نصفي الدموي
نصفي الدموي
جزء 13 من 41
وضع القراءة:

الفصل الثاني عشر

"فقدتِ الكثير من الدماء. عندما استيقظتِ، كان نبضك ضعيفًا جدًا. لم أستطع مشاركة دمائي معكِ، فالدماء الوحيدة التي تطابقت مع خاصتكِ كانت تلك الموجودة في القناني أسفل فراشكِ."
رمشت نابيلار عدة مرات، وكأنها تحاول استيعاب كلماته.
كم قنينة استُهلكت؟
تلك لم تكن مجرد دماء محرّمة كما كانت تسميها، بل كانت آخر ذكرى متبقية من والدتها. إكسير الحياة الذي يمنحها لحظة إضافية في هذا العالم، رغم الألم الذي يرافق استخدامه.
نزلت من الفراش ببطء، تحاول الوقوف بثبات، وكأنها تتعلم المشي من جديد. لكن جسدها خانها للحظة، فامتدت يد كايل وأمسكت بها.
"تمهّلي."
توقفت أنفاسها للحظة.
كانت أنفاسه قريبة من عنقها، والنبضة التي شعر بها عندما لامس جسده جسدها جعلت إحساسًا غريبًا يسري في عروقه، كتيار كهربائي مفاجئ. أما هي، فانتفضت دون إرادة.
"أنا بخير وحدي."
قالتها وهي تحاول استعادة توازنها.
لم تكن تمانع أن تنهار أمامه، لكنها كانت تعلم أن رؤية ضعفها ستؤثر عليه بطريقة لا تريدها.
ابتعدت عنه، ثم وقفت أمام المرآة تحدّق في انعكاسها.
للمرة الأولى، لم ترَ فقط آثار اللعنة التي تطاردها.
رأت نفسها.
رأت وجودها في هذا العالم.
وكأنها، بعد سنوات طويلة، حصلت أخيرًا على دليل بأنها ما زالت هنا.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهها.
هل اختفت اللعنة؟
هل ستتمكن أخيرًا من العيش دون انتظار الموت المحتوم؟
كانت الفكرة وحدها كفيلة بجعل قلبها يخفق بقوة، وكأنها تريد الصراخ من شدة الفرح.
بقيت واقفة أمام المرآة لعدة لحظات، لا تعرف هل عليها أن تضحك أم تبكي.
بعد سنوات قضتها وهي تنتظر النهاية، بدا احتمال الحياة نفسه غريبًا عليها. لم تكن تعرف كيف تتعامل مع فكرة أنها قد تحصل أخيرًا على شيء لم تسمح لنفسها حتى بالحلم به.
أخذت نفسًا عميقًا، محاولة استيعاب هذا الشعور الجديد، ثم أغمضت عينيها للحظة.
لكن الخوف بقي مختبئًا خلف فرحتها.
ماذا لو كان هذا مجرد وهم؟
ماذا لو عادت اللعنة لتأخذ كل شيء منها مجددًا؟
رمشت عدة مرات، ثم أعادت نظرها إلى كايل.
كان يحدّق بها بصمت، وكأنها أصبحت فريسة يحاول مقاومة الاقتراب منها.
أرادت أن تختبر قواها، أن تعرف إن كانت لا تزال موجودة، لكنها كانت خائفة.
خائفة من أن تكتشف أن هذا الشعور الجميل مجرد وهم، وأن كل شيء سيعود كما كان.
قطع كايل الصمت الذي خيّم بينهما، وأعادها من دوامة أفكارها إلى الواقع:
"أين الآلات الرياضية التي أخبرتني عنها؟"
نظرت إليه باستغراب للحظة.
لقد كان يحاول، بطريقته الخاصة، تشتيت انتباهها عن الغرق في حزنها وأفكارها.
لم يقل لها كلمات مواساة، ولم يحاول إجبارها على الحديث، لكنه بقي بجانبها بطريقته الخاصة.
كان هناك شيء تغير فيه.
حتى هالته أصبحت أكثر كثافة وحضورًا.
هزّت رأسها سريعًا، وكأنها تطرد تلك الأفكار.
'ليس هذا وقت الإعجاب به. هناك أمور أهم... ركّزي يا نابيلار.'
...
"اخرس يا ديفيد... لا."
خرجت الكلمات من فم أزار بحدة، لكنه سرعان ما توقف، كأنه يحاول منع نفسه من الانفجار. أخذ نفسًا عميقًا، محاولًا استيعاب ما يقوله الرجل الواقف أمامه.
لم يكن مستعدًا لتقبل الحقيقة التي تُلقى أمامه بهذه السهولة.
"لا يمكن لأبي أن يجردني من منصبي. أنا وصلت إلى ما أنا عليه بتعبي وشقائي وحدي. لم أكن الابن المدلل الذي يرث مال والده أو سلطته."
بحّ صوته وهو يحدق إلى ديفيد الهادئ، وكأنه يبحث في ملامحه عن أي علامة تدل على أنه يمزح.
لكن ديفيد لم يكن يمزح.
كان أكثر جدية من المعتاد، وهذا وحده كان كافيًا ليجعل أزار يشعر بأن الأمر أخطر مما يتوقع.
"أزار، أنت استخدمت منصبك بصورة تتنافى مع الوضع الراهن. لقد أطلقت تهديدات صريحة بتدمير عالم مصاصي الدماء."
وضع ديفيد بعض الأوراق على الطاولة، ثم تابع بنبرة ثابتة:
"أنت تعلم حجم الجهد الذي يبذله والدك لإخماد أي حركات متهورة قد تقود إلى سفك دماء الجنسين."
ساد الصمت للحظات.
كان أزار يحدق في الأوراق أمامه، لكنه لم يمد يده لقراءتها. منذ أيام وهو يشعر بأن شيئًا ما ليس على ما يرام، وكأن جسده وعقله يرفضان تصديق ما يحدث.
آخر ما يتذكره بوضوح هو فقدانه السيطرة...
ثم صورة خطيبته بين ذراعيه، ودماؤها التي سالت بسبب أنيابه.
"كما أنك كشفت نفسك."
رفع ديفيد عينيه إليه.
"الجميع في المدينة بات يعلم أنك مصاص دماء."
تجمدت ملامح أزار للحظة.
الكلمة وحدها كانت كافية لإشعال غضبه.
مصاص دماء.
الصفة التي حاول طوال حياته الهروب منها.
بدأ يضحك، ضحكة خالية من الفرح، بينما مد يده إلى درج مكتبه وأخذ يرمي محتوياته على الأرض.
"أنا بشري..."
خرج صوته منخفضًا في البداية، ثم ارتفع تدريجيًا.
"لست مصاص دماء. لست هجينًا مثل نابيلار... أنا أمتلك الإنسانية."
لكن قبل أن يكمل حديثه، شعر بوجود أشخاص آخرين في المكان.
توقفت حركته.
رفع رأسه ببطء نحو الباب.
لم يسمع خطواتهم.
لم يشعر بوجودهم.
وهذا وحده كان كافيًا ليجعله يدرك خطورة من دخلوا.
انفتح الباب دون استئذان، ودخل ثلاثة رجال يرتدون بذلات سوداء.
اتسعت عينا أزار.
كيف لا يعرفهم؟
حتى أصغر طفل في عالم البشر يعرف أسماءهم، ويعلم أن ظهورهم لا يعني سوى شيء واحد...
المشاكل.
"ما الذي جاء بكم إلى هنا؟"
خرج صوته أكثر حذرًا هذه المرة، بينما تراجع خطوة إلى الخلف.
تقدم أحد الرجال إلى الداخل.
كان في منتصف العمر، أشقر الشعر، وملامحه هادئة بشكل مخيف. رفع نظره إلى السقف للحظة، ثم أخرج سيجارة وأشعلها بلا استعجال.
ذلك الهدوء كان أكثر رعبًا من الغضب.
"أزار..."
قالها الرجل وكأنه ينطق باسم شخص يعرف نهايته.
"لقد حذرناك من أن يتم كشفك للعالم."
اقترب أكثر.
"أعطيناك فرصة بعد أن ترجّاك والدك في المرة السابقة... لكن ليس اليوم."
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الثالث 5 الفصل الرابع 6 الفصل الخامس 7 الفصل السادس 8 الفصل السابع 9 الفصل الثامن 10 الفصل التاسع 11 الفصل العاشر 12 الفصل الحادي عشر 13 الفصل الثاني عشر 14 الفصل الثالث عشر 15 الفصل الرابع عشر 16 الفصل الخامس عشر 17 الفصل السادس عشر 18 الفصل السابع عشر 19 الفصل الثامن عشر 20 الفصل التاسع عشر 21 الفصل العشرون 22 الفصل الحادي و العشرون 23 الفصل الثاني و العشرون 24 الفصل الثالث و العشرون 25 الفصل الرابع و العشرون 26 الفصل الخامس و العشرون 27 الفصل السادس و العشرون 28 الفصل السابع و العشرون 29 الفصل الثامن و العشرون 30 الفصل التاسع و العشرون 31 الفصل الثلاثون 32 الفصل الحادي و الثلاثون 33 الفصل الثاني و الثلاثون 34 الفصل الثالث و الثلاثون 35 الفصل الرابع و الثلاثون 36 الفصل الخامس و الثلاثون 37 الفصل السادس و الثلاثون 38 الفصل السابع و الثلاثون 39 الفصل الثامن و الثلاثين 40 الفصل التاسع و الثلاثين 41 الفصل الاربعون و الأخير

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.