الفصل الرابع و العشرون
"بفضل السيد أزار، تمكنت من الحصول على فرصة للانتقام. حتى وإن كان هذا يومي الأخير، فإن موتك سيشفيني. على الأقل، سترتاح أرواح وقلوب الذين سُرقت منهم سعادتهم، ومن فقدوا أغلى من كانوا في حياتهم. أنت مجرد نكرة تبغض ذاتها. أخطأت حين سلكت طريق الدماء بحثًا عن الخلاص."
كم أراد كايل أن يخبره بأنه آسف.
لم يكن يعلم أن رغبته في الحصول على القوة، بغض النظر عن الوسيلة، قد تترك خلفها آثارًا لا يمكن محوها.
في مخيلته القديمة، كان يعتقد أن البشر مجرد أدوات في أيدي مصاصي الدماء، مجرد كائنات ضعيفة تُستخدم لتحقيق غاياتهم. لم يتخيل يومًا أنهم يمتلكون مشاعر كتلك التي يحملها هو، وأنهم يتألمون من الفقد كما يتألم أي شخص آخر.
لكن الآن...
لم يعد قادرًا على رؤية البشر بالطريقة نفسها.
لم يستطع كايل التظاهر بالموت أو ترك نفسه يسقط أمامه. فقد اكتمل شفاء جسده، ولم تترك طعنة الطفل سوى ندبة عميقة في روحه، أما جسده فلم يعد ينزف.
راقب سام، ولاحظ أن جسده بدأ يرتجف، رغم أنه ما زال ممسكًا بالسكين التي أخرجها من جسد كايل.
"لماذا لا تموت وتريحنا؟"
خرج صوته مرتجفًا.
"لماذا ظهرتم في عالمنا؟ لماذا يحدث هذا لنا؟ ما الذي فعلناه لكم؟ ما ذنب أختي حتى تهلك؟ ماذا فعلت لك أمي لتقتلها؟"
اختلطت كلماته بالبكاء.
"اللعنة عليكم..."
بدأت دموعه بالسقوط، وارتفعت شهقاته حتى ملأت المكان.
وفي تلك اللحظة، زال تأثير القدرة التي كانت تقيد حركة كايل.
لكن كايل لم يتحرك للهجوم.
بل اقترب منه.
خلف سام بدأت ظلال غامضة تتشكل ببطء. تعرف كايل على تلك الرائحة، وعلى نبضات القلب القادمة منها.
إنهم...
فرسان التطهير التابعون لمملكة مافيستا.
وقبل أن يفهم سام ما يحدث، نزل كايل على ركبته واحتضنه.
ذلك الطفل الذي كان قبل يوم واحد فقط يضربه ويطعنه دون توقف...
الآن كان بين ذراعيه.
"قلت لك ابتعد عني! اتركني!"
صرخ سام، وكانت صرخاته تمزق الصمت. نظر إليه باشمئزاز، وكأنه يحتضن كائنًا لا ينتمي إلى هذا العالم.
لكن كايل لم يتركه.
"سأتأكد من أن تتم محاسبتي على ما حدث... لكن هذه لن تكون نهايتي، أيها الصغير."
همس بهذه الكلمات بالقرب من أذنه.
وفي اللحظة التالية، بدأ وشم تاج الجماجم بالظهور على عنقه.
وانتشرت نيران قرمزية داخل جسد سام.
توقفت صرخاته تدريجيًا، وبدأ جسده يتحول إلى رماد يتلاشى في الهواء.
حتى آخر لحظة...
لم يختفِ الكره من عينيه.
لم يختفِ الاحتقار تجاه كايل.
وعندما اختفى آخر جزء منه، بقي كايل واقفًا في مكانه دون حركة.
لم يشعر بالانتصار.
ولم يشعر بأنه هزم عدوًا.
كل ما شعر به كان ثقلًا لا يستطيع وصفه.
ذلك الطفل لم يكن وحشًا.
كان مجرد شخص فقد كل شيء، شخصًا يبحث عن إجابة لألم أكبر من قدرته على التحمل.
نظر كايل إلى يديه بصمت.
قبل لحظات فقط، كان يحتضن شخصًا جاء ليقتله.
وللمرة الأولى، أدرك أن الخطايا لا تختفي فقط لأن صاحبها لم يقصد ارتكابها.
أحيانًا...
تكون النتائج أقسى من النوايا.
وبينما كان الرماد يختفي في الهواء، شعر كايل بوجود آخر يقترب.
وجود مختلف تمامًا.
رفع رأسه ببطء.
لقد عرف تلك الرائحة.
بدأت الظلال تتشكل خلف المكان الذي اختفى فيه سام.
لم تكن ظلالًا عادية، بل كانت تحمل هالة مألوفة بالنسبة لكايل.
رائحة التطهير...
ونبض قلب ينتمي إلى شخص تجاوز حدود البشر العاديين.
ظهر الفارس المقدس من بين الظلال، ثم انحنى ببطء حتى لامس رأسه الأرض.
"بصفتي فارسًا مقدسًا مكلفًا بدحض كيانات عالم الفوضى، أقدم اعتذاري على مقاطعتك، أيها الإمبراطور المنتظر."
ساد الصمت.
ظل كايل ينظر إلى المكان الذي اختفى فيه سام، وكأن عقله ما زال يحاول استيعاب ما حدث.
طفل صغير دخل حياته محملًا بالكراهية، وانتهى به الأمر مجرد رماد يتناثر في الهواء.
"ألم يكن هناك طريقة لإنقاذه؟"
خرج السؤال من فمه بهدوء.
لم يكن يسأل الفارس لأنه يجهل الإجابة، بل لأنه كان يبحث عن احتمال آخر... عن طريق لم يره أحد.
رفع الفارس المقدس رأسه قليلًا.
"لو كان هناك وقت أطول، ولو لم يصل تلوث عالم الفوضى إلى تلك المرحلة، ربما كان بالإمكان إنقاذ جزء من وعيه."
توقفت كلماته للحظة.
"لكن بعد أن أصبح جسده وعقله تحت سيطرة تلك القوة... لم يعد إنقاذه ممكنًا."
خفض كايل نظره.
كان يعلم أن الفارس المقدس هو الوحيد القادر على تطهير كيانات عالم الفوضى، ومع ذلك لم يظهر إلا بعد فوات الأوان.
هو يدرك أن قدرته غريبة، وأن القوة التي يمتلكها تتجاوز كل ما عرفه سابقًا.
لكن...
أن يكون الإمبراطور؟
أن يرث أقوى القوى المقدسة في عالم مصاصي الدماء؟
كان الأمر أشبه بخيال بعيد.
ومع ذلك، فإن هذا الفارس الذي لم ينحنِ يومًا أمام ملك أو أمير...
كان الآن راكعًا أمامه.
هذا وحده كان كافيًا ليفسر الكثير.
لكن الغريب...
أنه لم يشعر بالفرح.
لم تغمره السعادة عند معرفة هذه الحقيقة.
ففي اللحظة التي اكتشف فيها أنه قد يكون صاحب مكانة لم يحلم بها، كان عقله ما زال عالقًا بوجه طفل لم يستطع إنقاذه.
...
في مكان آخر...
بينما كان كايل يواجه حقيقة جديدة عن نفسه، كانت حقيقة أخرى تُكشف في الظلام.
الحرب التي بدأت لم تكن مجرد صدام بين مملكتين.
كانت نتيجة لخطة طويلة تم إعدادها بعناية، خطة جعلت الجميع يتحركون كما أراد صاحبها.
وفي أحد القصور، كان الرجل الذي اعتقد أنه يملك زمام كل شيء يكتشف أن هناك من كان يحرك الخيوط من خلف الستار.
...
"سيد فيقاس..."
تحدث ديفيد بصوت مظلم ومضطرب.
"لقد وقعنا في شرك وخطة أزار. كل الأدلة والبراهين تشير إلى أن من تسبب في هذه الحرب هي مملكتنا."
توقف قليلًا، ثم قال:
"والشخص الذي ستوجه إليه أصابع الاتهام هو أنت، سيد فيقاس."
كان الظلام يحيط بأسفل أجفانه، وبشرته الشاحبة تكشف مقدار الإرهاق الذي وصل إليه.
لقد استنزف جسده بسبب الحبوب والمهدئات التي اضطر إلى تناولها طوال الفترة الماضية.
أما فيقاس...
فلم يجب فورًا.
ظل صامتًا لعدة لحظات.
كان يستمع، لكن عقله كان يعيد ترتيب كل الأحداث الماضية.
كل خطوة خطط لها.
كل شخص وضعه في مكانه.
كل احتمال حسب حسابه.
بدأ ينهار أمامه.
لم يكن أزار يهاجمه من الخارج فقط.
بل كان قد تسلل إلى قلب خطته منذ البداية.
ابتسم فيقاس بهدوء مخيف.
ليس هدوء شخص واثق...
بل هدوء شخص أدرك حجم الكارثة.
لقد نجح أزار في تكوين أكبر صداع واجهه في حياته.
"ديفيد..."
رفع عينيه نحوه.
"ألم تكن مهمتك مراقبة أزار؟ وإخباري بكل تحركاته؟"
في البداية كان صوته هادئًا.
لكن شيئًا بداخله بدأ يتحطم.
ثم انفجر.
نهض من مكانه، وصوته المرتفع أصاب ديفيد بالذهول.
"لقد وضعتك في مكانك لهذا السبب! كان من المفترض أن تكون عيني التي أرى بها تحركاته!"
تجمد ديفيد.
لقد فعل كل ما طلبه منه فيقاس.
تحمل أشياء لم يكن أي شخص آخر قادرًا على تحملها.
تخلى عن جزء كبير من إنسانيته في سبيل هذه المهمة.
والآن...
يقف أمامه كأنه السبب الوحيد لكل شيء.
ساد صمت ثقيل بينهما.
ثم جاء صوت فيقاس ببرود:
"ديفيد كورنيل..."
رفع ديفيد عينيه.
"شكرًا لخدماتك."
توقف للحظة.
ثم أكمل:
"يمكنك الآن الانصراف. لم أعد بحاجة إليك."
تجمد ديفيد في مكانه.
كانت الكلمات أقسى من أي عقاب.
فقدانه لهذا المنصب يعني خسارة كل شيء.
عميل مزدوج.
جاسوس.
مساعد خاص للرئيس.
وجليس لأطفاله طوال السنوات الماضية.
كل هذه السنوات...
هل كانت نهايتها مجرد كلمة واحدة؟
"ارحل؟"
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!