نصفي الدموي
نصفي الدموي
جزء 12 من 41
وضع القراءة:

الفصل الحادي عشر

ضحك كايل بسخرية مريرة.
"وما الفائدة من الخوف؟ أنا في الأصل بلا قدرات... مصاص دماء لُعن منذ ولادته!"
صرخ في وجهها، وكأنه يتوسل إليها أن تتركه يجرب آخر أمل بقي له.
"كل شخص يمتلك ما يميزه، يا كايل... لا تحتاج إلى قدرات حتى تكون مصاص دماء."
خرجت كلماتها بهدوء، فالتقت عيناه بعينيها القرمزيتين للحظة.
وفي اللحظة نفسها، انشق سطح الصندوق بصوت مكتوم.
فجأة، أضاءت الغرفة كلها.
ظهرت شاشة مضيئة في الهواء، وانطلق صوت "إيف ثلاثة عشر":
«رُصدت حالة طاقة خارجة عن السيطرة. سيتم تفعيل الحاجز الفائق.»
كانت تلك المرة الأولى التي تسمع فيها نابيلار بوجود هذا البروتوكول. لم تجد حتى فرصة للتفكير في كيفية عمله.
في أقل من ثانية، اندفع حقل طاقة هائل من الصندوق، فدفع الاثنين بعنف في اتجاهين متعاكسين.
ارتطم رأس كلٍّ منهما بالحائط.
دوّى انفجار مكتوم داخل الغرفة، أعقبه صفير حاد ملأ سمعهما.
حاول كلٌّ منهما النهوض، لكن أطرافهما لم تستجب. أصبحت الأصوات بعيدة ومشوّهة، وبدأت معالم الغرفة تذوب أمام أعينهما شيئًا فشيئًا، حتى اختلط الواقع بالضباب.
هل نجح الأمر... أم جعل كل شيء أسوأ؟
الخدر اجتاح جسديهما، وإن بدرجات مختلفة.
لم تعد نابيلار قادرة على إبقاء عينيها مفتوحتين.
أما كايل، فظل يحدق بها رغم الضباب الذي غطى بصره.
للمرة الأولى، لم ير أمامه مجرد فتاة هجينة، بل فتاة تحمل فوق كتفيها ثقلًا يفوق قدرتها على الاحتمال.
"فقط... لو كنتُ مصاص دماء بقدرات مثل أبناء جنسي... هل كنتُ سأشغل حيّزًا من تفكيرك، يا نابي؟"
همس كايل، قبل أن يغرق في الظلام ويفقد وعيه.
لا تزال تشعر بثقل غريب في نصف جسدها، وكأن شيئًا غير مرئي يمنعها من الحركة. فتحت نابيلار عينيها ببطء، لتجد المياه تغمر نصفها السفلي، وكانت مستلقية على حضن امرأة فاتنة الملامح.
في البداية لم تستوعب ما تراه.
تجمدت أنفاسها، واتسعت حدقتا عينيها، بينما بدأت الدموع تتجمع في مقلتيها حتى كادت تحجب عنها الرؤية.
ذلك الوجه...
ذلك الدفء الذي لم تشعر به منذ سنوات.
"أمي..."
خرج صوتها محطمًا، ضعيفًا، كأنها تخشى أن تختفي الصورة أمامها بمجرد أن تنطق باسمها.
هل كان هذا حلمًا؟
هل كان عقلها يحاول خداعها وإعادة شخص فقدته منذ زمن؟
شعرت بأنامل والدتها تلامس وجهها برفق، كما لو أنها كانت تمسح عنها كل الألم الذي حملته طوال حياتها.
"آسفة يا نابيلار، لأنكِ ورثتِ لعنة الفناء خاصتي. كم تمنيت لو بقيتُ إلى جانبك، لأخفف عنكِ هذا الحمل."
ارتجفت شفتا نابيلار.
"لكنني الآن، وأنا أراكِ هنا، أستطيع الرحيل مطمئنة. اللعنات، مثلها مثل كل سوء حظ، لا تدوم إلى الأبد."
انهمرت دموع نابيلار بصمت.
لم تكن دموع ضعف، بل دموع طفلة عاشت سنوات وهي تبحث عن حضن فقدته قبل أن تفهم معنى الفقد.
حاولت الاقتراب منها، حاولت رفع يدها ولمسها، لكن جسدها لم يستجب.
كانت مقيدة في مكانها، عاجزة عن فعل أي شيء سوى النظر إليها.
"أمي..."
خرج صوتها مرتجفًا.
"أنتِ لستِ الملامة. لقد فعلتِ كل شيء حتى تمنحيني يومًا آخر في هذه الحياة."
ابتلعت شهقتها، بينما كانت الدموع تتساقط بلا توقف.
"لا تزال دماؤك محفوظة... لا تزال ذكراك معي."
ارتعش صوتها أكثر.
"أنا آسفة... لأنني كنت السبب في رحيلك. أنا آسفة..."
مدت يديها نحوها محاولة الإمساك بها، لكن جسد والدتها بدأ يتلاشى تدريجيًا، وكأن الزمن يستعيد حقه منها.
لم يبقَ سوى ابتسامتها الهادئة.
ابتسامة شخص كان ينتظر هذه اللحظة منذ الأزل، فقط ليتأكد أن ابنته بخير.
شعرت نابيلار بألم غريب داخل صدرها.
كأن شيئًا ثقيلاً ظل عالقًا بداخلها لسنوات، ثم انتُزع فجأة وترك خلفه فراغًا لا يُحتمل.
فتحت عينيها ببطء.
اختفى ذلك العالم الهادئ، وعاد السقف المألوف لغرفتها أمامها.
لكن الألم لم يختفِ.
بل أصبح أكثر وضوحًا.
حاولت التقاط أنفاسها، إلا أن صدرها كان يعلو ويهبط بعنف، وضربات قلبها بدت غريبة حتى بالنسبة لها.
نهضت من الفراش بشكل مفاجئ، وكأنها تحاول اللحاق بشخص يبتعد عنها.
"أمي..."
خرج صوتها مكسورًا.
"لا ترحلي وتتركيني..."
شهقت، والدموع تعود إلى عينيها.
"أمي... لا شيء بعد رحيلك كان كما كان..."
كان صوتها مرتفعًا لدرجة جعلت كايل، الذي كان نائمًا على الكرسي بجانبها، يستيقظ مذعورًا.
فتح عينيه بسرعة، وفي اللحظة التالية كان بجانبها.
أمسك كتفيها برفق محاولًا إعادتها للواقع.
"نابيلار، انظري إليّ."
لم تستجب.
كانت تحدق في الفراغ، وكأن جزءًا منها لا يزال عالقًا في ذلك الحلم.
"نابيلار، تمالكي نفسك. لقد انتهى الأمر."
توقفت أنفاسه للحظة وهو يرى حالتها.
هذه ليست نابيلار التي يعرفها.
ليست المرأة التي وقفت أمام أعدائها بلا خوف.
ليست الفتاة التي واجهته وكأنها لا تخشى الموت.
هذه كانت مجرد فتاة فقدت أمها مرة أخرى.
أشار لها كايل بيده، محاولًا تهدئة ارتجافها.
"خذي نفسًا عميقًا."
نظرت إليه نابيلار دون تركيز، وكأنها لم تسمع صوته.
"استنشقي..."
ترددت للحظة، ثم فعلت ما طلبه.
"والآن أخرجيه ببطء."
تكررت العملية عدة مرات، حتى بدأت أنفاسها تهدأ قليلًا، وإن بقيت آثار الانهيار واضحة في عينيها.
"لقد كنتِ غائبة عن الوعي لأسبوع كامل."
قالها كايل بهدوء، وهو يراقب تعابير وجهها.
أسبوع...
توقفت عند الكلمة.
كيف مرّ كل هذا الوقت؟
أعادت خصلات شعرها إلى الخلف، تحاول استيعاب ما حدث.
"لم أحلم قط بوالدتي..."
خرج صوتها منخفضًا.
"كنت صغيرة جدًا عندما رحلت. ربما لهذا السبب... هذا الشعور بالفراغ يخيفني."
سكتت للحظة، ثم رفعت عينيها إليه.
للمرة الأولى، لاحظت تفاصيل لم تنتبه إليها من قبل.
ذقنه التي كان يهملها أصبحت حليقة.
شعره أصبح أكثر ترتيبًا.
الغرفة نفسها بدت مختلفة؛ أكثر نظافة وتنظيمًا.
وكأن شخصًا ما حاول الاهتمام بكل شيء أثناء غيابها.
كايل...
لم يكن يبدو كما كان عندما استيقظت أول مرة.
كان هناك شيء تغير فيه.
شيء صغير، لكنه واضح.
التفتت حولها ببطء.
لم تجد الصندوق.
ثم وقعت عيناها على يدها.
أثر الجرح ما زال موجودًا.
لم يلتئم.
انقبض قلبها.
"هل انفجار الطاقة..."
همست.
"هل جعله أسرع؟"
نظرت إلى يدها وكأنها ترى مستقبلها أمامها.
"هل سأموت في أي لحظة؟"
تسارعت أنفاسها قليلًا.
"هل ستنتهي حياتي بهذه الطريقة؟ دون أن أترك أثرًا حقيقيًا؟"
كانت تلك الأفكار أثقل من أي ألم جسدي.
لاحظ كايل تغير ملامحها، لكنه لم يعرف كيف يواسيها.
هو نفسه لم يكن معتادًا على رؤية شخص مثله بهذه الهشاشة.
"لا تزالين نابيلار."
قالها فجأة.
نظرت إليه.
"وأنا لا أزال كايل."
اقترب منها ووضع كأس ماء بين يديها.
"مصاص الدماء عديم القدرات."
ثم ابتسم ابتسامة ساخرة.
"والفتاة المجنونة التي قررت إنقاذ قاتل متسلسل."
نظرت إليه للحظات، ثم وقع بصرها على المحلول الوريدي بجانبه.
كان يحتوي على دماء.
رفعت حاجبها تطلب تفسيرًا.
تنفس كايل ببطء قبل أن يجيب:
"فقدتِ كمية كبيرة من الدماء."
صمت قليلًا.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الثالث 5 الفصل الرابع 6 الفصل الخامس 7 الفصل السادس 8 الفصل السابع 9 الفصل الثامن 10 الفصل التاسع 11 الفصل العاشر 12 الفصل الحادي عشر 13 الفصل الثاني عشر 14 الفصل الثالث عشر 15 الفصل الرابع عشر 16 الفصل الخامس عشر 17 الفصل السادس عشر 18 الفصل السابع عشر 19 الفصل الثامن عشر 20 الفصل التاسع عشر 21 الفصل العشرون 22 الفصل الحادي و العشرون 23 الفصل الثاني و العشرون 24 الفصل الثالث و العشرون 25 الفصل الرابع و العشرون 26 الفصل الخامس و العشرون 27 الفصل السادس و العشرون 28 الفصل السابع و العشرون 29 الفصل الثامن و العشرون 30 الفصل التاسع و العشرون 31 الفصل الثلاثون 32 الفصل الحادي و الثلاثون 33 الفصل الثاني و الثلاثون 34 الفصل الثالث و الثلاثون 35 الفصل الرابع و الثلاثون 36 الفصل الخامس و الثلاثون 37 الفصل السادس و الثلاثون 38 الفصل السابع و الثلاثون 39 الفصل الثامن و الثلاثين 40 الفصل التاسع و الثلاثين 41 الفصل الاربعون و الأخير

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.