
ظهر صدع يؤدي إلى مكان آخر.
نظر إليها وقال:
"ثقي بي."
لم تعد ماليسا تملك رفاهية الشك.
لقد مرت خلال الأيام الماضية بأشياء تفوق الخيال.
فما الذي سيحدث لو جربت مرة أخرى؟
حتى لو كان ذلك وهمًا...
فمجرد رؤية ابنتها ستكون كافية.
---
لكن ما رأته بعد عبورها جعلها عاجزة عن الكلام.
كان أزار هناك.
أزار نفسه...
الرجل الذي ظنت أنه تخلى عن ابنتهما.
كان يقف بجوار مينا، يحاول إنقاذها.
شعرت للحظة أن هذا مجرد حلم.
شيء لا يمكن أن يحدث حتى لو تمنته بكل قوتها.
مسحت عينيها، ثم تقدمت ببطء.
لكن سرعان ما لاحظت الأمر.
هناك شيء خاطئ.
مينا لم تتحرك.
"ما الذي فعلته بها، أيها المختل؟!"
اندفعت نحوه دون تفكير، وبدأت تضربه بيديها.
لم يتوقع أزار ظهورها.
أمسك بمعصمها، ثم ثبتها على الفراش بينما حدق في عينيها بغضب.
"كل دقيقة تضيعينها بسبب أفكارك غير المنطقية قد تقتل مينا."
اشتد صوته.
"ابتعدي عن طريقي... وإلا فلا أحد يعلم إلى أين ستصل الأمور."
كان غاضبًا.
ليس منها فقط...
بل من كل ثانية تُسرق منه.
فقد قاطعت طقوسه في أكثر لحظة حساسة.
تنهد بضيق.
"اللعنة... عليّ أن أبدأ من جديد."
جرح كفه، وبدأت قطرات دمه تسقط على الأرض، فوق الدوائر والرموز التي رسمها مسبقًا.
---
"فليخبرني أحد بما يحدث!"
صرخت ماليسا، وشعرت وكأن رأسها سينفجر.
كل ما يحدث كان أكبر من قدرتها على الفهم.
لكن وسط كل ذلك، كان هناك شعور واحد يطغى على الجميع.
الندم.
لقد كان عليها أن تحضر مينا بنفسها.
كان عليها ألا تعتمد على أزار.
لقد سمحت لعملها وحياتها الخاصة بأن يأخذا مكان ابنتها.
والآن...
لم تستطع سوى رؤية نفسها كأم فاشلة.
اقتربت من مينا، وأمسكت يدها بقوة.
"مينا..."
ارتجف صوتها.
"ماما هنا... هل تسمعينني؟"
انهمرت دموعها.
"سأصلح كل شيء، أعدكِ... أرجوكِ، افتحي عينيك."
تشبثت بيد ابنتها وكأنها تتمسك بحياتها نفسها.
كانت مستعدة لدفع أي ثمن.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الثالث 5 الفصل الرابع 6 الفصل الخامس 7 الفصل السادس 8 الفصل السابع 9 الفصل الثامن 10 الفصل التاسع 11 الفصل العاشر 12 الفصل الحادي عشر 13 الفصل الثاني عشر 14 الفصل الثالث عشر 15 الفصل الرابع عشر 16 الفصل الخامس عشر 17 الفصل السادس عشر 18 الفصل السابع عشر 19 الفصل الثامن عشر 20 الفصل التاسع عشر 21 الفصل العشرون 22 الفصل الحادي و العشرون 23 الفصل الثاني و العشرون 24 الفصل الثالث و العشرون 25 الفصل الرابع و العشرون 26 الفصل الخامس و العشرون 27 الفصل السادس و العشرون 28 الفصل السابع و العشرون 29 الفصل الثامن و العشرون 30 الفصل التاسع و العشرون 31 الفصل الثلاثون 32 الفصل الحادي و الثلاثون 33 الفصل الثاني و الثلاثون 34 الفصل الثالث و الثلاثون 35 الفصل الرابع و الثلاثون 36 الفصل الخامس و الثلاثون 37 الفصل السادس و الثلاثون 38 الفصل السابع و الثلاثون 39 الفصل الثامن و الثلاثين 40 الفصل التاسع و الثلاثين 41 الفصل الاربعون و الأخير

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.